أعلام وشخصياتأعيانسياسيون ورجال دولة

عطا الأيوبي

رئيس حكومة (1936، 1943)، رئيس دولة (25 آذار - 17 آب 1943).

الرئيس عطا الأيوبي
الرئيس عطا الأيوبي

محمد عطا الأيوبي (1874-1950)، زعيم وطني وأحد وجهاء مدينة دمشق، كان وزيراً للداخلية والعدل، ثم رئيساً للوزراء في زمن الانتداب الفرنسي. شكّل حكومته الأولى في آذار 1936، التي أشرفت على الانتخابات النيابية والرئاسية في سورية وأوصلت الرئيس هاشم الأتاسي إلى سدّة الحكم في كانون الأول 1936. وكانت رئاسته الثانية قد جاءت إثر وفاة رئيس الجمهورية تاج الدين الحسني خلال الحرب العالمية الثانية. تولّى الأيوبي رئاسة الدولة بالوكالة من 25 آذار ولغاية 17 آب 1943، حيث أشرف مجدداً على الانتخابات البرلمانية التي أوصلت شكري القوتلي إلى عتبة القصر الجمهوري. عُرف الأيوبي بسياسته الوسطية وبقربه من قادة الحركة الوطنية ومن سلطة الانتداب الفرنسي.

البداية

ولد عطا الأيوبي في دمشق وهو سليل أسرة عريقة، وكان والده محمد علي الأيوبي من الأعيان. دَرس في مدارس دمشق وفي المعهد الملكي في إسطنبلول، وتخرّج حاملاً شهادة عليا في العلوم السياسية. التحق بعدها بالعمل الحكومي في الدولة العثمانية، وعيّن قائم مقام ثم متصرفاً على مدينة اللاذقية، ونقل بعدها إلى الكرك.(1)

عشية سقوط الدولة العثمانية بدمشق في 26 أيلول 1918 عُيّن الأيوبي عضواً في مجلس الحكم الانتقالي الذي شُكّل برئاسة الأمير سعيد الجزائري، وكان الهدف منه منع عمليات السطو والنهب التي عصفت بالمدينة وأهلها. وكانت حفظة بنت عطا الأيوبي متزوجة من الأمير كاظم الجزائري، ابن أخ الأمير سعيد الجزائري وحفيد المجاهد الأمير عبد القادر الجزائري.

في عهد الملك فيصل الأول

ولكن هذه الحكومة المؤقتة سقطت سريعاً بعد دخول جيوش الحلفاء مدينة دمشق، محررين فاتحين في 3 تشرين الأول 1918، وتم استبدالها بحكومة وطنية ترأسها الفريق رضا باشا الركابي، عُيّن فيها عطا الأيوبي وزيراً للعدل. بايع الأيوبي الأمير فيصل بن الحسين حاكماً عربياً على سورية، وشارك في مراسيم تتويجه ملكاً يوم 8 آذار 1920. بعدها بأربعة أشهر، حصلت مواجهة عسكرية بين الجيش السوري والقوات الفرنسية الزاحفة باتجاه العاصمة دمشق قادمة من الساحل السوري، أدّت إلى سقوط حكم الملك فيصل وفرض الانتداب الفرنسي على سورية. قبل مغادرة الأراضي السورية، قام الملك فيصل بتعيين علاء الدين الدروبي رئيساً للحكومة يوم 26 تموز 1920، وسمّي الأيوبي وزيراً للداخلية، خلفاً للوزير رضا الصلح (والد رئيس وزراء لبنان رياض الصلح).

حادثة خربة غزالة

رفض أهالي سهل حوران الاعتراف بشرعية الانتداب الفرنسي وحملوا السلاح في مقاومته، كما رفضوا دفع الغرامة المالية التي فُرضت عليهم من قبل المندوب السامي الفرنسي هنري غورو. شُكّل وفد حكومي رفيع لمفاوضة أهالي حوران، برئاسة علاء الدين الدروبي وعضوية كلّ من وزير الداخلية عطا الأيوبي ورئيس مجلس الشورى عبد الرحمن باشا اليوسف.

وتوجه أعضاء الوفد إلى سهل حوران في 21 آب 1920، وعندما توقف قطارهم في قرية خربة غزالة، حصلت مواجهة دامية مع الثوار، قتل على أثرها علاء الدين الدروبي وعبد الرحمن اليوسف. وقد نجى الأيوبي من الموت بأعجوبة، عندما تعرف عليه تاجر دمشقي من حيّ الميدان كان متواجداً في محطة القطار، فأخذه إلى مكان آمن، لكي لا تطاله يد الثوار.(2)

وزيراً في دمشق 1920-1925

عاد الأيوبي إلى دمشق وكُلّف بحقيبة العدلية في حكومة جميل الألشي التي شكّلت في 6 أيلول 1920. وقد كلفه الرئيس الألشي بالإشراف على التحقيقات في جريمة خربة غزالة، ولكن حكومته لم تستمر طويلاً وسقطت في خريف العام 1920، إثر قرار الجنرال غورو تقسيم سورية إلى دويلات. عُيّن الوجيه الدمشقي حقي العظم حاكماً على دولة دمشق، وحافظ الأيوبي على منصبه في وزارة العدلية ولكنه استقال في  10 كانون الثاني 1921.

وعند دمج دولة دمشق مع دولتي حلب وجبل العلويين طلب من الأيوبي، وللمرة الرابعة، العودة إلى وزارة العدل، إضافة لانتخابه نائباً عن مدينة دمشق في البرلمان الاتحادي المركزي. وفي هذه الحكومة تمكن الأيوبي من إصدار عدة قوانين هامة ومؤثرة، كتعويض غلاء المعيشة ودفع رواتب شهرية للسجناء مقابل قيامهم بعمل خيري داخل السجن، كتعليم سجين أمي القراءة والكتابة.(3)

حافظ الأيوبي على منصبه في دولة الاتحاد السوري من 28 حزيران 1922 ولغاية 1 كانون الثاني 1925، عند استبدال النظام الفيدرالي بالدولة السورية الحديثة. وفي هذه الدولة عاد الأيوبي إلى وزارة العدل حتى 31 آب 1925، عندما أجبرت الحكومة على الاستقالة بسبب اندلاع الثورة السورية الكبرى في جبل الدروز.

خلال الثورة السورية (1925-1927) غاب الأيوبي عن أي منصب حكومي وانصرف للإدارة أملاك أسرته بدمشق وفي غوطتها الشرقية. وفي سنة 1934، وقع الاختيار عليه مجدداً ليكون وزيراً للعدل في حكومة الشيخ تاج الدين الحسني، وظلّ الأيوبي في منصبه حتى 24 شباط 1936.

عطا الأأيوبي مع الرئيس هاشم الأتاسي
عطا الأيوبي مع الرئيس هاشم الأتاسي

رئيساً للحكومة عام 1936

رفض عطا الأيوبي الانتساب إلى أي حزب سياسي ولكنه كان مقرباً من الكتلة الوطنية ومن رئيسها هاشم الأتاسي، وهو صديق قديم منذ أيام الدراسة في إسطنبول.(4) وقد ساهم الأيوبي مع زعماء الكتلة الوطنية بتأسيس معمل الأسمنت في منطقة دمر، الذي خصص جزء من عائداته لتمويل الحركة الوطنية في سورية، وانتُخب عضواً في مجلس إدارته.(5)

وفي كانون الثاني 1936، حصل صدام بين الكتلة الوطنية وسلطة الانتداب، إثر اعتقال نائب دمشق فخري البارودي واتهامه بتحريض الشارع ضد الفرنسيين. احتجاجاً على اعتقال البارودي، أطلقت الكتلة الوطنية إضراباً عاماً في طول البلاد وعرضها، سمّي بالإضراب الستيني، والذي أدّى إلى سقوط حكومة الشيخ تاج. وافقت حكومة الانتداب على وقف الاعتقالات وفتح أبواب السجون مع إفساح المجال للتفاوض مع قادة الكتلة الوطنية. وقد طلبت من هاشم الأتاسي تسمية شخصية سياسية مستقلة لرئاسة الحكومة بدلاً من الشيخ تاج، شرط أن تلبي مطالب وطموحات الشارع السوري الثائر.

وقد سمّى الأتاسي صديقه القديم عطا الأيوبي، ووافقت عليه سلطة الانتداب الفرنسي. وفي 24 شباط 1936 شكّل الأيوبي حكومته الأولى على الشكل التالي:

عطا الأيوبي (مستقل): رئيساً للوزراء ووزيراً للداخلية

سعيد الغزي (مستقل): وزيراً للعدلية

ادمون حمصي (الكتلة الوطنية): وزيراً للمالية

الأمير مصطفى الشهابي (مستقل): وزيراً للمعارف

مصطفى القصيري (مستقل): وزيراً للاقتصاد

توجه الرئيس الأيوبي إلى بيروت لمفاوضة المندوب السامي الفرنسي هنري دي مارتل، وتمكّن من الوصول إلى تسوية سياسية، تؤدي إلى إنهاء الإضراب مقابل دعوة وفد رفيع من قادة الكتلة الوطنية إلى فرنسا للتفاوض على مستقبل سورية. نَزل الأيوبي إلى سوق الحميدية برفقة هاشم الأتاسي وقاما بقطع الشريط الأخضر الذي وضع على مدخله، معلنين عودة الحياة الاقتصادية إلى المدينة وإنهاء الإضراب الستيني.(7) اعترافاً بدوره في نزع فتيل الأزمة، قام دي مارتل بمنح عطا الأيوبي وسام الشرف الفرنسي، وأصر الأتاسي إلى دخول وزيرين من حكومته في الوفد المسافر إلى فرنسا، وهما ادمون حمصي والأمير مصطفى الشهابي.

مكث الوفد المفاوض في العاصمة الفرنسية باريس من آذار ولغاية شهر أيلول من العام 1936، ثم عاد إلى دمشق رافعاً شعار النصر، بعد التوقيع على معاهدة تاريخية مع حكومة الرئيس ليون بلوم، وعدت بإعطاء الشعب السوري استقلالاً مشروطاً وتدريجياً، مقابل سلسلة من الامتيازات الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي تم منحها للفرنسيين في سورية. على الفور استقال رئيس الجمهورية محمد على العابد من منصبه، فاتحاً المجال أمام إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية مُبكرة، وتبعه في ذلك الرئيس عطا الأيوبي يوم 21 كانون الأول 1936، بعد الانتهاء من تلك الانتخابات.

رفض رئاسة الدولة عام 1940

انتخب هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية وحكم البلاد من نهاية 1936 ولغاية تموز 1939، ولكنه استقال بسبب رفض البرلمان الفرنسي التصديق على معاهدة عام 1936. عُرض على عطا الأيوبي خلافته سنة 1940 ولكنه وضع شروطاً صارمة للقبول، كان في مقدمتها تطبيق معاهدة 1936 وانضمام سورية إلى عصبة الأمم، ما أدى إلى استبعاده.

الحكومة الثانية والأخيرة عام 1943

وفي أيلول 1941 كُلّف الشيخ تاج الدين الحسني برئاسة الجمهورية، ولكنه توفي وهو في سدّة الحكم يوم 17 كانون الثاني 1943. تسلّم رئاسة الدولة بالوكالة رئيس جميل الألشي، الذي واجه مظاهرات شعبية عارمة قادتها الكتلة الوطنية احتجاجاً على ارتفاع سعر الخبز لتمويل المجهود الحربي الفرنسي في الحرب العالمية الثانية. كانت مدينة دمشق تستهلك 117 طن من الطحين شهرياً وعجز الألشي في تأمين حاجة الناس، فتم الاستغناء عنه وتكليف عطا الأيوبي بتشكيل حكومة انتقالية يوم 25 أذار 1943، هدفها إنهاء أزمة الخبز والتحضير لانتخابات برلمانية ورئاسية في صيف العام 1943. كما سمي الأيوبي رئيساً للدولة بالوكالة وجاءت حكومته الثانية والأخيرة على الشكل التالي:

عطا الأيوبي (مستقل): رئيساً للدولة والوزراء ووزيراً للداخلية والدفاع

نعيم أنطاكي (الكتلة الوطنية): وزيراً للخارجية والأشغال العامة بالوكالة

فيضي الأتاسي (الكتلة الوطنية): وزيراً للعدلية والمعارف والشؤون الاجتماعية بالوكالة

الأمير مصطفى الشهابي (مستقل): وزيراً للمالية والاقتصاد والتموين بالوكالة

قام الأيوبي بمعالجة أزمة الخبز بالتعاون مع سلطان باشا الأطرش، الذي أرسل محصول جبل الدروز من الطحين إلى دمشق بسعر مخفض وبالتقسيط المريح، تلبية لمطلب رئيس الدولة.(8) وفي اجتماعه مع رجال الصحافة، خطب الرئيس الأيوبي معرفاً عن عهده بالقول: “إني أحب النزاهة وأتمنى أن أكون نزيهاً، ولكنني شديد التعصب لحيادي ولا أستند إلى حزب معين بل إلى جميع الأحزاب، وأتمنى أن تكون جميع الأحزاب متفقة على خدمة المصلحة العامة، فالأشخاص زائلون والحكومة ثابتة، وعلينا أن تعمل لنكوّن للحكومة قوتها.” (9)

وقد سعى الأيوبي لتأسيس مجلساً للأعيان، يتولّى زمام الأمور في حال شغور السلطة التشريعية والرئاسية معاً، كما حدث عند وفاة الشيخ تاج، ولكن هذا الطرح لم يلقى قبولاً من قبل سلطة الانتداب الفرنسي.(10)

رفضه الرئاسة مرة ثانية عام 1943

وخلال التحضير للانتخابات الرئاسية سنة 1943، حاول خالد ابن عطا الأيوبي جمع أصوات عدد من النواب لترشيح والده للرئاسة الجمهورية، بدلاً من مرشح الكتلة الوطنية، شكري القوتلي. نجح خالد الأيوبي بجمع 72 توقيع لصالح والده، فوصل الأمر لمسامع القوتلي الذي اتصل بالرئيس الأيوبي معاتباً، وقد عرض عليه سحب ترشيحه في حال كان الأيوبي راغباً بالرئاسة الأولى. اعتذر الأيوبي عن تصرف ابنه وقال:  “إن مصلحة الوطن تقضي بأن يكون شكري القوتلي رئيساً للجمهورية وحده ودون غيره، وأنا لا يمكن أن أتقدم عليه.”(11)

الوفاة

توفي عطا الأيوبي بدمشق عن عمر ناهز 76 عاماً سنة 1950، وقد سُمّي شارع كبير في وسط العاصمة السورية على اسمه، حيث مكان قصره القديم في منطقة الجسر الأبيض.

في وصف عطا الأيوبي

في كتابه عن عبقريات سورية، قال الصحفي عبد الغني العطري عن عطا الأيوبي أنه: “جمّ الأدب، رفيع التهذيب، رقيق الحاشية، لا يثور ولا يغضب ولا يحقد على أحد، كثير الحياء والخجل، شديد الوفاء للصديق.”(12)

 

 

المصدر
1.عبد الغني العطري. حديث العبقريات (دار البشائر، دمشق 2000)، 862. يوسف الحكيم. سورية والإنتداب الفرنسي (دار النهار، بيروت 1983)، 353. نفس المصدر، 564. بيتر شامبروك. الإمبريالية الفرنسية في سورية (باللغة الانكليزية - لندن 1998)، 196-1975. فيليب خوري. سورية والإنتداب الفرنسي (باللغة الإنكليزية - جامعة برينستون 1987)، 4616. سامي مروان مبيّض. سياسة دمشق والإنتداب الفرنسي (باللغة الإنكليزية - دار طلاس، دمشق 1998)، 1147. نفس المصدر، 1718. نصوح بابيل. صحافة وسياسة: سورية في القرن العشرين (دار رياض نجيب الريّيس، لندن 1987)، 1899. عبد الغني العطري. حديث العبقريات (دار البشائر، دمشق 2000)، 8910. الأمير عادل أرسلان. مُذكرات الأمير عادل أرسلان، الجزء الأول (الدار التقدمية، بيروت 1983)، 407 11. عبد الغني العطري. حديث العبقريات (دار البشائر، دمشق 2000)، 8912. نفس المصدر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!