أساتذة وتربويونأعلام وشخصيات

طاهر الجزائري

عالم ومدير المكتبة الظاهرية (1919-1920).

الشبخ طاهر الجزائري
الشبخ طاهر الجزائري

الشّيخ طاهر الجزائري (12 كانون الثاني 1852 – 5 كانون الثاني 1920)، عالم ومُجدد في الدين والسياسة، كان مديراً المكتبة الظاهرية ومؤسس نهضة التعليم في مدينة دمشق. وكانت له حلقة فكرية في دمشق، خرج منها عدد من السياسيين الكبار، مثل شكري العسلي وفخري البارودي وعبد الرحمن الشهبندر.

البداية

ولِد طاهر الجزائري في دمشق يوم 12 كانون الثاني 1852 وكان والده محمّد صالح الجزائري مُهاجراً من الجزائر، جاء إلى سورية في أربعينيات القرن التاسع عشر وتولّى إفتاء المذهب المالكي في دمشق.(1) درس على يد والده والعلّامة الشّيخ عبد الغني الميداني الذي علّمه أصول الفقه والشريعة، إضافة لمواد التاريخ والفلك والرياضيات.

ثم أكمل تحصيله العلمي في المدرسة الجقمقية وبرع في تعلّم اللغات. فإضافة إلى العربية والتركية، تعلّم الفارسية وكان يَنظُم بها الشِعر، وألمّ بالبربريّة والعبرانيّة والحبشيّة.

مع مدحت باشا

في سنة 1878، عُيّن الشّيخ الجزائري مُدرساً في المدرسة الظاهرية، قبل أشهر قليلة من وصول الوالي العثماني الجديد مدحت باشا إلى سورية. التقى الجزائري بمدحت باشا وولدت صداقة بينهما، تحوّلت إلى تعاون متين أدى إلى إحداث نهضة عِلمية شاملة في دمشق. فبدلاً من الكُتّاب والزوايا الدينيّة المنتشرة بكثرة في حارات المدينة وتحديداً في الصالحية وجوار ضريح محي الدين بن عربي، عمل الوالي والجزائري على تأسيس مدارس حديثة حكومية.

أسس الوالي جمعيّة خيريّة لجمع الأموال المطلوبة لإنشاء تلك المدارس، مؤلفة من الشيخ الجزائري ومفتي المدينة الشّيخ محمود الحمزاوي. وفي 5 شباط 1879 قاموا بافتتاح أول مدرسة حديثة في المدينة، قوامها 116 طالب، تلتها مدرسة ثانية مع نهاية الشهر، اجتمع فيها 106 طلاب.(2)

فتح مدحت باشا والشّيخ الجزائري ثلاثين مدرسة كانت حصّة الأسد منها في دمشق التي أقاموا فيها مدرسة للبنات، ومدرسة صناعية ومدرسة للأيتام.(3)

يقول مدحت باشا إنه كان شديد التخوّف من تفوّق المدارس الأجنبية في ولاية سورية، وتحديداً الكليّة السورية البروتستانتية (التي صار اسمها لاحقاً الجامعة الأميركية في بيروت) والتي فتحت أبوابها للطلاب العرب والعثمانيين في سنة 1866. كانت هي والجامعة اليسوعية تمنح شهادات عليا بالطب في وقت كانت المدارس المحليّة لا تهتم إلّا بدروس الشريعة وتحفيظ القرآن الكريم.

أمر مدحت باشا بإخلاء بعض المساجد وتحويلها إلى مدارس مجانيّة، وفرض عقوبة على الأهالي الذين رفضوا إرسال أولادهم إليها. أحد تلك المساجد كان جامع دنكز في محلّة السنجقدار الذي تم تحويله إلى مدرسة عسكرية بأمر من الوالي وكان من بين أوائل طلابه رضا الركابي، الذي أصبح أول رئيس وزراء في سورية بعد تحريرها من الحكم العثماني سنة 1918.(4)

وكان الجزائري قد وضع مناهج تلك المدارس بنفسه وكتب لها معظم مقرراتها العِلمية، بما في ذلك كتاب الجواهر الكلاميّة في العقيدة الإسلاميّة و”مدخل الطلّاب إلى فنّ الحساب” الذي صدر سنة 1885. أُعجب الوالي بطاهر الجزائري كثيراً وقام بتعيينه مُفتشاً عاماً للمدراس الابتدائية ومن ثمّ مديراً على معارف دمشق.

حلقة الشيخ طاهر العلمية

استمر طاهر الجزائري في وظيفته الحكومية حتى بعد سحب مدحت باشا عن دمشق وتعيينه والياً على ازمير. وصار يعقد حلقة فكرية في داره مرة واحدة في الأسبوع لمناقشة أمور الدين والسياسة والثقافة، ضمّت الشيوخ جمال الدين القاسمي وعبد الرزاق البيطار ومحمود الحمزاوي. وبعد فترة توسعّت الدائرة لتضم عدداً من المفكرين العلمانيين أمثال المحامي عبد الوهاب الإنكليزي والصحفي شكري العسلي والطبيب عبد الرحمن الشهبندر والسياسي فخري البارودي والمُفكر محمد كرد علي، الذي وصف الشيخ الجزائري بأنه “محمد عبده سورية.”(5)

وقد تنوع حضور حلقة الشيخ الجزائري بين مؤيدي الدولة العثمانية مثل كرد علي والكثير من المعارضين أمثال الإنكليزي والعسلي. ويبدو أن هذه الحلقة غير المرخصة حكومياً أدت إلى نشوب خلاف بين طاهر الجزائري والعثمانيين، نظراً للمواضيع الحساسة التي كانت تُطرح في داخلها عن ضرورة الإصلاح والتجديد في طريقة الحكم، أو الهلاك.

وفي سنة 1902، تم إعفاء الشيخ الجزائري من منصبه في دائرة المعارف، وخلال تواجده في القدس، دخلت مفرزة من الشرطة العثمانية إلى منزله المتواضع وصادرت الكثير من الأوراق والمستندات. وقد وُجهت إليه تهمة التعاطف مع مدحت باشا، الذي أُدين بجريمة مقتل السلطان عبد العزيز وسُجن في مدينة الطائف حيث عثر عليه مقتولاً سنة 1888. وكان للشّيخ الجزائري رأي صريح في هذه الحادثة، وهي بأن السلطان عبد الحميد الثاني قد أمر بتصفيته خوفاً من نفوذ مدحت باشا وطموحاته السياسيّة.

عاد الجزائري إلى دمشق ليلاً بطريقة سرية، وقام بإنقاذ ما أمكن من مكتبته النفيسة، وشدّ الرحال إلى القاهرة حيث حصل على لجوء سياسي من الخديوي عباس حلمي الثاني.

المرحلة المصرية

عاش طاهر الجزائري في مصر من سنة 1902 وحتى انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918. تضاعف غضبه من العثمانيين عند إعدامهم عدداً من مريديه في ساحة المرجة يوم 6 أيار 1916، وكان بينهم إضافة إلى عبد الوهاب الإنكليزي وشكري العسلي ابن أخيه الشّيخ سليم الجزائري. جميعهم أُدينوا بالخيانة العظمى و بتقاضي أموال من الحكومة الفرنسية لقلب نظام الحكم في إسطنبول.

خلال تواجده في مصر، عمِل الجزائري محرراً في صحيفة السلفية وكان يبيع ويشتري المخطوطات العربية النادرة. ومن تلك المخطوطات كانت النسخة الأصلية من أوراق البديري الحلّاق التي وضعها حلّاق دمشقي في أواسط القرن الثامن عشر. اقتناها الجزائري في دمشق بقيمة 800، نظراً لأهميتها، وأعطاها لأحد مُريديه، وهو الشيخ جمال الدين القاسمي، لتحقيقها وتصويبها ونشرها. ويُذكر أن القاسمي عمل ذلك لكن المخطوط لم يجد طريقه إلى النشر حتى سنة 1959 وتحوّل إلى أحد أهم المراجع عن الحياة اليومية بدمشق خلال حكم الوالي أسعد باشا العظم.

الجزائري في عهد الملك فيصل الأول

عاد طاهر الجزائري إلى دمشق بعد سقوط الحكم العثماني مع نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1918. وخرجت المدينة عن بكرة أبيها في استقباله، ورُتّب له لقاء مع حاكم سورية الجديد الأمير فيصل بن الحسين، نجل الشريف حسين بن علي، قائد الثورة العربية الكبرى. أمر الأمير فيصل بتلبية كل احتياجات الشيخ الجزائري المادية والمهنية، وقام بتعيينه مديراً للمكتبة الظاهرية التي وُلد من رحمها مجمع اللغة العربية بدمشق في 30 تموز 1919.

ولأن مؤسس المجمع محمد كرد علي كان من طلابه وأشد المعجبين به، قام بإدخال الشيخ الجزائري إلى المجمع يوم 6 تشرين الأول 1919، أي قبل وفاته بثلاثة أشهر.

الوفاة

توفي الشّيخ طاهر الجزائري عن عمر ناهز 68 عاماً يوم 5 كانون الأول 1920 ودفن على سفح قبل قاسيون، بحسب وصيته.

مؤلفاته

وضع الشيخ الجزائري ستة وعشرين كتاباً في حياته، كان أهمها: تدريب اللسان على تجويد البيان” (دمشق 1879)، “منية الأذكياء في قصص الأنبياء” (دمشق 1881)، “حدائق الأفكار في رقائق الأشعار” (دمشق 1882)، “الفوائد الجسام في معرفة خواص الأجسام” (دمشق 1882)، و”تسهيل المجاز في المعنى والألغاز” (دمشق 1886). ومن مؤلفاته أيضاً  “بديع التلخيص وتلخيص البديع: بديعية الطاهر الجزائري” الصادر بدمشق سنة 1907.

قالوا في طاهر الجزائري

كُتب الكثير عن الشيخ الجزائري خلال حياته وبعد وفاته، ووضع القاضي عدنان الخطيب سيرته الذاتية في كتاب صدر عن جامعة الدول العربية في مصر سنة 1971. وقد وصفه نائب دمشق وزعيمها فخري البارودي بشيخ الأحرار، وقال عنه الدكتور هشام شرابي من جامعة جورجتاون الأميركية إنه كان “روح الإصلاح” في العالم الإسلامي.(6)

 

 

المصدر
1. المقتطف (عدد 56، سنة 1920)2. 1. عدنان الخطيب. الشيخ طاهر الجزائري رائد النهضة العلمية في بلاد الشام واعلام من خريجي مدرسته (معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة 1971)، 1073. نفس المصدر4. يوسف الحكيم. سورية والعهد العثماني (دار النهار، بيروت 1966)، 545. محمد كرد علي. الجزء الثالث (مطبعة الترقي، دمشق 1949) 8926. البرت حوراني. الفكر العربي في عصر التحرر (باللغة الإنكليزية، إكسفورد 1978)، 222

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!