أعلام وشخصياتضباط وقادة عسكريون

شكري باشا الأيوبي

حاكم مدينة دمشق نهاية عام 1918.

شكري باشا الأيوبي
شكري باشا الأيوبي

شكري باشا الأيوبي (1851-1922)، ضابط سوري من دمشق، خَدَم في الجيش العُثماني وعُيّن مُدرّساً في الكلية الحربية بإسطنبول ثمّ مديراً للمدرسة العسكرية في دمشق. انتسب إلى الجمعية العربية الفتاة وسُجن خلال الحرب العالمية الأولى، ليتم تحريره عشية سقوط الحكم العُثماني في دمشق سنة 1918. بايع الأمير فيصل بن الحسين وعُيّن حاكماً على دمشق في مطلع عهده، قبل نقله إلى بيروت ومن ثم إلى حلب، قبل وفاته سنة 1922.

البداية

ولِد شكري الأيوبي في دمشق وهو سليل أُسرة سياسية عريقة. تلقى علومه في مدارس المدينة الحكومية ثمّ في الكلية الحربية في إسطنبول. وعند تخرجه عام 1871 عُين مُدرّساً في الكلية الحربية في إسطنبول ثمّ في الكلية العسكرية بدمشق وأصبح مديراً لها، كما رُفع إلى رتبة أمير لواء وأُعطي لقب الباشا عسكرياً.(1)

مع جمعية الفتاة

انتسب شكري الأيوبي سراً إلى الجمعية العربية الفتاة التي أُسست في باريس على يد مجموعة من الطلاب العرب المُقيمين في أوروبا، وكانت تهدف إلى تحرير البلاد العربية من الحكم العُثماني. وقد تولى الأيوبي مهمة إقامة فرع سري للجمعية في دمشق، مُستغلاً الحصانة التي كانت قد أُعطيت له من قبل الدولة وقُربه من الضباط الدمشقيين في الجيش العُثماني. كما كان أحد مؤسسي جمعية الإجاء العربي العثمانية التي ظهرت في إسطنبول سنة 1909.

أثارت تحركاته شكوك جمال باشا، الحاكم العسكري لولاية سورية، الذي أمر باعتقاله في 2 أيار 1916 وزَجّه في سجن خان باشا بدمشق، بعد تسريحه من الجيش وطرده من وظيفته في الكلية الحربية.(2)

في السجون العُثمانية

في مًذكّراته، يقول الرئيس فارس الخوري، الذي قضى أشهراً في نفس المُعتقل، أن شكري الأيوبي تعرض لأبشع أنواع التعذيب، وأنهم (أي الأتراك) “لم يتركوا نوعاً من أنواع التعذيب الجسدي إلّا وأقاموه به.(3)

يقول الخوري: “قاموا بقلع أظافره وأدموا قدميه من الضرب، ثم وضعوا أغلالاً حديدية في رجليه وعلى منكبيه، وأكرهوه على التَّجوُّل تحت أثقالها في باحة السجن، وهو يرتدي بزة أمير لواء في الجيش العُثماني.(4)”

كان يَصرخ في وجه السجّانين: “ليس العار عليّ بل عليكم أنتم أيها الأنذال!”(5)

ولم يكتفوا بهذا الحد من التعذيب بل قاموا باعتقال أكبر أبنائه خالد الأيوبي، وهو مثل أبيه كان ضابطاً في الجيش العُثماني، وجلدوه 600 جلدة ثم أجبروه على الوقوف طوال مدة 156 ساعة، أملاً أن ينفع ذلك في انتزاع اعتراف من أبيه عن شركائه في العمل السرّي على الدولة العُثمانية.(6) عند زيارة أصغر أولاده إلى السجن طلب منه شكري باشا الاتصال بشكري القوتلي، أحد قادة جمعية الفتاة في دمشق، لتأمين وسيلة آمنة لخروجه من السجن وهروبه إلى جبل الدروز.(7)

تَبِع العُثمانيون خطوات الفتى الصغير، وقاموا باعتقال القوتلي على أثرها ووضعه في نفس المُعتقل مع شكري الأيوبي، حيث تعرض هو أيضاً لتعذيب شديد. اجتمع جمال باشا بالأيوبي وعَرض عليه الخروج من السجن والبراءة التامة من أي تهم كانت موجهة إليه، مع العودة إلى الجيش وإلى عمله في الكلية العسكرية، شرط أن يُعطيه أسماء جميع أعضاء جمعية الفتاة. ولكن الأيوبي رَفض وبقي في المُعتقل حتى سقوط الحكم العُثماني بدمشق في نهاية شهر أيلول من العام 1918.

ليلة سقوط الحكم العثمانية

عشية خروج الجنود الأتراك من العاصمة السورية في 26 أيلول 1918، هاجم الثوار سجن خان باشا داخل المدينة القديمة وأطلقوا سراح شكري الأيوبي. وكان على رأس الثوار الذين كسروا قيد الأيوبي الشّيخ محمد الأشمر من حيّ الميدان والمُجاهد أحمد مريود من قرية جباتا الخشب في الجولان.(8)

بدوره، توجه الأيوبي إلى سجن قلعة دمشق وأطلق سراح أربعة آلاف سجين من العرب والسوريين، كانوا محتجزين بأمر عرفي من جمال باشا. شارك الأيوبي في الحكومة الانتقالية التي أُقيمت بدمشق يومها، برئاسة الأمير محمد سعيد الجزائري، وفي 30 أيلول 1918، اجتمع بآخر مسؤول عُثماني موجود في دمشق، هو المُفتش بهجت بك، للإشراف على تسليم السجون والثكنات العسكرية كافة.(9)

دَخلت القوات العربية المدعومة من الجيش البريطاني مدينة دمشق يوم 1 تشرين الأول 1918، وتبعها الأمير فيصل بن الحسين، ممثلاً عن والده الشريف حسين بن علي، قائد الثورة العربية الكبرى، معلناً تحريرها بالكامل من الحكم العُثماني.

قام الضابط البريطاني توماس لورنس بعَزل الأمير سعيد الجزائري عن منصبه، لكونه غير مفوّض ولا مخوّل بحكم المدينة، وقال إن إدارة دمشق كان من المفترض أن تذهب إلى شكري الأيوبي، بحسب توجيهات الشريف حسين.(10) وبناء على هذا التوجيه، عُيّن شكري الأيوبي حاكماً عسكرياً على دمشق وأصبح الفريق رضا باشا الركابي حاكماً على كافة الأراضي السورية المحررة.

حاكماً على بيروت والساحل السوري

انسحب الجيش العُثماني من مدينة بيروت يوم 1 تشرين الأول 1918 وبعدها بأسبوع، عُين شكري الأيوبي حاكماً عسكرياً عليها، بتوجيه من الفريق الركابي. توجه الأيوبي إلى بيروت برفقة الضابط الدمشقي جميل الإلشي، وقام برفع علم الثورة العربية فوق السراي الحكومي.(11) وبعد تسلّمه مقاليد الحكم، قام الأيوبي بتَعيين الوجيه اللبناني حبيب باشا السعد، (الذي أصبح رئيساً للجمهورية اللبنانية بعد سنوات) حاكماً مدنياً على بيروت، التي باتت تابعة إدارياً وسياسياً للحكومة العربية في دمشق.(12)

عزل الأيوبي ونقله إلى حلب

ولكن الفرنسيين اعترضوا على هذا التكليف، بحجة أن دولة لبنان الكبير كانت من حصة فرنسا وفق نظام المحاصصة الذي تم الاتفاق عليه بين باريس ولندن، المُثبت في اتفاقية سايكس بيكو. طلبوا من الإنكليز التدخل لدى الأمير فيصل لعزل الأيوبي عن منصبه والتخلّي عن مدينة بيروت، فرضخ فيصل لهذا الأمر وقام بنقل الأيوبي مجدداً، هذه المرة إلى حلب، ليكون حاكماً عسكرياً عليها. إكراماً له ولتضحياته الكبيرة، رافقه الأمير فيصل إلى حلب وأشرف بنفسه على تَسلّمه زمام الأمور في المدينة.

الوفاة

اعتزل شكري الأيوبي العمل العسكري والسياسي بعد سقوط العهد الفيصلي في صيف عام 1920 وتوفي في دمشق عن عمر ناهز 71 عاماً سنة 1922.

المصدر
1. سامي مروان مبيّض. تاريخ دمشق المنسي (دار رياض نجيب الريّيس، بيروت 2015)، ص372. أحمد قدامة . معالم وأعلام في بلاد العرب (دمشق 1965)، 933. كوليت خوري. أوراق فارس الخوري، الجزء الأول (دمشق 1989)، 2154. نفس المصدر5. نفس المصدر6. نفس المصدر7. نفس المصدر، 2198. صبحي العمري. لورانس: الحقيقة والأكذوبة (دار رياض نجيب الريّس، لندن 1991)، 1909. نفس المصدر10. صبحي العمري. المعارك الأولى: الطريق إلى دمشق (دار رياض نجيب الريّيس، لندن 1991)، ص 29711. نفس المصدر12. نفس المصدر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!