أعلام وشخصياتسياسيون ورجال دولة

أحمد عزت باشا العابد

كبير أمناء السلطان عبد الحميد الثاني.

أحمد عزت باشا العابد
أحمد عزت باشا العابد

أَحْمَدْ عِزَّتْ بَاشَا اَلْعَابِدْ (1851 – 15 تشرين الأول 1924)، رجل دولة من دمشق كان كبير أمناء السلطان عبد الحميد الثاني وعضو مجلس شورى الدولة العثمانية حتى عام 1908. وهو صاحب مشروع الخط الحديدي الحجازي ووالد محمّد علي العابد، أول رئيس للجمهورية السورية.

البدايات

ولِد أحمد عزت العابد في دمشق لأسرة تجارية من حيّ الميدان، كانت تعمل في الزراعة وتربية المواشي.

ذاع سيط العائلة خلال الأحداث الدامية التي شهدتها دمشق في ستينيات القرن التاسع عشر، عندما قام جدّه الأكبر عمر آغا العابد بحماية الآف المسيحيين الدمشقيين، بالتنسيق مع الأمير عبد القادر الجزائري، خلال ما عُرف بفتنة عام 1860.(1)

موقفه المُشرّف والشُجاع سلّط أعين العثمانيين عليه، فقرروا اعتماده حليفاً لهم في دمشق، وكانوا يومها في أشدّ الحاجة لأصدقاء جدد ولمرجعيات محليّة بعد انهيار الطبقة الحاكمة بسبب الأحداث الدامية التي عصفت بالمدينة.

نُصّب عمر العابد زعيماً على حيّ الميدان وانتقلت الزعامة بالوراثة من بعده لأكبر أبنائه هولو العابد، الذي أصبح مُتصرّفاً على مدينة حمص وسط البلاد ثم على نابلس، قبل تعينه رئيساً لمحكمة النقد ثم مديراً لمجلس ولاية سورية عام 1890.(2)

تضاعفت ثروة آل العابد بشكل كبير، وقام هولو باشا بشراء أسهم في شركة قناة السويس البحرية، وأصبح صديقاُ للخديوي إسماعيل كما امتلك أسهماً في قناة بنما الواصلة بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ.(3)

العمل في الصحافة

ترعرع أحمد عزت العابد في كنف والده، ودَرَس مع الأجانب في مدارس الكاثوليك الخاصة في بيروت، وعَمِل في شبابه كاتباً في دائرة المُراسلات العُثمانيّة بدمشق، مُستفيداً من إتقانه الكامل للغات الفرنسية والإنكليزية، بالإضافة طبعاً للغتين العربية والتركية.

في عام 1873، عُيّن أحمد عزّت العابد رئيساً لدائرة القَلَم في ولاية سورية، ثمّ رئيساً لمحكمة التجارة المختلطة، كما أصبح مُقرّباً من والي الشّام أحمد جواد باشا.

أحبّ جواد باشا هذا الفتى اللّامع والطموح واعتبرهُ رجلاُ فريداً قلّ مثيلهُ بين أعيان مدينة دمشق، بسبب معرفته الواسعة واطلاعِه على الحضارات الغربية وعلوم عصره، فقام بتعيينه رئيساً لتحرير جريدة سورية الرسميّة التي كانت تصدرها السلطات العثمانية في دمشق باللغتين العربية والتركية.(4)

وفي عام 1878، قام أحمد عزت باشا بتأسيس مطبوعته الخاصة، وهي صحيفة أسبوعية ناطقة باللغة العربية تُدعى جريدة دمشق. كانت تُنادي بالإصلاح وتدعم رؤية السلطان وتوجهاته في السّياسة الخارجية.(5) لم تلقَ رواجاً واسعاً آنذاك، بسبب تَفَشّي الأمّيّة في دمشق، لكنها أصبحت وخلال فترة قياسيّة الجريدة المُفضّلة لدى النُخبة الحاكمة، وكان يُقال إن مواضيعها وطروحاتها كانت تُعجب الباب العالي. ولكثرة انشغاله بالأمور السّياسيّة، ولأنّ الصحافة لم تكن يوماً مهنته المُفضّلة، قام أحمد عزت باشا بإغلاق الجريدة سنة 1887، طامحاً بمنصب رفيع بمعية السلطان عبد الحميد الثاني، يليق بطموحاته السياسية.

في قصر السلطان عبد الحميد الثاني

وصل أحمد عزت باشا إلى إسطنبول وعمل في بداية مُفتّشاً في العدلية ثم قاضياً في المحاكم التجارية، مروجاً لنفسه لدى السياسيين العُثمانيين المُقربين من السّلطان، الذي كان يُحب دوماً إحاطة نفسه بأصحاب الخبرات الدمشقية، نظراً لعِلمِهم وخبرتهم العالية في الإدارة والتجارة والأمور الدينية.

استطاع أحمد عزت باشا الوصول إلى السلطان عبد الحميد الثاني، الذي أحبه وقام بتعيينه مديراً إدارياً لمجلس الشورى العُثماني. مع مرور الوقت أصبح أحمد عزت العابد صديقاً للسّلطان ومستشاراً خاصاً له، بالإضافة لتكليفه بمراقبة لجنة الموازنة التابعة للحكومة العُثمانية. كان العابد لم يتجاوز السابعة والثلاثين من العُمر يومها، وكان السلطان عبد الحميد يكبره بإحدى عشرة سنة، ومع ذلك كانت هذه الصداقة السريعة نتيجة خُلقه الرفيع ودماثته والتقاطِه جميع رغبات السّلطان ثم تنفيذها من دون أي تأخير، بحنكة ودهاء. وقد سمّى السلطان أحد أحد أبناؤه عابداً (وهو من تولد سنة 1905) محبة وتثديراً لمستشاره السوري.

منجزات أحمد عزت العابد

لعِب أحمد عزّت العابد دوراً محوريّاً في إنشاء الخطّ الحديدي الحجازي لربط دمشق بالمدينة المنورة، وتسهيل سفر الحجاج وسير البضائع بين بلاد الشّام والحجاز. تكلفة المشروع وصلت إلى خمسة ملايين ليرة عُثمانية ذهبية، ثم جمعها من تبرعات الحواضر الإسلامية، وقام العابد بالتبرّع له من ماله الخاص.(6)

كما قام بإنشاء خطّ التلغراف الواصل بين إزمير وبنغازي، وبين دمشق والمدينة المنورة. وبالإضافة إلى كلّ ذلك، شجّع العابد على إدخال الكهرباء إلى مدينة دمشق سنة 1907، عبر شركة بلجيكية كبيرة، ويعود له الفضل في ادخل وسيلة نقل الترامواي إلى شوارع دمشق، بالتزامن مع الكهرباء.

وفي عام 1879 قام ببناء فندق فخم مُطل على نهر بردى وسط مدينة دمشق، حمل اسم فندق فيكتوريا، استغرق بناؤه عشر سنوات. كان الفندق غريباً عن الذوق العام لمدينة دمشق، بعيداً من الزخارف والموزاييك والعمارة الإسلامية، مبنيّاً من الحجز المستورد، بشكل يُشبه أبنية باريس وبرلين. وعند زيارة إمبراطور ألمانيا غليوم الثاني دمشق عام 1898، نَزَلَ ضيفاً في هذا فندق، الذي أصبح مقرّاً عسكريّاً للجيوش العثمانية والألمانية في زمن الحرب العالمية الأولى. وبعدها شيّد العابد بناء كبير وسط ساحة المرجة، أطلق عليه اسم “بناء العابد” وهو ما زال قائماً حتى اليوم.

الإنقلاب العثماني عام 1908

أرسل أحمد عزت العابد ابنه محمّد علي إلى باريس لدراسة الهندسة المدنية في جامعة السوربون، وعند تَخرُّجه، عينه سفيراً للدولة العثمانية في واشنطن. ولكنه وبعد أسابيع قليلة من وصوله إلى العاصمة الأميركية، وقع انقلاب عسكري في إسطنبول، قام به مجموعة من الضُبّاط الشباب من جمعية الاتحاد والترقي، أجبروا السّلطان عبد الحميد على التخلّي عن معظم صلاحياته. حاصروا السّلطان داخل قصره يوم 23 تموز 1908، وفرضوا عليه حزمة من الإصلاحات، كان من بينها إعادة الدستور العثماني المُعطل منذ عام 1878، وتفعيل المجلس النيابي المُنحل أيضاً، ليتحول من بعدها حاكماً صورياً فاقداً أي سلطة حقيقية، مُسيَّراً من قبل مجموعة من الضُبّاط الذين لا يُقيمون له أي وزنٍ أو احترام.

أول من دفع فاتورة حكم السّلطان عبد الحميد كان مُستشاره المُقرّب وكبير أمنائِهِ أحمد عزّت العابد، الذي اعتُبر العقل المدبر وراء كلّ سياسات العهد الحميدي، فقام الاتحاديون بعزله ونفيه إلى أوروبا، مع أمر صارم بأن لا يعود إلى إسطنبول. وبدأت المُخابرات العُثمانية بنشر الإشاعات حول العابد، مُتهمة الرجل بالفساد والرشوة و”الإجرام السياسي.” غادر أحمد عزّت الباشا إسطنبول مُتجهاً إلى واشنطن مكان إقامة اِبِنِه، بحثاً عن ملجأ آمن له ولأفراد أُسرته، ولكن الاتحاديون قاموا بعزل محمّد علي العابد من منصبه، فغادر أميركا والتقى بأبيه في العاصمة الفرنسية باريس.

سنوات المنفى

عاشت عائلة العابد بين فرنسا وسويسرا ، حيث قام أحمد عزّت باشا بإدارة ما تبقى من أملاكه وأرزاقه التي لم يُصادرها الاتحاديون بدمشق. كما قام بشراء أسهم في عدة شركات عالمية في نيويورك وباريس ولندن. حافظ أحمد عزّت باشا على اتصال سري بالسّلطان عبد الحميد الثاني حتى عزله نهائياً عن العرش في نيسان 1909 حيث تم استبداله بشقيقه محمّد رشاد أفندي، الذي تولّى عرش السلطنة بدعم من الاتحاديين وأصبح يُعرف بالسلطان محمد رشاد الخامس. قضى السلطان عبد الحميد أيامه الأخيرة سجيناً في قصره على ضفاف البوسفور، حتى وفاته في 10 شباط 1918، أي قبل أشهر قليلة من سقوط الحكم العثماني في دمشق.

أحمد عزت باشا العابد في سنواته الأخيرة
أحمد عزت باشا العابد في سنواته الأخيرة

عند مُشاهدتهم مصير مولاهم السّلطان، قرر رجال بيت العابد اعتزال العمل السياسي نهائياً، وعدم الاقتراب من الثورة العربية الكبرى التي قادها الشريف حسين بن علي ضد الدولة العُثمانية في صيف عام 1916، عِلماً أنها وعدت بالإطاحة بنظام جمعية الاتحاد والترقي في كلّ من إسطنبول وتحرير سورية من الحكم العُثماني.

لم تُعجب ثورة الشريف حسين أحمد عزّت باشا الذي ظلّ وفيّاً لتاريخه مع الدولة العثمانية. فبعد نجاحها وهزيمة الجيش العثماني عن دمشق في نهاية شهر أيلول من العام 1918، رفض مبايعة الأمير فيصل بن الحسين حاكماً عربياً على سورية وبقي مُقيماً في فرنسا حتى سقوط العهد الجديد وفرض الانتداب الفرنسي على سورية في صيف العام 1920.

عاد أحمد عزّت العابد بعدها إلى دمشق بتشجيع من الجنرال هنري غورو، المندوب السامي الفرنسي في سورية ولبنان، الذي أراد دفعه إلى الاستثمار مجدداً في وطنه الأم للنهوض باقتصاد سورية المُدمر بعد الحرب العالمية الأولى.

لبى العابد النداء وقام ببناء مستشفى بحيّ الميدان مع ملجأ للأيتام، ولكنه رفض الإقامة في دمشق وشدّ الرحال إلى مصر، ليحلّ ضيفاً على الملك فؤاد الأول. وبقي مُقيماً في القاهرة حتى وفاته.

الوفاة

توفي أحمد عزت باشا العابد في مصر عن عمر ناهز 73 عاماً في 15 تشرين الأول 1924.

عائلة العابد

تزوج أحمد عزّت العابد مرتين، وكانت زوجته الأولى من سلالة جلال الدين الرومي واسمها بهيّة المرادي، والثانية شركسية وتُدعى نِبراس خانم، والدة الرئيس محمّد علي العابد العابد.

مُذكّرات العابد

في عام 2018، أُعلن في إسطنبول عن قرب صدور مُذكّرات أحمد عزّت العابد باللغة التركية، التي كان قد وضعها في نهاية الحرب العالمية الأولى وأودعها في إحدى المصارف السويسرية، مُشترطاً ألّا تُنشر إلا بعد مرور 100 عام.

المصدر
1. محمد سعيد الإسطواني. مشاهد وأحداث دمشقية في منتصف القرن التاسع عشر (دمشق 1994)، ص 1802. فيليب خوري. أعيان المدن والقومية العربية سياسة دمشق 1860-1920 (مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت 1993)، ص 583. سامي مروان مبيض. تاريخ دمشق المنسي (دار رياض نجيب الريّيس، بيروت 2015)، ص 2124. نفس المصدر5. عبد الغني العطري. أعلام ومبدعون (دار البشائر، دمشق 1999)، ص 116. نفس المصدر، ص 12-13

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!