أساتذة وتربويونأعلام وشخصياتأعيانحقوقيون وقضاةسياسيون ورجال دولة

مأمون الكزبري

رئيس مجلس نواب (1953-1954 و1961-1962)، رئيس حكومة (أيلول - تشرين الثاني 1961).

الرئيس مأمون الكزبري
الرئيس مأمون الكزبري

مأمون الكزبري (1914-1998)، سياسي سوري من دمشق كان رئيساً للجمهورية بالوكالة بين 25-27 شباط 1954. تولّى رئاسة المجلس النيابي مرتين، كانت الأولى في عهد الرئيس أديب الشيشكلي سنة 1953، والثانية في عهد الرئيس ناظم القدسي سنة 1961. وهو أول رئيس حكومة في عهد الانفصال.

البداية

ولِد مأمون الكزبري في دمشق وهو سليل أُسرة دينية عريقة، تولّى عدد من أبناؤها التدريس في الجامع الأموي. دَرَس في مدرسة الفرير بدمشق وتابع تحصيله العِلمي في الجامعة اليسوعية ببيروت، وتخرج منها حاملاً شهادة في القانون سنة 1932. توجه الكزبري بعدها إلى جامعة ليون للحصول على شهادة الدكتوراه واستقر بعدها في لبنان للعمل في المحاماة حتى سنة 1943.

حركة التحرير العربي

عاد الكزبري إلى دمشق وفتح مكتباً خاصاً للمحاماة كما أصبح عضواً في هيئة تدريسية في بجامعة دمشق. وقد تحالف مع العقيد أديب الشيشكلي، الذي جاء إلى الحكم في تشرين الثاني 1951 بموجب انقلاب عسكري على الرئيس هاشم الأتاسي وحكومة الرئيس معروف الدواليبي.

وثق الشيشكلي بالكزبري وكان يعتمد عليه في جميع المشورات القانونية، مُعتبراً أن وجوده إلى جانبه يُطفئ شرعية على العهد الذي وصل إلى الحكم بطريقة غير دستورية. عينه الشيشكلي رئيساً لفرع دمشق من حركة التحرير العربي، وهو التنظيم الذي أوجده الشيشكلي في تموز 1952 بعد إلغاء جميع الأحزاب السياسية في سورية. ولكن باستثناء الشيشكلي والكزبري وبعض الأطباء، كانت حركة التحرير العربي مؤلفة من شخصيات مغمورة، لا قيمة لها ولا وزن في الحياة السياسية.

الرئيس الكزبري مستقبلاً الرئيس الشيشكلي في المجلس
الرئيس الكزبري مستقبلاً الرئيس الشيشكلي في المجلس

رئيساً البرلمان 1953-1954

ترشح مأمون الكزبري إلى الانتخابات النيابية التي دعا إليها الشيشكلي، وفاز بالنيابة عن دمشق مُمثلاً عن حركة التحرير العربي. وبعد اِنتِخاب الشيشكلي رئيساً للجمهورية في 25 تموز 1953، أصبح مأمون الكزبري رئيساً لمجلس النواب في 24 تشرين الأول 1953. وقد حصد حزبه، أي حركة التحرير العربي  60 من أصل 82 مقعداً في البرلمان السوري، ليُصبح بذلك مأمون الكزبري رئيساً لأكبر كتلة نيابية في المجلس.

رئيساً للجمهورية ليوم واحد فقط

سقط عهد الشيشكلي بموجب ثورة عسكرية انطلقت ضده في معظم المُدن السورية، وهرب إلى لبنان يوم 25 شباط 1954. وفقاً لأحكام الدستور، تولّى مأمون الكزبري رئاسة الجمهورية بالوكالة من 25 وحتى 27 شباط 1954.(1) وفي 1 آذار عاد الرئيس هاشم الأتاسي إلى دمشق، قادماً من حمص، لإكمال ما تبقى من ولايته الدستورية التي كانت قد قُطعت قصراً بسبب انقلاب الشيشكلي في تشرين الثاني 1951.(2)

الكزبري وزيراً

سمَحَ الرئيس الأتاسي لمأمون الكزبري أن يبقى فعالاً في الحياة السياسية، مُعتبراً أنه غير مسؤول عن أخطاء مرحلة الشيشكلي. وقد ترشح الكزبري في أول انتخابات تمّت في عهد الأتاسي وفاز بالنيابة عن دمشق، كما سُمّي وزيراً للعدل في حكومة الرئيس صبري العسلي من 13 شباط وحتى 13 أيلول 1955. وفي أيلول 1956، انتُخب شكري القوتلي رئيساً للجمهورية، خلفاً للرئيس هاشم الأتاسي، وشُكّلت حكومة جديدة برئاسة سعيد الغزي، عُيّن فيها مأمون الكزبري وزيراً للمعارف حتى 14 حزيران 1956. وفي 31 كانون الأول 1956، أصبح الكزبري وزيراً للعدل والشؤون الاجتماعية والعمل في حكومة الرئيس صبري العسلي، وكانت هذه الحكومة هي التي فاوضت الرئيس جمال عبد الناصر على الوحدة في شباط 1958.

في زمن الوحدة

شارك الدكتور الكزبري في المفاوضات التي تمّت في القاهرة وأبدى حماساً شديداً للوحدة، وعند تحقيقها وولادة الجمهورية العربية المتحدة، عينه الرئيس عبد الناصر رئيساً للجنة توحيد القوانين  وأميناً على فرع دمشق من الاتحاد القومي، كما تم انتخابه نقيباً للمحامين في سنة 1960.

رئيساً للحكومة عام 1961

لقاء مع الرئيس الكزبري
لقاء مع الرئيس الكزبري

سقط حكم جمال عبد الناصر في سورية يوم 28 أيلول 1961، إثر انقلاب عسكري قاده مجموعة من الضباط الدمشقيين ضد جمهورية الوحدة، كان من بينهم المقدم حيدر الكزبري، رئيس حرس البادية وأحد أقرباء مأمون الكزبري.

وبعد التخلّص من الحكم المصري، عُرض عليه تولّي رئاسة الحكومة، على الرغم من اعتراض عدد كبير من السياسيين القُدامى، بحجة أن الكزبري كان من فلول حكم الديكتاتورية ومن صنيعة أديب الشيشكلي.(3)  وقالوا أنه لا يملك رصيداً في الشارع السوري وغير قادر على كسب قلوب الناس.

ولكن مأمون الكزبري قبل التحدي وشكّل حكومته في 29 أيلول 1961، بدعم من المجلس العسكري. وقد تعاون مع اختصاصيين مُستقلين، غير محسوبين على أي حزب من الأحزاب، فجاء بالمصرفي عوض بركات وزيراً للاقتصاد، والمصرفي نعمان الأزهري وزيراً للتخطيط، وبعدنان القوتلي وزيراً للداخلية، وأبقى على حقائب الدفاع والخارجية لنفسه.

وعد الرئيس الكزبري بإجراء انتخابات نيابية نزيهة وحرّة، وقال أنه سيُعيد النظر في قرارات التأميم والإصلاح الزراعي التي صدرت في زمن الوحدة. وفي عهده القصير، استعادت سورية مقعدها الدائم في الأمم المتحدة وفي جامعة الدول العربية.

هجوم عبد الناصر على الكزبري

حاول عبد الناصر إنقاذ ما تبقى من حكمه في دمشق وأرسل مجموعة مظليين مصريين إلى مدينة اللاذقية، بهدف تصويب الأمور في سورية، ولكن الكزبري أمر باعتقالهم ونقلهم محفورين إلى دمشق. بعد أسبوعين من تشكيل حكومة الكزبري خطب عبد الناصر بغضب من القاهرة ووجّه كل أنواع التهم إلى قادة سورية الجدد.

رد الرئيس مأمون الكزبري على كلام عبد الناصر قائلاً: “هو لا يريد أن يُدرك أن الشعب العربي في الجمهورية العربية السورية الذي صنع الوحدة وقدَّم في سبيلها أغلى ما يملك، هو نفسه الشعب الذي قام بالانتفاضة الثورية الرائعة على حكم الرئيس عبد الناصر.”

رد عبد الناصر على كلام الكزبري، واتهمه بتقاضي مبالغ من المال من الأردن والسعودية ومن المخابرات الأميركية، لتنظيم انقلاب في دمشق قُبيل الوحدة سنة 1957. جاء في شرح عبد الناصر المُفصّل:

المتهم كان مأمون الكزبري…ولكني قُلت عفا الله عما سلف، احنا بنبتدى من بعد الوحدة ونتناسى ما قبل الوحدة، بكل أسف كانت دى غلطة كبيرة قوى منى؛ لإن أنا – الحقيقة – خدعت بالمظاهر، لو كنتم تشوفوا مأمون الكزبري لما بيقابلنى كان بيعمل إيه. كان بيشتغل هنا فى لجنة، لجنة توحيد القوانين، وكان من أكبر دعاة الوحدة طبعاً مراءاة وخداعاً. بيطلع مأمون الكزبري النهارده بيتكلم على الكرامة وعلى الحرية، طبعاً مش ممكن حيطلع فى الراديو ويتكلم على القبض وعلى الأمريكى وعلى الفلوس اللى خبطها.

استقالة الرئيس الكزبري

في اليوم الأخير من حكم الكزبري، تمّ اعتقال المقدم حيدر الكزبري، سند رئيس الحكومة وحليفه داخل المجلس العسكري. أودع في سجن المزة، بأمر من مدير شعبة المخابرات شرف زعبلاوي، ووجهت له تهم شتّى، منها تقاضي أموالاً من الملك حسين بن طلال.(4)  اعترض مأمون الكزبري على هذا التصرف، ولكن القيادة العسكرية أمرته بالاستقالة، وتم تهديده بالقتل لو رفض ذلك.(5) نزولاً عند هذا التهديد وحفاظاً على حياته، قدم مأمون الكزبري استقالة حكومته يوم 21 تشرين الثاني 1961.

رئيساً لمجلس النواب 1961-1962

أُجريت الانتخابات النيابية التي وعد بها مأمون الكزبري في موعدها وفاز بثاني أعلى عدد من الأصوات في مدينة دمشق. بعدها كان التنافس على منصب رئيس الجمهورية، بين مأمون الكزبري وخالد العظم وناظم القدسي. توصل الكزبري إلى اتفاق مع قادة حزب الشعب، يتنازل بموجبه عن الرئاسة الأولى لصالح ناظم القدسي، مُقابل أن يكون هو  البرلمان المُقبل.(6)  وفي يوم انتخاب رئيس المجلس ترشح ثلاثة أشخاص للرئاسة، وهم الكزبري ورئيس الحكومة السابق سعيد الغزي وجلال السيّد، ممثلاً عن حزب البعث. حصل السيّد على 47 صوت، والغزي على 8 أصوات فقط، أمّا الكزبري فقد نال الأغلبية وأصبح رئيساً للمجلس النيابي يوم 12 كانون الأول 1961.

الاعتقال سنة 1962

في 23 آذار 1962، وقع انقلاب جديد في سورية، قاده المقدم عبد الكريم النحلاوي ضد العهد الجديد، وقام باعتقال مل من رئيس الجمهورية ناظم القدسي ورئيس البرلمان مأمون الكزبري ورئيس الحكومة معروف الدواليبي. وقد أُشِيع يومها أن الانقلاب كان بتخطيط وتنفيذ من المخابرات المصرية.

تم نقلهم إلى سجن المزة العسكري وبقيوا فيه حتى تمرد الجيش على النحلاوي يوم 1 نيسان 1962. بعد خروجه من السجن، قدم الكزبري استقالته من رئاسة المجلس يوم 12 أيلول 1962 وابتعد عن أي مشاركة سياسية، باستثناء حضور بعض جلسات المجلس النيابي.

السنوات الأخيرة

وعند وصول حزب البعث إلى الحكم في 8 آذار 1963، تم تجريد مأمون الكزبري من كافة حقوقه السياسية بتهمة المشاركة بما سُمي يومها “جريمة الانفصال.” هرب إلى لبنان قبل إعتقاله من قبل مجلس قيادة الثورة، وتوجه إلى فرنسا وبعدها إلى المغرب، ليعمل مُدرّساً في جامعة الرباط، بعيداً كل البعد عن أي نشاط السياسة. وظلّ مُقيماً في المغرب حتى تقاعده سنة 1990، ليعود إلى فرنسا ويستقر من بعدها في لبنان.

الوفاة

توفي مأمون الكزبري في بيروت عن عمر ناهز 84 عاماً يوم 1 كانون الثاني 1998 ونُقل جثمانه إلى دمشق ليوارى الثرى في مدافن آل الكزبري بعد غياب عن المدينة دام ثلاثة عقود ونيّف.(7)

المصدر
1. هاني الخير. أديب الشيشكلي: البداية والنهاية (مكتبة الشرق الجديد، دمشق 1994)، 1422. أسعد كوراني. ذكريات وخواطر مما رأيت وسمعت وفعلت ( دار رياض نجيب الريّس، بيروت 2000)، 2493. مطيع السمان. وطن وعسكر (مكتبة بيسان، بيروت 1995)، 644. نفس المصدر، 1025. عبد الكريم زهر الدين. مذكراتي عن فترة الانفصال في سورية (بيروت 1968)، 1496. خالد العظم. مُذكّرات، الجزء الثالث (الدار المتحدة، بيروت 1972)، 2247. عبد الغني العطري. أعلام ومبدعون (دار البشائر، دمشق 1999)، 55-58

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!