أعلام وشخصياتسياسيون ورجال دولة

أحمد حمدي الجلّاد

مدير شرطة دمشق 1920-1925.

 

أحمد حمدي الجلّاد (1882-1961)، من رجالات الدولة السورية، كان رئيس بلدية دمشق في عهد الملك فيصل الأول ومن ثمّ مديراً لشرطة دمشق في مطلع مرحلة الانتداب الفرنسي. عُزل عن منصبه بقضية فساد واطلق سراحه سنة 1927.

البداية

ولد أحمد حمدي الجلّاد في دمشق لأسرة عريقة اشتهر أبنائها بتجارة الحرير، وكان والده محمد رشيد الجلّاد رئيساً لغرفة تجارة دمشق في نهاية القرن التاسع عشر. درس في المدرسة الرشدية العسكرية بدمشق ثمّ في الكلية الملكية الشاهانية في اسطنبول، ليتم تعيينه فور تخرجه في ديوان الخط الحديدي الحجازي.(1)

بداية العمل الإداري والسياسي

في عام 1911، عين الجلّاد قائم مقام على بلدة الزبداني بريف دمشق، ثم نُقل إلى مرجعيون في منطقة النبطية وبعدها في عكار، وصولاً لمنصب وكيل متصرف مدينة نابلس عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى.(2) انتسب الجلّاد في شبابه إلى الجمعية العربية الفتاة، التي أُسست في فرنسا على يد مجموعة من الطلاب العرب، المؤمنين بالقومية العربية والساعين إلى توسيع قاعدة مشاركتهم السياسية في الدولة العثمانية.

استمر عمل الجمعية في السر، وظل نشاط الجلّاد فيها غير معروف حتى عام 1916 عندما ذكر اسمه في التحقيقات الجارية في الديوان الحربي في عاليه، نتيجة التعذيب الذي تعرض له أحد أعضاء الجمعية المعتقلين. تمّ استدعائه للمثول أمام جمال باشا، حاكم ولاية سورية، بتهمة تسهيل فرار الطبيب عبد الرحمن الشهبندر، الذي كان مطلوباً من قبل السلطات العثمانية بسبب نشاطه القومي.(3)

طرد الجلّاد على أثر هذه الحادثة من عمله الحكومي وتمّ نفيه إلى مدينة أنقرة التركية، حيث وضع تحت الإقامة الجبرية لمدة عام. هرب بعدها إلى مدينة أزمير، وتوارى عن الأنظار طيلة السنوات الأخيرة من الحرب العالمية الأولى ليعود إلى دمشق مع طلائع قوات الثورة العربية الكبرى في تشرين الأول 1918.(3)

في رئاسة بلدية دمشق    

بايع حمدي الجلّاد الأمير فيصل بن الحسين حاكماً على سورية، وقام الأخير بتعينه رئيساً لبلدية دمشق، التي كانت تعاني الأمرين من الفوضى العارمة والنقص في الموارد المادية والكوادر البشرية، نتيجة سنوات الحرب الطويلة التي ألقت بظلالها على المدينة. أولى تحدياته كانت إعادة الكهرباء إلى شوارع العاصمة، بعد عام كامل من الإنقطاع، وتأمين نفقات إعادة تشغيل الخط الحديدي الحجازي، الذي دُمر جزئياً خلال الثورة العربية.

نظراً لعجز شديد في ميزانية الدولة، قام الجلّاد باستملاك طرفي “شارع جمال باشا،” الذي تحول اسمه ليصبح شارع النصر، ووضعت البلدية يدها على بناء كامل في محلّة السنجقدار، لتأمين نفقات ترميم سوق الحميدية وتعبيد الطرقات في منطقة القصّاع ومحلّة الخراب.(4) كما وضعت أرصفة حديثة في حي البحصة وجادة الصالحية وفي بعض حارات باب توما.(5)

أشرف حمدي الجلّاد على مراسيم تتويج الأمير فيصل ملكاً على البلاد في صباح يوم 8 آذار 1920. جال على كل دور دمشق بحثاً عن كرسي يليق بأن يكون عرشاً للملك، ووجد طلبه في منزل أبو الخير الفرا، أحد أعضاء المجلس البلدي، الذي قدم كرسي دمشقي فخم مصنوع من العاج والصدف، استخدم عرشاً لفيصل في ذاك اليوم التاريخي.(6)

خُلع الملك فيصل عن عرش الشّام بعد المواجهة العسكرية بين قواته والجيش الفرنسي في معركة ميسلون يوم 24 تموز 1920. قبل مغادرته دمشق، عُيّن علاء الدين الدروبي رئيساً للوزراء، الذي قام بدوره بنقل حمدي الجلّاد من بلدية دمشق إلى مديرية الأمن العام، التي كانت تضم سلاحي الشرطة والدرك. تمّ الفصل بينهما، وأسست مديرية مستقلة للشرطة، ذهبت رئاستها لحمدي الجلّاد.

مديراً لشرطة دمشق  

لعب حمدي الجلّاد دوراً محورياً في الحفاظ على أمن العاصمة خلال المرحلة الإنتقالية الفاصلة بين خروج قوات الأمير فيصل وبدأ حكم الإنتداب الفرنسي. منعاً للسرقات والنهب قام باعتقال أصحاب السوابق وكل من أخرج من السجون نتيجة العفو العام الأخير الذي أصدره فيصل قبل رحيله.

في صيف ذلك العام، قامت فرنسا بتقسيم البلاد السورية إلى دويلات، كان من ضمنها “دولة دمشق” التي ذهبت رئاستها لحقي العظم وأصبح الجلّاد فيها مديراً للشرطة ومسؤلاً عن مدينتي حمص وحماة. وصل عدد أعضاء سلك الشرطة في عهده إلى 300، وزعهم على المدن والقرى بنسبة شرطي واحد لكل ألف شخص، إلا دمشق التي كانت حصتها شرطيان اثنان لكل ألف شخص، بسبب كثافة عدد سكانها. أما حمص فكان لها 45 شرطياً وحماة 35 شرطياً.(7)

كانت المديرية بحاجة إلى آليات وأجهزة فنية وأسلحة خفيفة، فقام بنقل مخلفات الجيش السوري المنحل إلى ملاك الشرطة، واستحضر 350 مسدس حديث من إنكلترا لتوزيعها على دوريات الليل، مع كلاب بوليسية وخيول ودراجات نارية. أسس مدرسة لفرسان الشرطة وشكل فرقة من الخيالة لضبط الأمن في أطراف العاصمة، كما ربط هاتفياً بين شرطة المرور، على قلة عددهم يومئذ، ومديرية الشرطة والمخافر.(8)

وأخيراً، سرح 170 شخص من الخدمة، بين مفوض وشرطي، لم تعجبه سيرهم المسلكية، ووضع شروط صارمة لقبول أي متطوع جديد إلى سلك الشرطة، مع امتحان شفهي ومكتوب، يتم من خلاله تحديد ثقافته وأناقته وأخلاقياته.(9) كما أسس أرشيفاً للشرطة، فيه أضابير لكل المجرمين، ومعه مكتبة للضباط وأخرى للسجناء.(10)

تعرضت ولايته لعدة تحديات وقلاقل أمنية كان من بينها إغتيال رئيس الوزراء علاء الدين الدروبي في قرية خربة غزالة في سهل حوران في آب 1920، ومحاولة اغتيال الجنرال غورو خلال زيارته إلى القنيطرة في حزيران 1921. أشرف الجلّاد على التحقيقات بكلا الحادثتين.

مجلّة الشرطة

وبعد عام على توليه المنصب، أسس مجلّة نصف شهرية للشرطة، بالتعاون مع الصحفي نجيب الريّس، تعنى بالمواضيع المسلكية والقانونية إضافة لنشر كل المراسيم المتعلقة بالشرطة التي تصدرها الدولة.(11) صدر العدد الأول منها يوم 15 أب 1921 وحمل صورة المفوض السامي الفرنسي هنري غورو على الغلاف. حدد سعر المجلّة بخمسة قروش والاشتراك السنوي بليرة سورية واحدة.

العزل والاعتقال

في 22 نيسان 1925، كفّت يده عن الخدمة، بعد اتهامه بسرقة أموال كانت قد خصصتها حكومة الانتداب لشق شارع بغداد وسط العاصمة السورية. عُزل بأمر من رئيس الدولة صبحي بركات وعُين بدلاً عنه في قيادة الشرطة القاضي خليل رفعت.

مثل حمدي الجلّاد أمام محكمة الجنايات وصدر حكم عليه بالسجن ثلاث سنوات. أطلق سراحه بموجب عفو خاص من رئيس الدولة أحمد نامي يوم 11 كانون الثاني 1927. غاب الجلّاد عن أي منصب رسمي من بعدها، وعاش متقاعداً في منزله بحي عين الكرش في دمشق. اشتهر ابنه عرفان الجلّاد كأحد رجالات الإقتصاد في سورية وكان عضوا بارزاً في غرفة تجارة دمشق في خمسينيات القرن العشرين.

الأوسمة

حمل حمدي الجلّاد وسام الإستحقاق العثماني من الدرجة الثالثة، ونوط السكة الحديدية الحجازية الذهبي، ووسام الأكاديمي الفرنسي برتبة “ضابط كبير.”

 

المصدر
1. جورج فارس. من هم في العالم العربي (دمشق 1957)، ص 139-1402. نفس المصدر3. أدهم الجندي. تاريخ الثورات السورية في عهد الإنتداب الفرنسي (دمشق 1960)، ص 5324. جورج فارس. من هم في العالم العربي (دمشق 1957)، ص 139-1405. جريدة العاصمة (8 نيسان 1919)6. جريدة العاصمة (22 كانون الثاني 1920)7. خالد العظم. مُذكّرات، الجزء الأول (الدار المتحدة، بيروت 1972) ص 1078. أحمد حمدي الجلّاد. "تاريخ الشرطة السورية،" مجلّة الشرطة والأمن العام، عدد أذار 1953.9. ابراهيم غازي. نشأة الشرطة وتاريخها في سورية (دمشق 1994)، ص 176-17710. أحمد حمدي الجلّاد. "تاريخ الشرطة السورية،" مجلّة الشرطة والأمن العام، عدد أذار 1953.11. ابراهيم غازي. نشأة الشرطة وتاريخها في سورية (دمشق 1994)، ص 176-17712. أحمد حمدي الجلّاد. "تاريخ الشرطة السورية،" مجلّة الشرطة والأمن العام، عدد أذار 1953.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!