هاشم الأتاسي
رئيس الجمهورية السورية (1936-1939) - (1949-1951) - (1954-1955)
هاشم بن خليل الأتاسي (11 كانون الثاني 1873 – 6 كانون الأول 1960)، زعيم الحركة الوطنية في سورية وأحد الآباء المؤسسين للدولة السورية الحديثة. انتُخب رئيساً للمؤتمر السوري العام، أول سلطة تشريعية في سورية التي أعلنت استقلال البلاد عن الحكم العثماني وبايعت الأمير فيصل ملكًا في 8 آذار 1920.
تسلّم رئاسة الحكومة مرتين، وانتخب رئيساً للجمهورية مرتين: الأولى عام 1936 والثانية عام 1949. في المرة الأولى قدّم استقالته احتجاجاً على سلخ منطقة لواء إسكندرون عن سورية ورفض فرنسا المصادقة على معاهدة عام 1936، أما الاستقالة الثانية فجاءت عام 1951 عقب انقلاب أديب الشيشكلي. عاد إلى الرئاسة بعد سقوط الشيشكلي عام 1954 لإكمال ما تبقى من ولايته الدستورية حتى أيلول 1955.
لُقّب هاشم الأتاسي بـ”أبي الدستور” لدوره في صياغة دستور سورية الأول عام 1920 ودستورها الثاني عام 1928. أسّس الكتلة الوطنية عام 1927 وترأس وفدها المفاوض في باريس الذي وقّع على معاهدة عام 1936.
البداية
وُلِد هاشم الأتاسي في مدينة حمص وسط البلاد، وهو سليل أسرة سياسية كبيرة من العلماء والقضاة. كان جدّه الشيخ محمد الأتاسي مُفتياً لحمص، وكذلك والده الشيخ خالد الأتاسي الذي انتُخب عضوًا في مجلس المبعوثان. درس في مدارس حمص الحكومية وفي الكلية الإسلامية ببيروت، ثم في المدرسة الملكية العليا في إسطنبول.
الوظائف الإدارية في العهد العثماني
عُيّن معاونًا لوالي بيروت سنة 1894، ثم انتقل إلى قضاء المرقب (بانياس) قبل أن يتسلّم قائمقامية قضاء صهيون (الحفة)، حتى نقله إلى صفد سنة 1902، ثم إلى صور وجبل عامل. وفي عام 1904 عُيّن قائمقام السلط ووكيل متصرّف الكرك حتى سنة 1907، حيث تسلّم قائمقامية قضاء جبلة في الساحل السوري.
وفي صيف عام 1908 وقع انقلاب عسكري في إسطنبول أطاح بحكم السلطان عبد الحميد الثاني ومعه معظم الموظفين العرب المحسوبين على العهد الحميدي. لكن قرارات العزل لم تشمل الأتاسي نظرًا لابتعاده عن السياسة وعدم ارتباطه بالجمعيات السرية المناهضة للدولة العثمانية. عُيّن قائمقام قضاء عجلون ثم بعلبك الهرمل، ثم يافا عام 1912. وبعد عام عُيّن متصرّفاً على مدينتي حمص وحماة، ثم على عكا. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، نُقل إلى جنوب الأناضول ثم إلى مدينة بوردور في الأناضول الغربي، حيث بقي حتى نهاية الحرب عام 1918.
رئيسًا للمؤتمر السوري العام 1919-1920
لم يُشارك الأتاسي في الثورة العربية الكبرى التي انطلقت ضد العثمانيين عام 1916، إلا أنه كان متعاطفًا معها ومؤيداً لقائدها الشريف حسين بن علي. وعند سقوط الحكم العثماني في دمشق نهاية أيلول 1918، عاد إلى حمص وبايع الأمير فيصل حاكماً عربياً على سورية. عُيّن متصرّفاً لحمص في تشرين الأول 1918، وفي عام 1919 انتُخب نائباً عنها في المؤتمر السوري العام، ثم رئيسًا لهذه السلطة التشريعية اعتباراً من 3 حزيران 1919.

افتتح أولى جلسات المؤتمر في النادي العربي، واستقبل لجنة كينغ-كراين الأمريكية عند مجيئها إلى سورية لمعرفة مدى تقبل الشعب السوري للانتداب الفرنسي. ترأس الأتاسي المفاوضات مع اللجنة الأمريكية وأصدر بياناً رفض فيه مبدأ الانتداب وكل مخرجات اتفاقية سايكس بيكو المبرمة عام 1916 بين فرنسا وبريطانيا.
وفي 8 آذار 1920 أشرف على مراسيم تتويج الأمير فيصل ملكاً على سورية، وانتُخب رئيساً للجنة صياغة الدستور الأول، أو دستور سورية الملكي، الذي اعترف بملك فيصل وأولاده من بعده على أراضي المملكة السورية. وأصر الأتاسي على أن يكون فيصل ملكًا دستورياً محدود الصلاحيات، يتوجب عليه العودة إلى مجلس النواب عند اتخاذ أي قرار مصيري يتعلق بالبلاد، مثل السلم والحرب.
رئيساً للحكومة سنة 1920
رفضت الدول العظمى قرار التتويج وعدَّته تحدياً لفرنسا وخَرْقاً لاتفاقية سايكس بيكو. وعندما تزايدت الأحاديث عن قرب مواجهة عسكرية مع الفرنسيين، دعا الملك إلى تشكيل حكومة مواجهة برئاسة الأتاسي في 5 أيار 1920. عُيّن عبد الرحمن الشهبندر وزيراً للخارجية، ويوسف العظمة وزيراً للدفاع. وفي 14 تموز 1920، وصل إنذار شديد اللهجة إلى حكومة الأتاسي في دمشق من المفوض السامي الفرنسي هنري غورو، يطالب فيه بحل الجيش تمهيداً لفرض الانتداب الفرنسي. كما طالب الإنذار بجمع السلاح واعتقال المتطرفين من الأهالي، وتسليم عدد من المرافق الحيوية إلى القوات الفرنسية.
أراد الأتاسي رفض الإنذار لما فيه من شروط مجحفة بحق الشعب السوري، إلا أن الملك فيصل قبل به وأبرق إلى غورو بالموافقة. ولكنّ برقية الملك جاءت متأخرة – بحسب ما قاله الجنرال غورو – وبناءً على هذا التأخير، بدأ الزحف الفرنسي نحو دمشق، ووصلت المواجهة العسكرية ذروتها في معركة ميسلون يوم 24 تموز/يوليو 1920.
نهاية العهد الفيصلي
بعد هزيمة الجيش السوري في ميسلون، هرب الملك فيصل إلى الكسوة برفقة هاشم الأتاسي. اتجه بعدها إلى حوران، وفي 26 تموز 1920، أصدر أمراً بتشكيل حكومة جديدة برئاسة جميل الألشي، قبل مغادرته الأراضي السورية بشكل نهائي في 1 آب 1920. عاد الأتاسي إلى حمص واعتزل العمل السياسي، حيث إنه لم يُشارك في الثورة السورية الكبرى عام 1925. إلا أنه أعلن عن تأييده لها ودفع بشقيقه خليل للمشاركة فيها، مع عدد من رجالات آل الأتاسي. ردت سلطة الانتداب باعتقاله في سجن أرواد، وهي المرة الأولى والوحيدة التي دخل فيها هاشم الأتاسي السجن.
تأسيس الكتلة الوطنية
بعد انتهاء الثورة السورية الكبرى، عاد الأتاسي إلى العمل السياسي، وفي 23 تشرين الأول1927، دعا إلى اجتماع في بيروت حضره مجموعة من الوطنيين، أُعلن في ختامه عن ولادة الكتلة الوطنية. سعت الكتلة إلى توحيد الكلمة ومقارعة الانتداب من خلال العمل السياسي وليس العسكري، في اعتراف ضمني من قادتها بفشل المقاومة المسلحة التي رافقت ثورة عام 1925. وفي 3-4 تشرين الثاني 1932، عقد الأتاسي اجتماعاً موسعاً في منزله بحمص، جرى فيه إقرار دستور الكتلة الوطنية وانتخابه رئيساً لها مدى الحياة.
طالب الأتاسي برفع الأحكام العرفية وإصدار عفو عام عن المعتقلين السياسيين والمنفيين لأسباب سياسية، وكان له رأي تبناه الجميع بالأكثرية، بضرورة محاربة الانتداب عبر المؤسسات الديمقراطية نفسها التي كانت فرنسا قد أدخلتها إلى الحياة السياسية في سورية. قرروا خوض الانتخابات للوصول إلى الحكم بشكل ديمقراطي، بما عُرف بسياسة “التعاون المشرف” مع سلطة الانتداب.

دستور عام 1928
في نيسان 1928، خاضت الكتلة الوطنية أولى معاركها السياسية من خلال انتخابات الجمعية التأسيسية المكلفة بوضع أول دستور جمهوري لسورية، بدلاً من الدستور الملكي الذي كان الأتاسي قد وضعه عام 1920. فازت الكتلة بغالبية مقاعد الجمعية التأسيسية، وانتُخب الأتاسي رئيساً لها، كما كُلِّف فوزي الغزي برئاسة لجنة صياغة الدستور. أنجزوا مسودة الدستور في أسبوعين، وقدموا دستوراً عصرياً مُستلهماً من الدساتير الأوروبية، لكنه لم يُعجب السلطات الفرنسية. خلا الدستور من أية إشارة إلى نظام الانتداب، كما أنه أعطى رئيس الجمهورية، بدلاً من المندوب السامي الفرنسي، حق إعلان الحرب والسلم والتوقيع على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية. ونصت المادة 110 على حق سورية في إنشاء جيش وطني، بدلاً من الجيش الفيصلي الذي كانت فرنسا قد حلته عقب معركة ميسلون.
اعترضت فرنسا على المادة الثانية من مسودة الدستور التي نصّت على أن سورية الطبيعية هي المساحة القانونية للدولة السورية الوليدة، في نسف كامل لحدود سايكس-بيكو. في 11 آب 1928، صوت أعضاء الجمعية التأسيسية على الدستور وتبنوه بالإجماع، ولكنّ الفرنسيين أصروا على موقفهم الرافض وأضافوا عليه المادة رقم 116، وفيها ذكر صريح لنظام الانتداب. عندما رفضها الأتاسي، صدر قرار من المفوضية الفرنسية العليا بتعطيل أعمال الجمعية التأسيسية وحلّها نهائياً اعتباراً من 5 شباط 1929.
انتخابات الرئاسة عام 1932
في سنة 1932، خاضت الكتلة الوطنية ثاني معاركها عبر الانتخابات النيابية، وفاز أعضاؤها بسبعة عشر مقعداً، إلا أنهم خسروا مقاعد الشمال السوري لصالح القائمة المدعومة من قبل الفرنسيين. وفي جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، ترشح الأتاسي ضد رئيس المجلس صبحي بركات، وحاكم دولة دمشق السابق حقي العظم، والمرشح المستقل محمد علي العابد. نظراً لضعف تمثيل الكتلة الوطنية في حلب، انسحب الأتاسي من المعركة الانتخابية وأعطى أصوات كتلته إلى محمد علي العابد، الذي فاز برئاسة الجمهورية في 11 حزيران 1932.
الإضراب الستيني سنة 1936
في تشرين الثاني 1935، توفي زعيم الكتلة إبراهيم هنانو، ورفع شباب الكتلة الوطنية شعارات منددة بالانتداب أثناء تشييعه. وقعت صدامات دامية بينهم وبين عناصر جيش الشرق الفرنسي، أدّت إلى اعتقال عدد كبير من أنصار الأتاسي، وفي مقدمتهم سعد الله الجابري في حلب. وبعد اعتقال فخري البارودي في دمشق في 21 كانون الثاني 1936، أعلنت الكتلة الوطنية عن إضراب عام دام ستين يوماً، شمل المدن السورية الكبرى وامتد حتى دير الزور والبوكمال.
أَجبر الإضراب الستيني الحكومة الفرنسية على الدخول في مفاوضات مباشرة مع الأتاسي، وبناءً على طلبه، أُقيلت حكومة تاج الدين الحسني وعُيّن عطا الأيوبي رئيساً للوزراء. اتفق الطرفان على وقف الإضراب مقابل الإفراج عن المعتقلين السياسيين، وسفر وفد من الكتلة الوطنية إلى باريس للتفاوض على مستقبل سورية. نَزَل الأتاسي إلى سوق الحميدية وقص الشريط الأخضر على مدخله، مُعلناً إنهاء الإضراب الستيني، وفي نهاية شهر آذار 1936 توجه إلى باريس على رأس وفد من قادة الكتلة الوطنية، ضم فارس الخوري وسعد الله الجابري وجميل مردم بك. أثناء غيابه عن دمشق، كلّف الأتاسي شكري القوتلي برئاسة الكتلة الوطنية.
معاهدة عام 1936
مكث الأتاسي وصحبه في فرنسا طيلة ستة أشهر، وفي 9 أيلول 1936 قاموا بالتوقيع على المعاهدة السورية الفرنسية في مقر وزارة الخارجية الفرنسية في باريس. نصت المعاهدة على توسيع صلاحيات الحكومة السورية مقابل مجموعة من الامتيازات السياسية والعسكرية والثقافية، مع إعادة جبال العلويين والدروز إلى سورية والسماح بإنشاء جيش وطني، شرط أن يتم تسليحه وتدريبه من قبل الفرنسيين. وفي المقابل، وافق الأتاسي على منح فرنسا حق الانتفاع من الجو والبحر والأرض في سورية، في حال نشوب حرب عالمية جديدة في أوروبا.

عاد وفد الكتلة الوطنية إلى دمشق في 29 أيلول 1936، وأُجريت انتخابات برلمانية مبكرة في شهر تشرين الثاني، فاز فيها أعضاء الكتلة بغالبية مقاعد المجلس النيابي. استقال الرئيس محمد علي العابد من منصبه، وانتُخب هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية في 21 كانون الأول 1936، كما كُلِّف جميل مردم بك برئاسة الحكومة وانتُخب فارس الخوري رئيساً لمجلس النواب. أُعيدت وزارة الخارجية المُعطلة منذ عام 1920، وعُيّن سعد الله الجابري وزيراً لها، وأصبح شكري القوتلي وزيراً للدفاع.
الرئاسة الأولى (1936–1939)
أول ما قامت به الحكومة السورية الجديدة هو التصديق على معاهدة عام 1936، إلا أن البرلمان الفرنسي رفض المصادقة عليها. تعرّض الأتاسي إلى انتقادات كبيرة لعدم قدرته على تطبيق المعاهدة التي انتخب بموجبها، ووُلدت معارضة للعهد بزعامة عبد الرحمن الشهبندر العائد من منفاه في مصر. شن الشهبندر هجوماً عنيفاً على المعاهدة، وقال إنها أعطت فرنسا الكثير دون أن تأخذ وعداً صريحاً بالاستقلال. كان الشهبندر صديقاً قديماً للأتاسي، وقد عُيّن وزيراً للخارجية في حكومته الأولى أيام الملك فيصل عام 1920. تجنّب الشهبندر الدخول في مواجهة مع رئيس الجمهورية، وصوّب سهامه باتجاه جميل مردم بك وسعد الله الجابري، فرد الأخير – بصفته وزيراً للداخلية – بوضع الشهبندر قيد الإقامة الجبرية، ومنعه من ممارسة أي نشاط سياسي.

واجه الأتاسي تحديات أمنية كبيرة في منطقة الجزيرة عند ظهور تيار انفصالي قام بخطف محافظ المنطقة توفيق شامية، رفضاً لسلطة دمشق المركزية. هزت حادثة الاختطاف الطبقة السياسية في سورية، وأدت إلى هروب محافظ اللاذقية عادل العظمة، خوفاً من مصير مشابه. عندما أصر الفرنسيون على موقفهم الرافض للمعاهدة، استقال جميل مردم بك من رئاسة الحكومة في شباط 1939، وتحمل العهد مسؤولية سلخ منطقة لواء إسكندرون عن سورية، وإعطائها إلى تركيا لضمان حيادها في الحرب العالمية الثانية. احتجاجاً على رفض التصديق على معاهدة عام 1936 وعلى سلخ لواء إسكندرون عن سورية، استقال هاشم الأتاسي من منصبه مساء يوم 7 تموز 1939، وبعدها بيوم واحد أمرت فرنسا بحل المجلس النيابي وتولّى المفوض السامي شؤون السلطتين التنفيذية والتشريعية في سورية.
قمة الأتاسي – ديغول سنة 1941
في أيلول/سبتمبر 1939، اندلعت الحرب العالمية الثانية في أوروبا، وفي 14 حزيران 1940، سقطت باريس في قبضة الجيش الألماني. نُظّمت مقاومة ضد الاحتلال النازي بقيادة الجنرال شارل ديغول، وفي تموز 1941، تمكن الأخير من تحرير سورية من حكم فيشي، بدعم من الجيش البريطاني. جاء ديغول إلى دمشق وتوجه إلى بلدة شتورا اللبنانية لمقابلة الأتاسي، عارضاً عليه العودة إلى رئاسة الجمهورية.
سأله الأتاسي: “ما هي السلطة التي ستتمتع بها الجمهورية السورية العتيدة؟”
أجابه ديغول: “هناك ضرورات حرب ويمكن أن تكون بنود معاهدة 1936 مبدئياً هي الأسس التي تحدد بموجبها العلاقات بين الجمهورية السورية والسلطات الفرنسية.”
ردّ الأتاسي: “لقد مرت سنوات على تلك المعاهدة وتغيّرت الظروف ونحن نطالب اليوم بما هو أوسع من ذلك.” أبلغه عندها عن عدم رغبته بالعودة إلى الحكم، مُشيراً إلى أن تجربته السابقة مع الفرنسيين لم تكن مشجعة بسبب تخليهم عن المعاهدة وتراجعهم عن كل الوعود التي كانوا قد قطعوها خلال مفاوضات عام 1936.
الأتاسي في عهد القوتلي (1943–1946)
في عام 1943، بارك الأتاسي ترشح شكري القوتلي لرئاسة الجمهورية، وفي 17 نيسان 1946، دُعي للمشاركة في عيد الجلاء الأول. رفض الدخول في الحزب الوطني الذي ظهر في مطلع عهد الاستقلال، قائلاً إن الكتلة الوطنية كانت تجمعاً وطنياً في وجه الاستعمار، ليس لها أي هدف إلا تحرير البلاد وصون وحدة أراضيها. أما الحزب الوطني فله غاية سياسية أخرى، وهي الوصول إلى الحكم، وكان الأتاسي يعدّ نفسه زعيماً وطنياً وممثلاً لكل السوريين، تعلو مكانته الرفيعة جميع الاعتبارات السياسية والحزبية.
تكليفه برئاسة الحكومة سنة 1948
أثناء حرب فلسطين عام 1948، خرج هاشم الأتاسي من عُزلته وقبل تكليفه برئاسة الحكومة من قبل الرئيس شكري القوتلي. حاول إنقاذ البلاد من أزمة وزارية حادة، جاءت في أعقاب استقالة حكومة جميل مردم بك، ليكون الوحيد بين رؤساء سورية الذي قبل أن يكون رئيساً للحكومة بعد أن كان رئيساً للجمهورية. توجه الأتاسي إلى دمشق لإجراء مشاورات مع الأحزاب والكتل النيابية، لكنه سرعان ما اعتذر عن التكليف نظراً لشدة التحزّب والغليان الناتج عن تراجع الجيش السوري في فلسطين.
انقلاب سامي الحناوي (14 آب 1949)
بعد الإطاحة بحكم حسني الزعيم في 14 آب/أغسطس 1949، تداعى زعماء سورية إلى اجتماع في مقر الأركان، دعا إليه مهندس الانقلاب الثاني سامي الحناوي، الذي أعلن عزوفه عن الرئاسة. قال إنه سيعيد الجيش إلى ثكناته، ويفسح المجال أمام عودة الحياة البرلمانية التي كان حسني الزعيم قد عطلها مع انقلابه الأول. طلب الحناوي من هاشم الأتاسي العودة إلى الحكم بصفته زعيماً تاريخياً أجمع عليه الشعب السوري بكل أطيافه، لكن الأخير أصر على ضرورة عودة القوتلي، بصفته الرئيس الشرعي لسورية. رفض معظم السياسيين هذا المقترح وأصروا على الأتاسي، وبناءً عليه، قبل المهمة وشكّل حكومة للإشراف على انتخاب جمعية تأسيسية لوضع دستور جديد للبلاد. فور تسلّمه الحكم، أصدر عفواً عن جميع معتقلي عهد الزعيم وأمر بعودة الضباط المُسرحين إلى الجيش، وعلى رأسهم أديب الشيشكلي، الذي عُيّن آمراً للواء الأول.

العلاقة مع حزب الشعب
سعى الأتاسي إلى التعاون مع كل الأحزاب، وعيّن ناظم القدسي من حزب الشعب وزيراً للخارجية، وميشيل عفلق من حزب البعث وزيراً للمعارف، وجاء بالزعيم الاشتراكي أكرم الحوراني إلى وزارة الدفاع. المستفيد الأكبر من حكومة الأتاسي كان حزب الشعب المعارض لشكري القوتلي، والذي كان قد ظهر في حلب عام 1948. أحد مؤسسيه كان الدكتور عدنان الأتاسي، ثاني أبناء هاشم الأتاسي، وقد نادى الحزب بإقامة وحدة عربية شاملة تكون بدايتها بين سورية والعراق. طالب أعضاء الحزب بأن تكون الوحدة تحت عرش الأسرة الهاشمية الحاكمة في بغداد والممثلة بالملك فيصل الثاني، حفيد الملك فيصل الأول، وقد أيَّدهم رئيس الأركان سامي الحناوي، وهاشم الأتاسي الذي انتُخب رئيساً للدولة في 14 كانون الأول 1949.
انقلاب الشيشكلي الأول (19 كانون الأول 1949)
ظنّ كثيرون أن عودة الأتاسي ستؤدي إلى تحقيق الوحدة السورية – العراقية، لكنّ انقلاباً عسكرياً وقع في 19 كانون الأول 1949، أطاح بسامي الحناوي الداعم الرئيسي لهذا المشروع. مهندس الانقلاب أديب الشيشكلي رأى في مشروع الوحدة تعدّياً على نظام سورية الجمهوري وتحدياً شخصياً له، وقد هدف إلى حرمان تحالف الأتاسي – حزب الشعب من دعم المؤسسة العسكرية الذي كان يوفره الحناوي لهم فيما يتعلق بقضية الوحدة مع العراق.
انقلاب الشيشكلي الثاني (29 تشرين الثاني 1951)
لم يقترب الشيشكلي من الرئيس الأتاسي، واشترط على السلطة المدنية تعيين أحد أعوانه، اللواء فوزي سلو، في وزارة الدفاع. تفادياً لصدام جديد مع العسكر، وخوفاً من انقلاب جديد وأوسع قد يقوم به الشيشكلي، قبل الأتاسي بشروط الشيشكلي وتعايش معه حتى 28 تشرين الثاني 1951، عندما شُكلت حكومة جديدة بقيادة حزب الشعب، رفض رئيسها معروف الدواليبي إسناد حقيبة الدفاع إلى فوزي سلو.
وجّه الشيشكلي إنذاراً شديداً إليه، وطلب منه تعديل الوزارة فوراً، وعندما لم يستجب الدواليبي، قام الشيشكلي بانقلاب جديد صباح يوم 29 تشرين الثاني 1951. اعتُقل الدواليبي مع أعضاء حكومته، وأُجبروا على الاستقالة من داخل سجن المزة. غضب الأتاسي من هذا التطاول على حكمه وصلاحياته الدستورية، وفي 3 كانون الأول 1951، استقال من الرئاسة. في اليوم نفسه، أصدر الشيشكلي قراراً بتسمية فوزي سلو رئيساً للدولة والحكومة، وحكم البلاد من خلاله إلى غاية صيف العام 1953، عندما قرر تولي الرئاسة بشكل مباشر.
مؤتمر حمص
كرس الأتاسي كل جهده لإسقاط الشيشكلي ونزع الشرعية عن حكمه، فقد دعا إلى مؤتمر في داره بحمص يوم 20 حزيران 1953، حضره كل خصوم العهد الجديد. في هذا الاجتماع تقرر عدم الاعتراف برئاسة الشيشكلي والسعي لإسقاطه بكل الطرق المتاحة، ومنها العسكرية. نظراً لتقدمه بالسن ومكانته الرفيعة في المجتمع السوري، لم يتمكن الشيشكلي من اعتقال هاشم الأتاسي لكنّه أمر باعتقال نجله عدنان مع جميع رفاقه من قادة حزب الشعب.

الرئاسة الأخيرة (1954–1955)
لم يُغيّر اعتقال عدنان الأتاسي من قناعات هاشم الأتاسي وموقفه الصارم من حكم الشيشكلي. أيّد الثورة التي انطلقت ضده من جبل الدروز، وامتدت إلى حمص وحلب والساحل السوري. سقط الشيشكلي في 25 شباط 1954، وعاد الأتاسي إلى دمشق في 1 آذار ليكمل ما تبقى من ولايته الدستورية. اعتبر أن نظام الشيشكلي لم يمر على سورية، وقام باستعادة البرلمان المُنتخب عام 1949 ومعه دستور عام 1950، وألغى معظم القرارات التي صدرت في عهده.
اغتيال العقيد عدنان المالكي
حضر الأتاسي افتتاح معرض دمشق الدولي في أيلول 1954، مبشراً بمرحلة جديدة يسودها الهدوء والاستقرار والرخاء الاقتصادي. ولكن بعدها بأشهر، شهدت البلاد جريمة كبيرة عكرت صفاء الأشهر الأخيرة من عهد الأتاسي، يوم اغتيال رئيس الشعبة الثالثة في الجيش العقيد عدنان المالكي في 22 نيسان 1955. كان لهذا الحدث تأثير كبير على مجريات الحياة السياسية في سورية، وقد أدى إلى حظر الحزب السوري القومي الاجتماعي المتهم بالجريمة، واعتقال جميع قادته وأعضائه. أعطت جريمة المالكي ذريعة لضباط الجيش للتدخل مجدداً في شؤون السياسة، ومن النتائج المباشرة لتلك الجريمة كان تعيين عبد الحميد السراج مديراً للمكتب الثاني (شعبة المخابرات العسكرية) وتكليفه بالإشراف على التحقيقات.
الخلاف مع جمال عبد الناصر
ترافقت نهاية عهد الأتاسي مع وصول جمال عبد الناصر إلى الرئاسة في مصر، الذي لم يكن على علاقة جيدة مع نظيره السوري. كان الأتاسي ينظر إلى عبد الناصر ورفاقه من الضباط الأحرار على أنهم “مراهقون” في السياسة، لا خبرة لهم ولا حكمة، وقد رفض أن تكون لهم اليد العليا في رسم سياسات الوطن العربي وفرض إرادتهم ومشيئتهم على سورية. ظهر الخلاف بينهم وبين الأتاسي عندما منح اللجوء السياسي لبعض كوادر الإخوان المسلمين، المُلاحقين بعد محاولة اغتيال عبد الناصر في الإسكندرية في تشرين الأول 1954. رد عبد الناصر بسحب سفيره من دمشق وشنّ حملة إعلامية واسعة على حكّام سورية عبر جريدة الأهرام وإذاعة صوت العرب.
تفاقم الخلاف بعدها حول مشروع حلف بغداد الذي أراد عبد الناصر إجهاضه، ولكن الأتاسي رفض قائلاً إنّ بلاده لن تدخل في مواجهة لأجله، لا مع الغرب ولا مع العراق. في كانون الثاني 1955، دُعيت سورية للمشاركة في مؤتمر رؤساء الحكومات العربية المنعقد في القاهرة برعاية عبد الناصر، وترأس وفدها فارس الخوري، رئيس الحكومة المعين حديثاً من قبل الرئيس الأتاسي. رفض الخوري تهجم عبد الناصر على العراق وتخوين رئيس حكومته نوري السعيد، كما رفض وصف حلف بغداد بالمشروع الاستعماري والصهيوني.
انتخابات عام 1955
ومع قرب نهاية ولايته، طلب الأتاسي إلى سعيد الغزي تشكيل حكومة وطنية للإشراف على الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة. تُعدّ هذه الانتخابات هي الأكثر نزاهة في تاريخ سورية الحديث، نظراً للكفاءة العالية التي كان يتمتع بها الغزي ووزير الداخلية إسماعيل قولي، الذي أصرّ على عدم تدخل الجيش أو طبقة الملاكين القدامى في العملية الانتخابية. وقد صبّ هذا الحياد في مصلحة حزب البعث، الذي فاز بسبعة عشر مقعداً من مقاعد المجلس النيابي، وهي أعلى نسبة منذ تأسيسه عام 1947. اجتمع المجلس النيابي الجديد لانتخاب رئيس الجمهورية في 18 آب 1955، وفاز شكري القوتلي على رئيس الحكومة الأسبق خالد العظم. كانت هذه هي المرة الأولى والأخيرة التي يجري فيها تداول السلطة بهذا الشكل السلمي والدستوري، حيث انتقل الحكم من رئيس منتخب إلى رئيس منتخب جديد، دون وفاة أو استقالة أو إطاحة بموجب انقلاب عسكري.

سنوات التقاعد
سلّم هاشم الأتاسي مقاليد الحكم إلى شكري القوتلي في 5 أيلول وتوجه إلى حمص لقضاء سنوات التقاعد. تعرض لصدمة كبيرة يوم اعتقال نجله عدنان عام 1956، بتهمة التخطيط لانقلاب عسكري مموّل من العراق لقلب نظام الحكم في سورية. جرت له محاكمة علنية على مدرج الجامعة السورية، غاب عنها هاشم الأتاسي. كما رفض التوسط لدى شكري القوتلي لإطلاق سراح ابنه، وكان آخر ظهور له يوم إعلان الوحدة مع مصر في شباط 1958، حيث توجه إلى دمشق لاستقبال جمال عبد الناصر.
الوفاة
توفي هاشم الأتاسي في حمص صباح يوم 6 كانون الأول 1960، عن عمر ناهز 87 عاماً. خرجت له جنازة رسمية، رُفع فيها نعشه المُجلل بالعلم السوري على عربة مدفع، حضرها وزير الداخلية عبد الحميد السراج، ممثلاً عن عبد الناصر، ومعه المهندس نور الدين كحالة، رئيس المجلس التنفيذي. أُعلن الحداد العام في الجمهورية العربية المتحدة وأُطلق اسم “هاشم الأتاسي” على شارع رئيسي ومدرسة في كل مدينة سورية. وفي سنة 2005، صدر كتاب هاشم الأتاسي: حياته وعصره، لحفيده المهندس رضوان الأتاسي.

أولاد هاشم الأتاسي
أشهر أبناء هاشم الأتاسي كان الدكتور عدنان الأتاسي، أما ابنه البكر سرّي فقد كان أميناً عاماً لمجلس النواب في عهد أبيه وقد توفي أثناء رئاسته الأولى عام 1937. عمل ابنه الثالث ناظم في الزراعة، وكان أصغر الأولاد رياض رئيساً لمكتب تفتيش الدولة في مطلع الستينيات.
المناصب الرسمية
المنصب | الفترة | سبقه | خلفه |
---|---|---|---|
رئيس المؤتمر السوري | 3 حزيران 1919 – 5 أيار 1920 | محمد فوزي باشا العظم | رشيد رضا |
رئيس الحكومة | 5 أيار – 26 تموز 1920 | رضا الركابي | علاء الدين الدروبي |
رئيس الجمهورية السورية | 21 كانون الأول 1936 – 7 تموز 1939 | محمد علي العابد | أُلغي المنصب |
رئيس الحكومة | 14 آب – 14 كانون الأول 1949 | محسن البرازي | ناظم القدسي |
رئيس الجمهورية السورية | 14 كانون الأول 1949 – 3 كانون الأول 1951 | حسني الزعيم | فوزي سلو |
رئيس الجمهورية السورية | 1 آذار 1954 – 5 أيلول 1955 | أديب الشيشكلي | شكري القوتلي |