أعلام وشخصياتحقوقيون وقضاةسياسيون ورجال دولة

سعيد الغزي

أحد الآباء المؤسسين: رئيس حكومة (حزيران – تشرين الأول 1954 وأيلول 1955 – حزيران 1956).

الرئيس سعيد الغزي
الرئيس سعيد الغزي

سعيد الغزي (1893- 18 أيلول 1967)، سياسي سوري ورجل قانون، كان وزيراً للعدل وبعدها وزيراً للمالية في زمن الانتداب الفرنسي وهو أحد مُشرعي دستور سورية لعام 1928.

وفي جمهورية الاستقلال شكّل الغزي حكومته الأولى في عهد الرئيس هاشم الأتاسي سنة 1954 والثانية في عهد الرئيس شكري القوتلي سنة 1955، قبل انتخابه رئيساً للبرلمان السوري في عهد الرئيس ناظم القدسي نهاية عام 1962. أشرف الرئيس سعيد الغزي على أول انتخابات جرت في سورية بعد سقوط حكم أديب الشيشكلي العسكري سنة 1954 وكان مرشحاً لرئاسة الجمهورية في زمن الانفصال، خلفاً للرئيس جمال عبد الناصر.

البداية

ولِد سعيد الغزي في حيّ العقيبة بدمشق ودَرَس في مكتب عنبر ثمّ في معهد الحقوق العثماني بإسطنبول. كما انتسب إلى معهد الحقوق بدمشق وفور تخرجه سنة 1920 قام بفتح مكتب للمحاماة في ساحة المرجة، قبل نقله إلى شارع النصر، وقد بقي يعمل فيه حتى وفاته سنة 1967.(1) إضافة لعمله في المحاماة، كان الغزي مُدرساً في كلية الحقوق التابعة للجامعة السورية.

الدستور السوري عام 1928

انتسب سعيد الغزي في شبابه إلى الكتلة الوطنية، التنظيم السياسي الأبرز في سورية خلال مرحلة الانتداب الفرنسي، وفي عام 1928 انتُخب مُشرعاً في الجمعية التأسيسية المكلّفة بوضع أول دستور جمهوري للبلاد. وقد عمل الغزي مع رفاقه الحقوقيين في الكتلة الوطنية على سنّ دستور عصري للدولة السورية، لا ذكر فيه لنظام الانتداب الفرنسي المفروض بقوة السلاح على السوريين منذ سنة 1920.(2)

وقد خلت مسودة الدستور من أي صلاحية للمندوب السامي الفرنسي، وأقرّت بصلاحيات رئيس الجمهورية السورية المُنتخب، ومنها حق إعلان الحرب والسلم وتوقيع المعاهدات الدولية. كما اعترف الدستور بحدود سورية الطبيعية، في تجاهل واضح للحدود المصطنعة التي فُرضت على بلدان الشرق الأوسط عبر اتفاقية سايكس بيكو.

رفضت فرنسا المصادقة على مسودة الدستور، وطلبت من أعضاء اللجنة تعديل ست مواد فيه ولكن الغزي ورفاقه رفضوا الاستجابة. فأمر المندوب السامي الفرنسي هنري بونسو بتعطيل الدستور وحلّ الجمعية التأسيسية.(3) ثم عادت فرنسا وأقرت الدستور سنة 1930 مع إسقاط المواد الإشكالية وإضافة مادة مخصصة لشرعية الانتداب في سورية.

وزيراً للعدل (شباط – كانون الأول 1936)

وفي شباط 1936، شُكلت حكومة وطنية في سورية برئاسة الوجيه عطا الأيوبي، المُقرب من زعماء الكتلة الوطنية، وكان هدفها إنهاء الإضراب الستيني المشتعل في المدن السورية كافة والإشراف على مفاوضات سياسية مباشرة مع الحكومة الفرنسية. عُين سعيد الغزي وزيراً للعدل في حكومة الرئيس الأيوبي وعمل على إطلاق سراح جميع المعتقلين على خلفية مشاركتهم في الإضراب الستيني، وكان على رأسهم نائب دمشق فخري البارودي، زميله في الكتلة الوطنية.

وقد آذار 1936 توجه وفد من قادة الكتلة الوطنية إلى باريس للتفاوض على مستقبل سورية وعاد أعضاؤه إلى دمشق في شهر أيلول بعد توقيع اتفاقية مع الحكومة الفرنسية، تُعطي الشعب السوري حقه بالاستقلال التدريجي مقابل امتيازات عسكرية وثقافية واقتصادية للجمهورية الفرنسية في سورية. أشرفت حكومة عطا الأيوبي على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي أعقبت توقيع المعاهدة، ثم قدمت استقالتها في 21 كانون الأول 1936. فازت الكتلة الوطنية بغالبية مقاعد المجلس النيابي يومها، وانتُخب سعيد الغزي نائباً عن دمشق، كما أصبح هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية وفارس الخوري رئيساً للبرلمان وجميل مردم بك رئيساً للحكومة، وجميعهم من قادة الصف الأول في الكتلة الوطنية.

وزيراً للمالية والعدل والاقتصاد (1945-1948)

غاب سعيد الغزي عن أي منصب حكومي خلال فترة حكم الرئيس هاشم الأتاسي (1936-1939) ولكنه عاد إلى المشهد السياسي بعد أربع سنوات، عند انتخابه نائباً على قائمة  الكتلة الوطنية في صيف العام 1943. حصل الغزي على أعلى أصوات في مدينة دمشق يومها، وبعد انتخاب زميله شكري القوتلي رئيساً للجمهورية سمّي وزيراً للعدل في حكومة الرئيس فارس الخوري في 7 نيسان 1945. وقد بقي في منصبه حتى استقالة الحكومة في 24 آب 1945.

ومن ثمّ عُيّن وزيراً للمالية في حكومة الرئيس جميل مردم بك، التي شُكلت في 28 كانون الأول 1946، بعد بثمانية أشهر من جلاء الفرنسيين عن سورية،  واستمرت في الحكم حتى 6 تشرين الأول 1947. وأخيراً، عُيّن وزيراً للاقتصاد الوطني في حكومة الرئيس مردم بك الأخيرة التي حكمت سورية خلال حرب فلسطين الأولى، من تشرين الأول 1947 وحتى 22 آب 1948.(4)

الرئيس سعيد الغزي
الرئيس سعيد الغزي

حكومة الغزي الأولى (19 حزيران – 29 تشرين الأول 1954)

بعد حرب فلسطين وقع انقلاب عسكري في دمشق، قاده حسني الزعيم ضد رئيس الجمهورية شكري القوتلي في يوم 29 آذار 1949. رفض سعيد الغزي التعاون مع حسني الزعيم، معتبراً أن في انقلابه تعدياً على الشرعية والدستور، وفضّل العودة إلى عمله في المحاماة والابتعاد كلياً عن عالم السياسة.(5)

وقد توالت ثلاثة عهود عسكرية على سورية، بداية بالزعيم حسني الزعيم (آذار – آب 1949) مروراً باللواء سامي الحناوي (14 آب – 19 كانون الأول 1949) وصولاً إلى العقيد أديب الشيشكلي (19 كانون الأول 1949 – 25 شباط 1954).

وبعد سقوط حكم الشيشكلي العسكري، عاد هاشم الأتاسي إلى رئاسة الجمهورية لإكمال ما تبقى من ولايته الدستورية، التي كانت قد بدأت سنة 1950، وطلب من سعيد الغزي تأليف حكومة مستقلة للإشراف على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المُقبلة.

شكّل سعيد الغزي حكومته الأولى في 19 حزيران 1954، وجاءت على الشكل التالي:

سعيد الغزي: رئيساً للحكومة ووزيراً للدفاع

عزت صقال (مستقل): وزيراً للخارجية والمالية

أسعد الكوراني (مستقل): وزيراً للعدل والاقتصاد

نهاد القاسم (مستقل): وزيراً للمعارف والزراعة

إسماعيل قولي (مستقل): وزيراً للداخلية

نبيه الغزي (مستقل): وزيراً للأشغال العامة والمواصلات

أشرف الرئيس الغزي على افتتاح الدورة الأولى من معرض دمشق الدولي في 1 أيلول 1954، والتي حضرها مع الرئيس هاشم الأتاسي، وعلى الانتخابات البرلمانية التي أجريت في شهر آب من العام 1954. وقد أدت هذه الانتخابات إلى فوز ساحق لأحزاب اليسار المحسوبة على الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة، أو على مصر ورئيسها الشاب جمال عبد الناصر.

فقد فاز حزب البعث بما لا يقل عن 17 مقعد من مقاعد المجلس النيابي، وفاز الحزب الشيوعي السوري بمقعد واحد ذهب إلى أمينه العام خالد بكداش، ليكون أول شيوعي يدخل السلطة التشريعية في الوطن العرب. وكان هذا الفوز ناتجاً عن الحياد التام لحكومة سعيد الغزي وعدم تدخلها في المعركة الانتخابية. وقد أدى هذا الحياد إلى إطلاق يد أكرم الحوراني في ريف المدن الكبرى، وتجييش جمهوره من العمال والفلاحين ضد الملاكين القُدامى في حمص وحماة وريف دمشق.(6)

أما الحزب الوطني (الكتلة الوطنية سابقاً) فلم تتجاوز حصته 19 مقعداً من مقاعد برلمان عام 1954.(7) أما عن حزب الشعب المحسوب على الأسرة الهاشمية الحاكمة في العراق والمتواجد بقوة في شمال سورية، فقد نال 30 مقعداً من أصل142، مما اعتبره الغزي تراجعاً بالمقارنة مع حصته في انتخابات 1949، والتي كانت 43 نائباً.

حكومة الغزي الثانية (14 أيلول 1955 – 14 حزيران 1956)

انتهت ولاية الرئيس هاشم الأتاسي وأجريت انتخابات رئاسية داخل مجلس النواب في 18 آب 1955، خاضها رئيس الجمهورية الأسبق شكري القوتلي ضد رئيس الحكومة الأسبق خالد العظم. وقد فاز القوتلي بالرئاسة الأولى وتسلّم مهامه الدستورية في أيلول 1955، ليطلب من سعيد الغزي تشكيل أول حكومة في عهده، وقد جاءت حكومة الغزي الثاني والأخيرة على الشكل التالي:

سعيد الغزي: رئيساً للوزراء ووزيراً للخارجية

رشاد برمدا (حزب الشعب): وزيراً للدفاع

علي بوظو (حزب الشعب): وزيراً للداخلية

الدكتور عبد الوهاب حومد (حزب الشعب): وزيراً للمالية

رزق الله أنطاكي (حزب الشعب): وزيراً للاقتصاد

محمد سليمان الأحمد، أو بدوي الجبل ( الحزب الوطني): وزيراً للدعاية والأنباء

أسعد هارون ( الحزب الوطني): وزيراً لشؤون الأوقاف الإسلامية والإفتاء

الدكتور مأمون الكزبري (مستقل): وزيراً للمعارف

بدري عبود (مستقل): وزيراً للصحة

الدكتور منير العجلاني (مستقل): وزيراً للعدلية

الأمير حسن الأطرش (مستقل): وزير دولة لشؤون محطة الحجاز

مصطفى ميرزا (الكتلة الديمقراطية): وزيراً للزراعة

عبد الباقي نظام الدين (الكتلة الديمقراطية): وزيراً للأشغال العامة والمواصلات

الرئيس جمال عبد الناصر مستقبلاً الرئيس سعيد الغزي في القاهرة.
الرئيس جمال عبد الناصر مستقبلاً الرئيس سعيد الغزي في القاهرة.

المُلفت في حكومة الغزي كان عدد الحقائب الجديدة التي قام رئيس الحكومة بإحداثها، مثل وزارة مخصصة لمحطة الحجاز وأخرى لشؤون الأوقاف وثالثة للدعاية والأنباء. وكان ذلك طبعاً قبل إنشاء وزارتي الأوقاف والإعلام في زمن الوحدة مع مصر (1958-1961).

ومن منجزات حكومة الغزي كان توقيع اتفاقية دفاع مشترك مع مصر وإنشاء مجلس حربي مشترك، بعد زيارة رئيس الوزراء إلى القاهرة واجتماعه مع الرئيس جمال عبد الناصر.

وقد دعا الغزي الجيش المصري للمشاركة في احتفالات عيد الجلاء العاشر التي أُقيمت بدمشق يوم 17 نيسان 1956.

وكانت هذه الاتفاقية باكورة التقارب السوري مع المعسكر الشرقي في الحرب الباردة، والذي قاده سعيد الغزي بالتنسيق مع الرئيس شكري القوتلي. فقد أبرم اتفاقيات تجارية مع بلغاريا وهنغاريا ورومانيا، وتم تبادل العلاقات الدبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية وإرسال طلاب عبر منح حكومية إلى ألمانيا الشرقية.

ولكن حكومة الغزي أُجبرت على تقديم استقالتها بعد تسعة أشهر من ولادتها، عند اقتحام متظاهرين لمبنى وزارة الاقتصاد، احتجاجاً على رفع الحظر على بيع القمح السوري إلى فرنسا، في ظلّ ثورة الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي.(8) بعد ساعات من تلك الحادثة، قدم سعيد الغزي استقالة حكومته ورفعها إلى الرئيس القوتلي، الذي وافق عليها دون أي تردد.

الرئيس سعيد الغزي مع الملك حسين بن طلال والرئيس شكري القوتلي سنة 1956
الرئيس سعيد الغزي مع الملك حسين بن طلال والرئيس شكري القوتلي سنة 1956

بين الوحدة والانفصال

بعد تقديم استقالة حكومته عاد سعيد الغزي للعمل في مكتب المحاماة وفي القصر العدلي، ولم يشارك في المفاوضات التي أدت إلى الوحدة السورية المصرية سنة 1958. أيّد الغزي ولادة الجمهورية العربية المتحدة، على الرغم من تحفظاته على الطريقة العشوائية التي أقيمت بها عند سفر وفد عسكري إلى القاهرة، دون أخذ موافقة رئيس الجمهورية، للتفاوض عليها مع الرئيس عبد الناصر.

ولكنه سرعان مع تراجع عن تأييده بسبب الدولة البوليسية التي أنشأها عبد الناصر في سورية، عبر المكتب الثاني ووزير الداخلية عبد الحميد السراج. كما عارض قانون الإصلاح الزراعي الذي صدر في أيلول 1958 وقرارات تأميم المصارف والمصانع التي صدرها الرئيس عبد الناصر في تموز 1961. وبذلك وجد الغزي نفسه مجبراً على تأييد الانقلاب العسكري الذي أطاح بجمهورية الوحدة يوم 28 أيلول 1961.

رئيساً للبرلمان السوري 1962-1963

شارك سعيد الغزي في الانتخابات البرلمانية التي أقيمت نهاية العام 1961 وفاز بالنيابة عن دمشق. طُرح اسمه لتولي رئاسة الجمهورية من بعدها، ولكن ضباط الانفصال رفضوا التعاون معه وفضّلوا العمل مع الدكتور ناظم القدسي، أحد مؤسسي حزب الشعب، الذي انتُخب رئيساً للبلاد في كانون الأول 1961.(9)

وفي 13 أيلول 1962، تم انتخاب سعيد الغزي رئيساً للمجلس النيابي، ولكن هذا المجلس لم يجتمع إلّا مرة واحدة فقط، وذلك بغرض تثبيت خالد العظم في رئاسة الحكومة نهاية عام 1962. ثم جاء انقلاب 8 آذار 1963، الذي أطاح بجمهورية الانفصال وجميع رموزها ووعد باستعادة الوحدة مع مصر ومعاقبة كل من شارك في عهد الانفصال.

فُرض العزل المدني على رئيس المجلس النيابي سعيد الغزي، وتم اعتقال رئيس الجمهورية ناظم القدسي.(10) نص العزل المدني، الصادر عن مجلس قيادة الثورة على منع هؤلاء من ممارسة العمل السياسي وتسلّم أي منصب حكومي، كما منعهم من تقاضي راتباً من الدولة.

الوفاة

انسحب سعيد الغزي عن العمل السياسي من بعدها وتفرّغ كلياً للمحاماة حتى وفاته عن عمر ناهز 74 عاماً في يوم 18 أيلول 1967.

أولاد سعيد الغزي

عُرف من عائلة العزي ابنه غازي، الذي عَمل في مكتب المحاماة خلفاً لأبيه، وكذلك ابنته الأديبة والإعلامية ناديا الغزي التي كانت إحدى مؤسسي التلفزيون العربي السوري سنة 1960.

المصدر
1. عبد الغني العطري. عبقريات وأعلام (دار البشائر، دمشق 1996)، ص 86-932. فيليب خوري. سورية والإنتداب الفرنسي (باللغة الإنكليزية - جامعة برينستون 1987)، ص 3403. نفس المصدر4. عبد الغني العطري. عبقريات وأعلام (دار البشائر، دمشق 1996)، ص 86-935. نفس المصدر، 916. باتريك سيل. الصراع على سورية (باللغة الإنكليزية - لندن 1965)، ص 1827. نفس المصدر8. نفس المصدر، ص 2679. خالد العظم. مُذكّرات، الجزء الثالث (الدار المتحدة، بيروت 1972) ص 220-22110. هاني الخيّر. أكرم الحوراني (دمشق 1996)، ص 132

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!