أعلام وشخصياتأعيانسياسيون ورجال دولة

رشدي الكيخيا

مؤسس حزب الشعب، رئيس مجلس النواب (1949)، رئيس المؤتمر التأسيسي لدستور عام 1950.

الرئيس رشدي الكيخيا
الرئيس رشدي الكيخيا

رشدي الكيخيا (1900-1987)، زعيم وطني من مدينة حلب كان أحد مؤسسي حزب الشعب مع الدكتور ناظم القدسي. انتُخب رئيساً للمؤتمر التأسيسي الذي وضع دستور عام 1950 وبعدها أصبح رئيساً لمجلس النواب حتى سنة 1951. يُلقب بناسك الرئاسة لأنه رفض الترشح لرئاسة الجمهورية مرتين.

البداية

ولِد رشدي الكيخيا في مدينة حلب شمال البلاد وهو سليل أسرة سياسية عريقة وثريّة، كان جدّه أحمد الكيخيا نائباً في مجلس المبعوثان. تلقى علومه في الكليّة الإسلاميّة في بيروت، ولم يُكمل تحصيله الجامعي لتفرغه للعمل الزراعي قبل الانتقال إلى العمل الوطني والسياسي.(1)

عضواً في الكتلة الوطنية

انتسب رشدي الكيخيا في شبابه إلى الكتلة الوطنية وكان عضواً في هيئتها العامة سنة 1932، وهي أبرز تنظيم سياسي عرفته البلاد في مرحلة ما بعد الثورة السورية الكبرى.(2)

انتُخب نائباً في البرلمان على قوائم الكتلة سنة 1936 ثمّ انشق عنها بعد ثلاث سنوات على أثر فشلها في الحفاظ على منطقة لواء اسكندرون ومنع ضمّها إلى تركيا. أٌعيد انتخابه نائباً سنة 1943 بعد تشرشحه بصفة مستقلة هذه المرة وترؤسه مجموعة داخل المجلس، عُرفت اسم “الكتلة الدستورية،” تمكنت من اختراق قوائم الكتلة الوطنية في حلب التي كانت برئاسة سعد الله الجابري، زعيم المدينة.(3)

تأسيس حزب الشعب

في مطلع عهد الجلاء، دعا الكيخيا إلى اجتماع في بلدة فالوغا اللبنانية، لتحويل “الكتلة الدستورية” إلى حزب سياسي أطلق عليه اسم حزب الشعب، كان على غرار حزب قديم حمل نفس الإسم قُبيل الثورة السورية الكبرى. لم يكن لحزب الشعب أي سياسة عقائدية أو فلسفة، باستثناء الدعوة إلى وحدة عربية شاملة، تكون بدايتها بين سورية والعراق.(4)

كان الهدف من الحزب الجديد الوقوف في وجه الحزب الوطني، وريث الكتلة الوطنية، الذي ظهر في دمشق سنة 1947 وكان محسوباً على رئيس الجمهورية شكري القوتلي. تعددت أسباب معارضة الكيخيا للحزب الوطني، إبتداء من إصرار قادته على تعديل الدستور من أجل تمديد ولاية الرئيس القوتلي، مروراً بتزوير انتخابات سنة 1947، وصولاً إلى اتباع سياسة إقليمية مؤيدة للسعودية ومصر، في وقت كان زعماء حلب أقرب جغرافياً وقومياً إلى العراق.

خاض الكيخيا انتخابات سنة 1947 منفرداً مع صديقة وشريكه في الكتلة الدستورية ناظم القدسي، وفاز كلاهما بمقعدين نيابيين. عارضا تعديل الدستور بشدة، وعند نهوض الرئيس القوتلي لإلقاء القسم بعد تجديد ولايته، غادرا القاعة غضباً واحتجاجاً.(5)

وقد انضم عدد كبير من أعيان حلب إلى حزب الشعب، مثل مصطفى برمدا ومعروف الدواليبي، مما أعطى الحزب صبغة حلبية بالرغم من وجود كتلة دمشقية في داخله مؤلفة من نسيب البكري وعلي بوظو ورشاد جبري، وكتلة حمصية برئاسة الدكتور عدنان الأتاسي، نجل الرئيس هاشم الأتاسي، مؤسس الكتلة الوطنية.

وقد تمكن الكيخيا من تأسيس هذا الحزب بعد وفاة الرئيس سعد الله الجابري، المُقرب جداً من شكري القوتلي.

رفض التعاون مع حسني الزعيم

ونظراً لموقفهما المعارض للرئيس القوتلي، تمت دعوة قادة الكيخيا إلى دمشق يوم انقلاب حسني الزعيم على شكري القوتلي سنة 1949، حيث عُرض عليه التعاون مع العهد الجديد. بعض أعضاء الحزب قبلوا بذلك، مثل فيضي الأتاسي الذي بات وزيراً لفترة قصيرة في عهد الزعيم، وعلي بوظو الذي أصبح مستشاراً للزعيم. ولكن الكيخيا رفض إعطاء أي شرعية لحسني الزعيم، مُشيراً إلى أن انقلابه غير دستوري ومضر بمصلحة البلاد. وقال للزعيم أنه وبالرغم من تحفظاته الشديدة على حكم القوتلي، ولكنه يبقى الرئيس الشرعي للبلاد.(6)

الكيخيا وزيراً للداخلية

وفي 14 آب 1949 وقع انقلاب عسكري جديد في سورية، أطاح بحسني الزعيم وأدى إلى إعدامه رميّاً بالرصاص، كان بقيادة اللواء سامي الحناوي، المحسوب على العراق. أعيدت الشرعية الدستورية ومعها الحياة المدنية في اجتماع عقده الحناوي في مبنى رئاسة الأركان، حضره الكيخيا مع قادة حزبه.(7)

وقد تم تكليف هاشم الأتاسي بتشكيل حكومة وطنية تضم جميع الأحزاب. شُكلت هذه الحكومة سريعاً وعُيّن فيها ميشيل عفلق وزيراً للمعارف، ممثلاً عن حزب البعث، وأكرم الحوراني وزيراً للزراعة، ممثلاً عن الحزب العربي الاشتراكي، ورشدي الكيخيا وزيراً للداخلية، ممثلاً عن حزب الشعب.

رئيساً لمجلس النواب

عملت هذه الحكومة من 14 آب وحتى 14 كانون الأول 1949، وقامت بالإشراف على انتخابات مجلس تأسيسي يتولّى صياغة دستور جديد للبلاد، يتم فيه تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية.

وقد خاض حزب الشعب الانتخابات الدستورية وفاز بغالبية مقاعد المجلس، مما جعل الكيخيا رئيساً له. وبعد إتمام مهامه والإنتهاء من صياغة الدستور، تحوّل المجلس تلقائياً إلى سلطة تشريعية، أصبح فيها الكيخيا رئيساً لمجلس النواب ابتداء من 2 كانون الأول 1949.

انتُخب بعدها هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية وذهبت رئاسة الحكومة إلى صديق الكيخيا وشريكه في حزب الشعب، الدكتور ناظم القدسي. دخل العهد الجديد بمفاوضات مباشرة مع العراق لإقامة وحدة فيدرالية، بدعم من المؤسسة العسكرية التي كان يقودها اللواء سامي الحناوي. ولكنهم لم يفلحوا في هذه الوحدة بسبب وقوع انقلاب عسكري ثالث نهاية سنة 1949، أدى إلى اعتقال الحناوي وضرب مشروع الوحدة بالصميم، قاده العقيد أديب الشيشكلي المعارض للعراق ولحزب الشعب.

معارضاً لحكم الشيشكلي

استقال الكيخيا من منصبه احتجاجاً على تدخلات العسكر في السياسة، وانتقل إلى صفوف المعارضة لحكم الشيشكلي طوال السنوات 1949-1954.

وقد حضر الاجتماع الوطني الكبير الذي عقد في منزل الرئيس هاشم الأتاسي في حمص سنة 1953، الذي تقرر فيه رفض الدستور الذي فرضه الشيشكلي والاعتراض على الانتخابات الرئاسية التي أوصلته إلى رئاسة الجمهورية ذلك العام. وقد رد الشيشكلي على هذا الموقف باعتقال رشدي الكيخيا صبيحة يوم 27 كانون الثاني 1954.

رفض الرئاسة مرتين

استمر حكم أديب الشيشكلي حتى 25 شباط 1954، وبعد الإطاحة به عاد هاشم الأتاسي إلى الحكم لإكمال ما تبقى من ولايته الدستورية. حاول الأتاسي إقناع الكيخيا بتشكيل حكومة ولكن الأخير رفض، متحججاً بازدواجية الحكم بين المدنيين والعسكر.(8) وفي سنة 1955 رفض الترشح لرئاسة الجمهورية خلفاً للرئيس الأتاسي، وكرر رفضه سنة 1961، عندما طُلب منه الترشح للرئاسة الأولى بعد الإطاحة بجمهورية الوحدة مع مصر. برر الكيخيا موقفه الصارم قائلاً:

ليس عندي حل وسط، إما أن أكون رئيساً بكل مافي الكلمة من معنى، وسلطتي لا تخضع لهيمنة أحد وسلطة الدستور مستقلة تماماً، وإما فلا. إنّ تدخل العسكر في شؤون البلاد مرفوض عندي.(9)

الكيخيا وحلف بغداد

وفي الخمسينيات، دخل رشدي الكيخيا في مواجهة مع الناصريين والقوميين العرب، المدعومين محليّاً من قبل المؤسسة العسكرية، بسبب موقفه الداعم لحلف بغداد. رأى الكيخيا في هذا الحلف حماية لسورية من سلسلة الانقلابات العسكرية التي بدأت مع حسني الزعيم واستمرت حتى عهد أديب الشيشكلي، معتبراً أن دعم الدول الغربية سوف يُجنّب سورية المزيد من الانقلابات ويقلّص النفوذ السوفيتي الذي بدأ يطفو على معظم الدول العربية.

حاول جاهداً العودة إلى مشروع الوحدة مع العراق الذي كان قد أُجهض سنة 1949 ولكن فرص نجاحه باتت ضئيلة جداً بسبب تراجع نفوذ الأسرة الحاكمة في بغداد وصعود نجومية الرئيس المصري جمال عبد الناصر. وقف عبد الناصر في وجه حلف بغداد واتهم قادة العراق بالعمالة لإسرائيل، وبذلك بات حزب الشعب وقادته، في نظره، محسوبين على الغرب وعلى المحور المعادي لعبد الناصر محليّاً ودوليّاً.

الكيخيا في الوحدة والانفصال

لم يكن رشدي الكيخيا مُتحمساً للوحدة مع مصر سنة 1958 ولكنه لم يُعارضها بل قام بحلّ حزب الشعب من أجلها، تماشياً مع شروط الجمهورية العربية المتحدة. وبعد إعلان الوحدة بخمسة أشهر، تعرض حزبه المُنحل إلى ضربة قاسية يوم 14 تموز 1958، عند الإطاحة بالنظام الملكي في بغداد ومقتل جميع رموزه. خسر حزب الشعب خليفه الرئيسي في المنطقة وبات أكثر عرضة لاتهامات وتخوين أجهزة المخابرات المصرية.

أيّد الكيخيا انقلاب الانفصال الذي أطاح بجمهورية الوحدة، وبارك وصول صديقه وشريكه ناظم القدسي إلى سدّة الرئاسة في كانون الأول 1961، ولكنه بدأ بالانسحاب التدريجي من الحياة السياسية، معتبراً أن العصر الجديد لم يعد يواتيه ولا يشبه أفكاره وتطلعاته. مع ذلك تم اعتقاله في 23 آذار 1962، عند قيام العقيد عبد الكريم النحلاوي بانقلاب على ناظم القدسي. زج الكيخيا مع الرئيس القدسي في سجن المزة العسكري، ولكن الجيش اعترض على انقلاب النحلاوي وقام بإطلاق سراحمها مطلع شهر نيسان من العام نفسه.(9)

الكيخيا بعد 6 آذار 1963

ومع وصول حزب البعث إلى السلطة سنة 1963 اعتزل الكيخيا العمل السياسي وتم حلّ حزب الشعب مجدداً، نهائياً هذه المرة، بأمر من مجلس قيادة الثورة. مع ذلك، تم اعتقاله في 16 آب 1966، بأمر من حاكم سورية الجديد اللواء صلاح جديد، بسبب أفكاره المعارضة للإشتراكية وتاريخه السياسي والحزبي.

لم يكتفِ صلاح جديد باعتقاله بل قام بمصادرة أمواله وأملاكه أيضاً. وقد أودعه في سجن تدمر بالرغم من تقدمه في السن ، ليخرج مع سائر السجناء السياسيين على أثر هزيمة سورية والعرب في حرب حزيران عام 1967. (10)

الوفاة

وجّهت “نصيحة” إلى رشدي الكيخيا من قبل السلطات السورية بضرورة مغادرة البلاد، لأن وجوده أصبح ثقيلاً على الطبقة السياسية الحاكمة. توجه بداية إلى لبنان ومن ثمّ إلى قبرص حيث عاش بقية سنوات حياته حتى وفاته عن عمر ناهز 87 عاماً يوم 14 آذار 1987.

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!