أعلام وشخصياتسياسيون ورجال دولة

تاج الدين الحسني

رئيس وزراء (1928-1931، 1934-1936)، رئيس الجمهورية (1941-1943).

الرئيس تاج الدين الحسني
الرئيس تاج الدين الحسني

تاج الدين الحسني (1885 – 17 كانون الثاني 1943)، سياسي سوري ورجل دولة، كان رئيساً للجمهورية من 16 أيلول 1941 وحتى وفاته يوم 17 كانون الثاني 1943. تَقَلّد أرفع المناصب السّياسية في حياته، فكان رئيساً للحكومة أربع مرات ما بين 1928-1936، وشارك في وضع أول دستور جمهوري للبلاد عام 1928. لُقب بالرئيس المِعمار لشدة اهتمامه بالتطوير والبناء، وفي عهده حصلت سورية على استقلالها عن الانتداب الفرنسي، ولكن انسحاب الجيش الفرنسي عن الأراضي السورية بقي مشروطاً بنهاية الحرب العالمية الثانية في أوروبا.

البداية

ولِد تاج الدين الحسني في دمشق ودرس علوم الشريعة واللغة العربية على يد والده الشّيخ بدر الدين الحسني، أحد أشهر عُلماء عصره والمحدّث الأكبر في بلاد الشّام. كما دَرس الفقه الإسلامي على يد الشيخ محمّد رشيد العطّار وفي عام 1912، عُيّن مُدرساً في المدرسة السلطانية بدمشق وعضواً في مجلس إصلاح المدارس.(1)

العمل في الصحافة

اختاره جمال باشا، حاكم ولاية سورية خلال الحرب العالمية الأولى، ليكون رئيساً لتحرير جريدة الشرق التي أسستها الدولة العثمانية في سورية. تعاون مع الأمير شكيب أرسلان، الذي عُيّن نائباً لرئيس تحرير جريدة الشرق، وأصدر العدد الأول من في 27 نيسان 1916. وبعد استقالة الأمير شكيب من منصبه، احتجاجاً على إعدام جمال باشا نخبة من القادة العرب في دمشق وبيروت يوم 6 أيار، كُلّف محمد كرد علي بإدارة تحرير الصحيفة، بالتعاون مع الشيخ تاج، وظلّت جريدة الشرق تصدر بشكل منتظم حتى خروج العثمانيين من سورية في 26 أيلول 1918.(2)

مع الملك فيصل الأول

بايع الشيخ تاج الأمير فيصل بن الحسين حاكماً عربياً على سورية يوم 3 تشرين الأول 1918 ووضع نفسه تحت تصرفه وتصرف والده الشريف حسين بن علي، قائد الثورة العربية الكبرى المنتصر في حربه على الدولة العثمانية. اجتمع الشيخ تاج بالأمير فيصل وقدّم له شرحاً مُفصلاً عن ظروف المدارس الشرعية في سورية واحتياجاتها، فأُعجب الأمير بفصاحته وبلاغته، وقام بتعيينه دوناً عن كل شباب دمشق مُديراً للقصر الملكي في منطقة المهاجرين، المطل على العاصمة السورية.

كما سُمّي الشيخ تاج عضواً في محكمة التمييز الشرعية وفي مجلس الشورى. وخلال سنوات العهد الفيصلي (1918-1920)، انتسب إلى الحزب السوري الوطني الذي أسسه أمير الحج عبد الرحمن باشا اليوسف، المنادي بوحدة الأراضي السورية واستقلالها التام عن أية هيمنة أوروبية.(3)

وفي عام 1919، ترشّح الشّيخ تاج في الانتخابات البرلمانية الأولى التي تمّت في سورية وفاز بمقعد نيابي ممثلاً عن مدينة دمشق في المؤتمر السوري العام، وهو أول سلطة تشريعية في تاريخ سورية الحديث. ومن هذا الموقع، شارك في حفل تتويج الأمير فيصل ملكاً على البلاد يوم 8 آذار 1920.

الشيخ تاج رئيساً للحكومة سنة 1928
الشيخ تاج رئيساً للحكومة سنة 1928

الحكومة الأولى (شباط 1928 – 14 آب 1930)

خُلع الملك فيصل عن العرش بعد مواجهة عسكرية مع الجيش الفرنسي في معركة ميسلون يوم 24 تموز 1920، وفُرض على أثرها الانتداب الفرنسي على سورية، تنفيذاً لما جاء في اتفاقية سايكس بيكو، الموقعة بين حكومتي فرنسا وبريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى.

سافر الشّخ تاج إلى فرنسا وتَعرف على رجالات الانتداب الذين طلبوا منه العودة إلى دمشق وتشكيل حكومة وحدة وطنية في الأيام الأولى من الثورة السورية الكبرى سنة 1925، خلفاً لحكومة الرئيس صبحي بركات. ولكنه رفض هذا العرض متحججاً بشدة الاحتقان السّياسي واشتعال الثورة المسلّحة في طول البلاد وعرضها.(4)

انتظر الفرنسيون قليلاً، نزولاً عند رغبته، وبعد أشهر قليلة من انتهاء الثورة السورية الكبرى أُعيد تكليفه برئاسة الحكومة. قبل الشيخ تاج التكليف وشكّل حكومته الأولى يوم 15 شباط 1928. جاءت الحكومة مؤلفة من ستة وزراء، جميعهم من الأعيان:

محمد كرد علي (مستقل): وزيراً للمعارف

جميل الألشي (مستقل): وزيراً للمالية

سعيد محاسن (مستقل): وزيراً للداخلية

عبد القادر الكيلاني (الكتلة الوطنية): وزيراً للزراعة

توفيق شامية (الكتلة الوطنية): وزيراً للأشغال العامة

انتخابات المؤتمر التأسيسي

كُلّفت هذه الوزارة بالإشراف على انتخابات المؤتمر التأسيسي لوضع أول دستور جمهوري للبلاد، بدلاً من دستور الملك فيصل الذي أُجعض مع بداية الانتداب الفرنسي سنة 1920. أجريت هذه الانتخابات يوم 24 نيسان 1928، ووُجهت خلالها اتهامات لاذعة للشيخ تاج ورجاله وقيل إن تزويراً كبيراً قد حصل في عدة مُدن رئيسة ومنها دمشق، وتحديداً في أحياء الشاغور وباب شرقي.(5) كما وجهت المعارضة الممثلة بالكتلة الوطنية اتهاماً مباشراً لرئيس الحكومة، بأنه حاول شراء أصوات أهالي غوطة دمشق عبر إرسال 600 ليرة عثمانية لكل قرية. وردن حكومة الشّيخ تاج أن هذه المبالع كانت مخصصة للعائلات المتضررة هي من الثورة السورية الكبرى ولا علاقة لها بالعملية الانتخابية.(6)

مع ذلك تمكن الشّيخ تاج من وضع اسمه على جميع القوائم الانتخابية في دمشق، بما فيها قائمة خصومه في الكتلة الوطنية، وصار يُعرف بلقب “شيخ القوائم.”(7) من أصل تسعة نواب كانوا مخصصين للعاصمة السورية، فازت الكتلة الوطنية بثمانية مقاعد، وكان المقعد التاسع من نصيب الشّيخ تاج. أمّا بقية حلفاء رئيس الحكومة، فقد هزموا جميعاً في تلك الانتخابات.

دستور عام 1928

عقدت اللجنة المُنتخبة أول جلسة لها يوم 9 حزيران 1928 وبدأ العمل على كتابة الدستور الجديد تحت إشراف هاشم الأتاسي، رئيس المؤتمر التأسيسي، ممثلاً عن الكتلة الوطنية. وخلال مدة لم تتجاوز الأسبوعين تمكن أعضاء المؤتمر من وضع دستور عصري للدولة السورية، لم يرد فيه أي ذكر لنظام الانتداب الفرنسي المفروض على سورية منذ عام 1920.

غضبت المفوضية الفرنسية العليا في بيروت من هذا التجاهل الصريح وطلبت من المؤتمر التأسيسي تعديل ست مواد من مسودة الدستور، منها تلك المتعلقة بحدود سورية وصلاحيات رئيس الجمهورية، وطالبت بالاعتراف بشرعية الانتداب دستورياً. ولكن هاشم الأتاسي رفض ذلك بشدة، القيام بذلك، أما الشيخ تاج فقد قبل التعديلات المقترحة، تفادياً لأي صدام مع سلطة الانتداب. فتعرض رئيس الحكومة لهجوم عنيف من قبل نائب دمشق فخري البارودي، أحد أضاء الكتلة الوطنية، مما أجبر الشّيخ تاج على الانسحاب من الجلسة احتجاجاً وغضباً.(8) ونظراً لإصرار الوطنيين على موقفهم الرافض للتعديلات المقترحة، قامت فرنسا بحل المؤتمر التأسيسي وتعطيل الدستور إلى أجل غير مسمّى، ليتم فرضه فرضاً على السوريين سنة 1930، بعد إضافة المواد الجديدة.

الحكومات الثانية والثالثة (14 آب 1930 – 19 تشرين الثاني 1931)

في 14 آب 1930 أجرى الشّيخ تاج تعديلاً طفيفاً على حكومته، بعد التخلي عن بعض الوزراء المهزومين في انتخابات المؤتمر التأسيسي، مثل سعيد محاسن، وجاءت حكومته الثانية على الشكل التالي:

تاج الدين الحسني: رئيساً للحكومة ووزيراً للداخلية

توفيق شامية (الكتلة الوطنية): وزيراً للمالية

عبد القادر الكيلاني (الكتلة الوطنية): وزيراً للزراعة

محمد كرد علي (مستقل): وزيراً للمعارف

فؤاد العادلي (مستقل): وزيراً للأشغال العامة

شاكر الحنبلي (مستقل): وزيراً للعدلية

وفي 27 تشرين الأول 1930، إزداد خلاف بين الشّيخ تاج والكتلة الوطنية، وشُكّلت حكومته الثالثة التي اختصر التمثيل الوطني فيها على وزير واحد فقط، وهو توفيق شامية، الذي سمّي مجدداً وزيراً للمالية.  وقد استبدل الوزير الكتلوي عبد القادر الكيلاني برئيس مجلس الشورى المستقل بديع مؤيد العظم، الذي بات وزيراً للزراعة. أما بقية الحقائب فلم تتعرض لأي تغيير.

الرئيس المعِمار

كان الشّيخ تاج فخوراً جداً بالإنجازات العمرانية التي حصلت في عهده، وطَلَب من مطبعة الحكومة وضع كتاب عنها، صَدر في دمشق عام 1931. ضمت هذه الإنجازات إنشاء مستشفى ابن رشد للأمراض السارية في حلب ومستشفى الرازي للأمراض الجلدية والعينية، إضافة إلى مشفى الأمراض العقلية في القصير ومشفى آخر في مدينة دير الزور. كما دُشّنت في عهده 24 مدرسة للذكور وأربع مدارس للبنات وثلاث مدارس للبدو، ومعهم المدرسة العليا للآداب في دمشق التي قام هو بافتتاحها يوم 9 تشرين الثاني 1929. وضمت الإنجازات شق طريق دمشق – حلب وطريق القنيطرةبانياس، وإنشاء سرايا الحكم في حلب (في سوق الجمعة مقابل قلعة حلب) وسرايا كل من إدلب والقامشلي ورأس العين وعفرين والباب ومنبج وجرابلس وقطنا ودوما. وأخيراً كان مقر المجلس النيابي  في وسط دمشق أكبر وأهم إنجازات للشّيخ تاج، الذي شيّد على أنقاض سينما قديمة تعود إلى زمن الدولة العثمانية.(9)

الانتخابات الرئاسية عام 1932

رشح الشّيخ تاج نفسه للانتخابات النيابية سنة 1932 وفاز بمقعده المعتاد ممثلاً عن مدينة دمشق. وفي ذلك الصيف ترشح أيضاً لأول انتخابات رئاسية في سورية، التي أجريت داخل المجلس النيابي الجديد. خاض المعركة الانتخابية داخل المجلس النيابي ضد هاشم الأتاسي ممثلاً عن الكتلة الوطنية، ورئيس الوزراء الأسبق رضا باشا الركابي، ممثلاً عن حزب الأمة الملكي، وحقي العظم رئيس دولة دمشق الأسبق، ممثلاً عن التيار المهادن للفرنسيين، ورئيس دولة الاتحاد السوري الأسبق صبحي بركات، ممثلاً عن قوى الشمال، والمرشح المستقل محمّد علي العابد، سفير الدولة العثمانية الأسبق في واشنطن.

فاز العابد بالرئاسة الأولى يوم 11 حزيران 1932، وغاب الشيخ تاج عن المشهد مجدداً حتى عام 1934، عندما طلب منه رئيس الجمهورية تشكيل الحكومة السورية الجديدة، خلفاً لحكومة الرئيس حقي العظم.

الحكومة الرابعة والأخيرة سنة 1934

تغيرت سياسة الشّيخ تاج هذه المرة ولم يعتمد على أي من حلفائه التقليديين إلّا صديقه الوفي جميل الألشي، الذي عُيّن وزيراً للأشغال العامة. أما بقية الحقائب فقد ذهبت لشخصيات محسوبة على التيار الوطني الذي كان في الماضي القريب شديد الانتقاد للشّيخ تاج ويتهمه دوماً بمهادنة الفرنسيين أو حتى العمالة لهم. وقد جاءت حكومة الشّيخ تاج البراعة والأخيرة على الشكل التالي:

تاج الدين الحسني: رئيساً للحكومة ووزيراً للداخلية

حسني البرازي (الكتلة الوطنية): وزيراً المعارف

عطا الأيوبي (مستقل): وزيراً للعدلية

هنري هندية (مستقل): وزيراً للمالية

جميل الألشي (مستقل): وزيراً للاشغال العامة

يحيى الأطه لي (مستقل): وزيراً للزراعة والتجارة

ولكن هذه الحكومة تعرضت لهجوم كبير من الشارع عند وفاة زعيم حلب وقائد ثورة الشمال إبراهيم هنانو في تشرين الثاني 1935. خرجت معظم القوى السّياسية في جنازة هنانو وأطلقت هتافات معادية لرئيس الجمهورية وللشّيخ تاج، فردت سلطة الانتداب باعتقال المتظاهرين وزجّهم في السجون، مما أشعل مظاهرات أكبر وأوسع في كافة المدن السورية. حاول الشّيخ تاج احتواء الموقف، وطلب من الفرنسيين التروي ولكنهم رفضوا الاستجابة وأمروا باقتحام منزل هنانو ومصادرة جميع الأوراق والمستندات، كما قاموا باعتقال صديق هنانو وخليفته سعد الله الجابري. وعندما زار الشيخ تاج حلب بفرقة الرئيس العابد، تعرض للشتم في شوارع المدينة، وتم رشقه بالبيض الفاسد. وقد منعه المتظاهرون من دخول الجامع الكبير، وقاموا باحتلال المكان المخصص له ولرئيس الجمهورية.

وفي كانون الثاني 1936، تأزم الموقف عند اعتقال نائب دمشق فخري البارودي، أحد أركان الكتلة الوطنية، واتهامه بتحريض المتظاهرين في حلب. هنا تحولت المظاهرات إلى إضراب عام دام 60 يوماً، لم ينتهي إلا  بإسقاط حكومة الشّيخ تاج وإطلاق  سراح جميع المعتقلين السياسيين ودعوة وفد من الكتلة الوطنية إلى باريس للتفاوض على مستقبل سورية، برئاسة هاشم الأتاسي. وفي 24 شباط 1934، تسلّم عطا الأيوبي زمام الحكم في سورية، خلفاً للشّيخ تاج الدين الحسني.

الرئيس الحسني مع رئيس الجمهورية محمد علي العابد سنة 1935
الرئيس الحسني مع رئيس الجمهورية محمد علي العابد سنة 1935

في صفوف المعارضة

عارض الشّيخ تاج المعاهدة السورية الفرنسية التي وقّعت في باريس في أيلول 1936، وقال أن وفد الكتلة الوطنية أعطى الفرنسيين الكثير من التنازلات ولم يأخذ بالمقابل وعد صريح بالاستقلال التام وغير المشروط. وكانت المعاهدة قد وعدت السوريين باستقلال تدريجي على مدى خمسة وعشرون سنة، مع توسيع صلاحيات الحكومة السورية مقابل إعطاء فرنسا الكثير من الامتيازات والحقوق في مستقبل سورية، منها تدريب الجيش والحفاظ على مكانة اللغة الفرنسية في المناهج السورية وحق الانتفاع من الأراضي السورية والمنشآت العسكري في حال نشوب حرب عالمية جديدة في أوروبا.

وعند عودة وفد الكتلة الوطنية من فرنسا، استقال الرئيس محمد علي العابد من منصبه وأجريت انتخابات عامة في البلاد، أوصلت قادة الكتلة الوطنية إلى الحكم. وتم انتخاب هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية في كانون الأول 1936، لينتقل الشّيخ تاج فوراً إلى صفوف المعارضة. ولكن الفرنسيين تراجعوا عن معاهدة عام 1936، ورفض البرلمان الفرنسي المصادقة عليها بحجة بتدهور الأوضاع في أوروبا وصعود أدولف هتلر في ألمانيا، مما أنذر بقرب وقوع حرب عالمية جديدة.

ثم جاء سلخ منطقة لواء إسكندرون عن سورية وضمها إلى اراضي الجمهورية التركية، لضمان حيادها في الحرب المقبلة، مما أدى إلى إلى استقالة الرئيس هاشم الأتاسي من منصبه في تموز 1939. وكان الشّيخ تاج طوال خلال هذه الفترة يعمل بالسر على اجهاض المعاهد داخل البرلمان الفرنسي، مستفيداً من علاقاته المتينة مع طيف واسع من النواب والسياسيين الفرنسيين. وقد تعاون مع الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، الخصم التاريخي للكتلة الوطنية، وعملا معاً على إسقاط العهد الجديد في دمشق.

رئيساً للجمهورية 1941-1943

وخلال الحرب العالمية الثانية هزمت فرنسا علي يد الجيش الألماني وتم احتلال مدينة باريس عسكرياً وتنصيب الماريشال فيليب بيتان رئيساً لجمهورية فيشي الموالية لهتلر. أصبحت سورية جزء من هذه الجمهورية، وفي سنة 1941 دخلت قوة عسكرية بريطانية إلى الأراضي السورية لتحريرها من حكم فيشي، بالتعاون مع قوات فرنسا الحرة التابعة للجنرال شارل ديغول.

وبعد تحقيق النصر وتحرير سورية من حكم فيشي، جاء الجنرال ديغول إلى دمشق واجتمع مع السياسيين السوريين، ليعدهم باستقلال قريب ولكن مشروط بنهاية العمليات القتالية في أوروبا. دُعي هاشم الأتاسي للعودة إلى الرئاسة الأولى ولكنه رفض، قائلاً إن الفرنسيين نكثوا وعودهم في الماضي، فوقع خيار ديغول على الشّيخ تاج ليكون رئيساً للدولة، شرط أن يحكم سورية من دون برلمان منتخب أو دستور إلى حين انتهاء المعارك في أوروبا.

كان الشّيخ تاج قد أمضى سنوات الحرب العالمية في باريس، وعاد إلى دمشق في ظلّ حكم فيشي، حيث أثارت تحركاته شكوك وقلق المسؤولين الفرنسيين الموالين لألمانيا النازية فقاموا بوضعه تحت الإقامة الجبرية في قصره في منطقة الحلبوني. رُفع الحظر عنه مع وصول الجنرال ديغول إلى سورية عام 1941 وقبل توليه الحكم طُلب منه التوصل إلى اتفاق مع قادة الكتلة الوطنية، أملاً أن يؤدي ذلك إلى تهدئة الاوضاع في سورية. وافق الشّيخ تاج على هذا الطلب وعرض على خصم الأمس جميل مردم بك أن يكون اول رئيساً للحكومة في عهده، ولكن هذا الاتفاق لم يصمد بسبب معارضة هاشم الأتاسي لاي تعاون مع الشّيخ تاج.(10)

هذا وقد اشترط الشّيخ تاج على الجنرال ديغول اصدار فرمان بتوحيد البلاد السورية في عهده، وضمّ كلاً من دولة العلويين ودولة الدروز إلى الجمهورية السورية. في ردّه على الفرنسيين، قال الشيخ تاج: “كوني رئيساً مُعيناً ولست منتخباً، فبإمكانكم التخلي عني بشطبة قلم، ولذلك، أرغب أن يتم دعوتي رسمياً لتسلم زمام الأمور، تماماً كما دعت حكومة إنكلترا الملك فيصل الأول لتولي عرش العراق (سنة 1921).”

وقد وافق شارل ديغول على طلب الشّيخ تاج وبعث برسالة خطيّة له،يدعوه فيها رسمياً لتسلّم رئاسة الجمهورية يوم 12 أيلول 1941. بدأت الرسالة بمخاطبة الشّيخ تاج بصفة “دولة الرئيس،” كونه رئيس وزراء أسبق، وانتهت بعبارة: “مع فائق الاحترام يا فخامة الرئيس.”

الرئيس الحسني مع الجنرال ديغول في شوارع دمشق.

ولكسب شرعية مضافة، طلب الشّيخ تاج من الزعيم الوطني حسن الحكيم، أحد أكثر السّياسيين السوريين نزاهة وأخبرهم في إدارة شؤون الدولة، أن يكون أول رئيس حكومة في عهده.

وقد تعاون الشّيخ تاج مع الرئيس الحكيم ومع التيار الشهبندري الذي كان يقوده بعد مقتل عبد الرحمن الشهبندر، وجاء بأحد رموزه الكبار، وهو المحامي زكي الخطيب، وزيراً للعدل.

وتعاون أيضاً مع بعض رجال الكتلة الوطنية أمثال فائز الخوري (شقيق الرئيس فارس الخوري) الذي سمّي وزيراً للخارجية، وفيضي الأتاسي (أحد أقرباء الرئيس هاشم الأتاسي) الذي عُيّن وزيراً للمعارف. كما قام بعيّن صهره الدكتور منير العجلاني، وهو عضو سابق في الكتلة الوطنية، مديراً عاماً لقصر الجمهوري ووزيراً لشؤون الرياضة والشباب، وهو منصب مستحدث خصيصاً له.

الشيخ تاج الدين الحسني رئيساً للجمهورية سنة 1941.
الشيخ تاج الدين الحسني رئيساً للجمهورية سنة 1941.

ومن الملفت تعاون الشّيخ تاج مع الأقليات ودعوتهم لتسلّم مناصب حكومية في عهده، لتكون هي المرة الأولى في تاريخ سورية التي يدخل فيها الدروز والعلويين على السلطة التنفيذية. فجاء بمنير العباس من أبناء الطائفة العلوية وزيراً للأشغال وكلّف عبد الغفار باشا الأطرش من الموحدين الدروز بحقيبة الدفاع، وهو من قادة الثورة السورية الكبرى.

استقلال سورية

وفي 12 كانون الثاني 1942، أُقيم حفل كبير في السراي الحكومي وسط ساحة المرجة، احتفالاً بضم الجبلين إلى سورية، وصدر طابع بريدي بهذه المناسبة، حمل رسم الشّيخ تاج. بعدها أبرق وزير الخارجية فائز الخوري إلى عواصم العالم، معلناً استقلال سورية عن الانتداب الفرنسي باسم “فجامة رئيس الجمهورية تاج الدين الحسني المعظم.”

طابع استقلال سورية في عهد الشيخ تاج.
طابع استقلال سورية في عهد الشيخ تاج.

وجاءت ردود رسمية من ملوك ورؤساء العالم، أضفت شرعية دولية على العهد الجديد ورئيسه المعين وغير المنتخب، كان من بينها رسالة تهنئة من ملك مصر فاروق الأول وملك السعودية عبد العزيز آل سعود وملك بريطانيا جورج السادس. وتبعتهم زيارة رسمية قام بها ملك اليونان جورج الثاني إلى دمشق، الذي حلّ ضيفاً على رئيس الجمهورية.

ولكن علاقة الشّيخ تاج برئيس وزرائه حسن الحكيم لم تبقى على حالها وقد تدهورت سريعاً بسبب إصرار الأخير على إعادة فتح ملف التحقيق في جريمة اغتيال الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، الأمر الذي رفضه الشّيخ تاج لكي لا يُحرج السلطات الفرنسية. استقال حسن الحكيم من منصبه وكلّف حسني البرازي بتشكيل الحكومة جديدة، ولكنها أيضاً لم تستمر طويلاً بسبب الصراع الدائر بين رئيسها ورئيس الجمهورية حول صلاحيات الحكومة.

بعد استقالة الرئيس البرازي في 8 كانون الثاني 1943 وقع الاختيار على جميل الألشي، وهو صديق قديم للشّيخ تاج، شارك معه في كافة حكوماته السابقة، ليكون رئيساً للحكومة. هذه الحكومة مثل سابقاتها ضمت عدداً من الوزراء الوطنيين ومنهم نقيب المحامين في حلب أسعد الكوراني، ولكنها لم تُعمّر بسبب وفاة رئيس الجمهورية بعد تسعة أيام فقط من تشكيلها يوم 17 كانون الثاني 1943.

جنازة الرئيس تاج الدين الحسني في دمشق في كانون الثاني 1943.
جنازة الرئيس تاج الدين الحسني في دمشق في كانون الثاني 1943.

الوفاة

شيعت دمشق الرئيس تاج الدين الحسني بجنازة رسمية وشعبية شارك فيها رئيس الجمهورية اللبنانية إميل أده وعدد من الدبلوماسيين العرب، ممثلين عن حكوماتهم. وقيل يومها إن الشّيخ تاج مات مسموماً وأن وفاته لم تكن طبيعية، ولكن الفرنسيين رفضوا تشريح الجثة أو فتح تحقيق بهذه الفرضية. تولّى جميل الألشي رئاسة الجمهورية بالوكالة من بعده حتى آذار 1943، وأُجريت انتخابات رئاسية في صيف ذلك العام أوصلت شكري القوتلي إلى سدة الرئاسة الأولى، خلفاً للشّيخ تاج.

المصدر
1. عبد الغني العطري. أعلام ومبدعون (دار البشائر، دمشق 1999)، ص 25-362. مهيار عدنان الملوحي. معجم الجرائد السورية 1865-1965 (الأولى للطباعة والنشر، دمشق 2002)، ص 45-463. محمد حرب فرزات. الحياة الحزبية في سورية 1908-1955 (دار الرواد، دمشق 1955)، ص 76-774. نصوح بابيل. صحافة وسياسة: سورية في القرن العشرين (دار رياض نجيب الريّس، لندن 1987)، ص 1735. فيليب خوري. سورية والإنتداب الفرنسي (اللغة الإنكليزية - جامعة برينستون 1987) ص 3356. نفس المصدر، ص 3357. نصوح بابيل. صحافة وسياسة: سورية في القرن العشرين (دار رياض نجيب الريّس، لندن 1987)، ص 1748. فيليب خوري. سورية والإنتداب الفرنسي (اللغة الإنكليزية - جامعة برينستون 1987) ص 3359. مطبعة الحكومة. الحكومة السورية في ثلاث سنوات من 15 شباط 1928 إلى 15 شباط 1931 على عهد عهد رئاسة صاحب الفخامة السيد تاج الدين الحسني (دمشق 1931). 10. نصوح بابيل. صحافة وسياسة: سورية في القرن العشرين (دار رياض نجيب الريّس، لندن 1987)، ص 155

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!