أعلام وشخصياتأعيانسياسيون ورجال دولة

نسيب البكري

من أعضاء الكتلة الوطنية وأحد مؤسسي الجمعية العربية الفتاة.

نسيب البكري
نسيب البكري

نسيب البكري (1884-1966)، سياسي سوري من دمشق، كان أحد مؤسسي الجمعية العربية الفتاة، ومو من قادة الكتلة الوطنية في سورية. تولى وزارة العدل سنة 1939 والزراعة عام 1941 وكان محافظاً على جبل الدروز خلال السنوات 1936-1938. وفي عهد الإستقلال، عُيّن سفيراً في الأردن.

البداية

ولد نسيب البكري في أُسرة دمشقية عريقة وثرية، وكان والده عطا باشا البكري من الأعيان المُقربين من السلطان عبد الحميد الثاني. دَرَس البكري في المدرسة السلطانية في بيروت وعاد إلى دمشق بعد خلع السلطان عبد الحميد عن العرش تراجع كبير في نفوذ عائلة البكري. وفي سنة 1911 إنضم نسيب البكري إلى الجمعية العربية الفتاة التي كانت قد أُسست حديثاً في باريس، وأصبح رئيساً لفرعها بدمشق.(1) كانت هذه الجمعية السريّة تطمح لتحرير البلاد العربية من الحكم العثماني والتخلّص من جمعية الإتحاد والترقي الحاكمة في اسطنبول، المسؤولة عن إنقلاب سنة 1908.

التخطيط للثورة العربية الكبرى

في آذار 1915 فُتحت أبواب دار آل البكري في حيّ سيدي عامود لاستقبال الأمير فيصل بن الحسين، نجل أمير مكة الشريف حسين بن علي. كانت علاقة آل البكري بالاُسرة الهاشمية قويّة، تعود إلى سنوات مضت عندما خدم شقيق نسيب الأكبر فوزي في الجيش العثماني، مرافقاً للشريف حسين.(2) وجد الأخوين البكري حليفاً ونصيراً في شخص الأمير فيصل الذي أفصح عن نية والده القيام بثورة ضد الدولة العثمانية، بدعم مالي وعسكري من الحكومة البريطانية. نسبوه إلى جمعية الفتاة في دارهم وعرفوه على أعضائها  الدمشقيين من أمثال شكري القوتلي والفريق رضا باشا الركابي.(3)

اتفق الأخوين البكري مع الأمير فيصل على أن يُرسل لهما برقية مشفّرة من الحجاز لإعلامهم بساعة الصفر لإطلاق الثورة العربية الكبرى. وكانت كلمة السر بينهم عبارة: “أرسلوا إلينا الفرس الأشقر.”(4) وصلت هذه البرقية إلى نسيب وفوزي البكري في 10 حزيران 1916، معلنة قيام الثورة العربية. وعلى الفور نوجه الأخوين ليلاً  إلى الحجاز للإنضمام إلى صفوفها.

البكري في العهد الفيصلي 1918-1920

شارك نسيب البكري في أعمال الثورة القتالية وظلّ بعيداً عن بيته وأهله حتى سقوط الحكم العثماني في سورية نهاية شهر أيلول من العام 1918. عاد إلى دمشق مع طلائع القوات العربية التي دخلتها فاتحة محررة في 3 تشرين الأول 1918 وبايع الأمير فيصل حاكماً عربياً على سورية. وعلى الفور أصدر الأمير قرار بتعين نسيب البكري مستشاراً خاصاً له ومبعوثاً شخصياً إلى قادة جبل الدروز.

ولكن حكم الأمير فيصل، الذي أصبح يعرف بلقب الملك فيصل الأول، لم يستمر طويلاً وتمّ الإطاحة به وبدولته الفتيّة يوم 24 تموز 1920. كان ذلك على يد الجيش الفرنسي في معركة ميسلون، التي هُزم فيها الجيش السوري وخلع الملك فيصل عن عرش الشّام. فُرض الانتداب الفرنسي على سورية، تنفيذاً لاتفاقية سايكس بيكو الموقعة خلال الحرب العالمية بين حكومتي بريطانيا وفرنسا. لم يغادر نسيب البكري سورية مع فيصل، الذي توجه إلى مدينة حيفا يوم 1 آب 1920، بل فضّل البقاء في دمشق والعمل على مواجهة الاستعمار الفرنسي.

دوره في الثورة السورية الكبرى

وفي سنة 1925 انضم البكري إلى صفوف الثورة السورية الكبرى التي أُطلقت من جبل الدروز، بقيادة صديقه القديم سلطان باشا الأطرش. وقد عَمل على نقل الثورة إلى دمشق خلال اجتماع سرّي عقد في منزل الصناعي عثمان الشرباتي في حيّ الصالحية، حضره نسيب البكري وجميل مردم بك والدكتور عبد الرحمن الشهبندر، آخر وزير خارجية في عهد الملك فيصل.(5) توجه البكري إلى قرية جرمانا في ريف دمشق التي كانت مُلكاً في معظمها ملكاً له ولأشقائه، وفيها أقام معسكرات لتدريب وتأهيل الثوار.(6)

كان  هو المخطط الرئيسية لعملية اقتحام دمشق من بساتينها المجاورة يوم 18 تشرين الأول 1925، والتوجه إلى قصر العظم في نهاية سوق البزورية لاعتقال أو تصفية المفوض السامي الفرنسي موريس ساراي. قاد هذه المجموعة حسن الخراط من رجالات الشاغور، وفي نفس الوقت فتح البكري جبهة ثانية ضد الفرنسيين في الميدان الفوقاني، وكان هو شخصياً على رأس مقاتليها، يعاونه الفارس أبو علي الكلاوي، أقد أشهر قبضايات دمشق.(7)

ولكن العملية العسكرية المزدوجة فشلت وحاصر الجيش الفرنسي الثوار داخل قصر العظم وفي الميدان، وبدأ يقصف دمشق من الجو، مُخلّفاً دمار كبير في عدد من الأسواق. حُكم على نسيب البكري بالإعدام وتم إحراق منزل أُسرته في دمشق القديمة، فهرب إلى مدينة يافا الفلسطينية حتى صدور عفو عنه في شباط 1928، موقع من قبل رئيس الحكومة تاج الدين الحسني.(8) وما بين النفي والعودة، ظهر نسيب البكري في القاهرة في منتصف شهر كانون الثاني من العام 1927، في محاولة منه للحصول على سلاح ودعم عسكري من سفارة الإتحاد السوفيتي.(9)

الإضراب الستيني

انضم نسيب البكري إلى الكتلة الوطنية سنة 1932، التظيم السياسي الأبرز في سورية، الذي ولد بعد إجهاض ثورة الوطنية وكان يهدف إلى تحرير البلاد من الاستعمار الفرنسي بطرق سلمية وقانونية، غير عسكرية. أنتُخب البكري عضواً في مجلس الكتلة الدائم، وفي نفس العام إنتُخب نائباً عن دمشق في البرلمان السوري، على قائمة الكتلة الوطنية. بعدها بثلاث سنوات، لعِب دوراً محورياً في إطلاق الإضراب الستيني ضد الفرنسيين، أحتجاجاً على اعتقالهم نائب دمشق فخري البارودي، زميل نسيب البكري وصديقه.

في 11 شباط 1936،  تم اعتقال نسيب البكري ونفيه إلى مدينة اعزاز على الحدود السورية التركية.(10) ولكنه عاد إلى دمشق بعد توصل رئيس الكتلة هاشم الأتاسي إلى اتفاق مع سلطة الإنتداب، يؤدي إلى إنهاء الإضراب مقابل إطلاق مفاوضات سياسية في باريس بين الحكومة الفرنسية وفد من الكتلة الوطنية، لمناقشة إنهاء الإنتداب.

في العهد الوطني الأول 1936-1939

في أيلول 1936 توصلت الكتلة الوطنية إلى معاهدة مع حكومة الرئيس ليون بلوم، أُعطيت بموجبها سورية استقلالاً تدريجياً مقابل عدد من الامتيازات العسكرية والسياسية والثقافية. بموجب هذه المعاهدة، أجريت إنتخابات نيابية جديدة في سورية فاز بها نسيب البكري بمقعد عن مدينته وأصبح هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية. وزّعت المناصب الحكومية على رجالات الكتلة وعُيّن نسيب البكري محافظاً على جبل الدروز، نظراً لعلاقته المتينة مع سلطان الأطرش منذ أيام الثورة العربية الكبرى.

وفي شباط 1939، سُمّي البكري وزيراً للعدل في حكومة الرئيس لطفي الحفار، ولكن هذه الحكومة لم تستمر إلّا أربعين يوم فقط. ومن بعدها سقط العهد الوطني برمته إثر استقالة الرئيس الأتاسي من منصبه، احتجاجاً على رفض البرلمان الفرنسي التصديق على معاهدة 1936 وعلى سلخ منطقة لواء اسكندرون وإعطائها إلى تركيا. وكان هذا فراق بين نسيب البكري والكتلة الوطنية، إنضم من بعده إلى تيار الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، حليف الأسرة الهاشمية وأحد أشد المعارضين للمعاهدة التي لم ترى النور.

البكري في عهد الإستقلال

عاد نسيب البكري إلى الصدارة في منتصف الحرب العالمية الثانية، وزيراً للزراعة في حكومة الرئيس خالد العظم من نيسان وحتى أيلول عام 1941. ولكنه لم يلعب أي دور في المراحل الأخيرة من الانتداب الفرنسي، بعد عودة رفاقه القدامى من الكتلة الوطنية إلى الحكم وإنتُخاب شكري القوتلي رئيساً للجمهورية. ولكنه إنتخب نائباً عن دمشق للمرة الثالثة والأخيرة سنة 1943. بعد جلاء القوات الفرنسية عن سورية في نيسان 1946 اصطدم نسيب البكري مع شكري القوتلي، بالرغم من صلة القربى بينهما، بعد تعديل الدستور للسماح للرئيس بولاية ثانية، واتخاذ القوتلي موقف معادي لمشروع سورية الكبرى الذي كان قد طرحه الملك عبد الله بن الحسين.

أيد البكري فكرة عودة العرش الهاشمي إلى سورية، وانضم إلى حزب الشعب المعارض لحكم الرئيس القوتلي في حلب والمؤيد لمشروع وحدة مع العراق الهاشمي. وفي سنة 1955، عُيّن سفيراً في الأردن وقدم أوراق اعتماده إلى الملك حسين بن طلال، حفيد الشريف حسين بن علي، صديق آل البكري.

السفير نسيب البكري مع حسين سنة 1955.
السفير نسيب البكري مع حسين سنة 1955.

الوفاة

في سنواته الأخيرة، إنتُخب نسيب البكري رئيساً لرابطة المحاربين القدماء في سورية وتوفي في في منزله القريب من حديقة السبكي بدمشق عن عمر ناهز 82 عاماً سنة 1966. تكريماً له ولنضاله، أطلقت الحكومة السورية اسم نسيب البكري على شارع من شوارع دمشق، عند ساحة الجسر الأبيض.

عائلة نسيب البكري

تزوج البكري من بنت الوجيه عادل الدالاتي، عمّ زوجة الرئيس القوتلي وأنجب منها إبنه الوحيد عطا البكري، الذي أصبح رئيس محكمة الإستئناف في دمشق وكان من أشهر القضاة في سورية.

 

المصدر
1. عبد الغني العطري. أعلام ومبدعون (دار البشائر، دمشق 1999)، 33-372. علي علاوي. فيصل العراق (باللغة الإنكليزية - جامعة يال 2014)، 523. نفس المصدر4. عبد الغني العطري. أعلام ومبدعون (دار البشائر، دمشق 1999)، 33-375. نصوح بابيل. صحافة وسياسة: سورية في القرن العشرين (دار رياض نجيب الريّيس، لندن 1987)، 526. فيليب خوري. سورية والإنتداب الفرنسي (باللغة الإنكليزية - جامعة برينستون 1987)، 1767. نفس المصدر8.أحمد قدامة . معالم وأعلام في بلاد العرب (دمشق 1965)، 1429. فيليب خوري. سورية والإنتداب الفرنسي (باللغة الإنكليزية - جامعة برينستون 1987)، 42810. فيليب خوري. سورية والإنتداب الفرنسي (باللغة الإنكليزية - جامعة برينستون 1987)، 460

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!