أعلام وشخصياتصحفيون

نجيب الريّس

مؤسس جريدة القبس.

نجيب الريّس
نجيب الريّس

نجيب الريّس (1898-1952)، صحفي سوري، مؤسس وصاحب جريدة القبس في زمن الانتداب الفرنسي، وأحد قادة الحزب الوطني في مرحلة الاستقلال. وهو صاحب نشيد “ياظلام السجن خيّم” ووالد الناشر والكاتب رياض الريّس.

البداية

ولِد نجيب الريّس في مدينة حماة ودرس في مدارسها قبل الانتقال إلى دمشق في مطلع شبابه ليستقر فيها مدى الحياة. انتسب إلى كلية الحقوق في جامعة دمشق ولكنّه تركها بعد سنة واحدة فقط للتفرغ للصحافة والعمل الوطني. بدأ حياته المهنية مُراسلاً لجريدة النهار اللبنانية، وكانت له مواقف متشددة ضد الإنتداب الفرنسي الذي كان قد فرض على سورية منذ سنة 1920.

اعتُقل وسُجن في جزيرة أرواد بداية الاحتلال الفرنسي، وهناك نظّم نشيد “يا ظلام السجن خيّم” الذي أصبح من أشهر الأناشيد الوطنية في سورية، لا يضاهيه إلّا نشيد “بلاد العرب أوطاني لفخري البارودي.

مع القبس

أسس نجيب الريّس صحيفة يومية خاصة به، أطلق عليها اسم جريدة القبس، صدر العدد الأول منها في 27 تشرين الثاني 1931. وقد صدرت بصفحتين بدلاً من الأربع صفحات المتعارف عليها في حينها، وكانت من القطع الصغير.

حققت القبس نجاحاً باهراً وأصبحت من أكثر الصحف قراءةً وتداولاً بسبب مواقفها الوطنية ووقوفها في وجه قادة البلاد المحسوبين على فرنسا، مثل تاج الدين الحسني وبهيج الخطيب. وبسبب مواقف صاحبها المتشددة، تعرضت القبس إلى التعطيل التعسفي مراراً، كما سُجن مؤسسها عدة مرات خلال السنوات 1923-1943.

أيّد نجيب الريّس الكتلة الوطنية، أشهر تنظيم سياسي في الثلاثينيات، ودافع بشدّة عن زعمائها و المعاهدة التي أبرموها مع الفرنسيين سنة 1936، واضعاً نفسه وجريدته في مواجهة مفتوحة مع زعيم المعارضة الدكتور عبد الرحمن الشهبندر.(1) مع العِلم أن الريّس بدأ حياته السياسيّة عضواً في حزب الشعب الدمشقي، الذي كان الشهبندر قد أطلقه سنة 1925.

كتب الريّس كثيراً عن لواء اسكندرون وحذّر من مطامع تركيا فيه، وقد بلغت مقالاته في هذا الموضوع إلى 64 مقالاً. جمعاً وضع نجيب الريّس 700 مقال في زمن الانتداب، 182 منها كانت افتتاحيات في جريدة القبس.(2)

الحزب الوطني

بعد جلاء القوات الفرنسية عن سورية شارك نجيب الريّس في تأسيس الحزب الوطني يوم 29 آذار 1947 (وريث الكتلة الوطنية) وانتُخب عضواً في لجنة الدعاية وأمين سر لجنة السياسة فيه.(3)

كما ترشّح للنيابة على قوائم الرئيس شكري القوتلي سنة 1943 وفاز بمقعد عن دمشق، بالرغم من أصوله الحموية. ولكنه فضّل الابتعاد عن المجلس النيابي من بعدها، مُعتبراً ان عمله في الصحافة أفضل له ولأمته من عمله في البرلمان.

الريّس والماسونية

انتسب نجيب الريّس في شبابه إلى عشيرة البنائين الأحرار الماسونية وكان عضواً في محفل قاسيون الدمشقي. وفي عام 1925 قام محفل قاسيون بطرده بسبب إفشائه أسرار المحفل وهو ما يزال في رتبة “المبتدئ.” لم يردّ نجيب الريس بكلمة واحدة طوال حياته المهنية وتوفي دون أن يعرف أحد عن ماضيه الماسوني شيئاً.

لكن رسالة طرده من الماسونية وردّه عليها نشرت بعد خمسة وستين عاماً من وفاته عندما قامت الصحفية السورية سعاد جروس بجمع أوراقه في كتاب عن حياته.(4) وعلى الرغم من وصف محفل قاسيون طرده بالنهائي فقد سامحت الماسونية الدمشقية نجيب الريّس ودعته إلى إحدى حفلاتها الخيرية عام 1934 ووصفته في برنامجها المطبوع والموزع على الحضور بـ “الأخ” نجيب الريس.(5)

معركة دستور عام 1950

في السنوات الأولى من الجلاء، تعرض نجيب الريّس إلى مضايقات شتّى من قادة حزب الشعب المنافسين له وللحزب الوطني، فحاولوا عند وصولهم إلى الحكم سنة 1949 إلغاء امتياز جريدة القبس.

وكانت أكبر معركة خاضها الريّس في هذه المرحلة ضد حركة الإخوان المسلمين خلال صياغة دستور سنة 1950 عندما حاول نوابهم فرض مادة دين الدولة. فكتب الريّس مقالاً مطولاً بعنوان “البلاد ليست لنا وحدنا،” دافع فيه عن المسيحيين وحقوقهم السياسية في سورية، مُطالباً بدستور يحترم علمانية الدولة. جاء في افتتاحيته:

لو كانت هذه البلاد للمسلمين وحدهم، لكانوا أحراراً في فرض دينهم على أنفسهم وعلى حكوماتهم وحكامهم، ولكن البلاد ليست لنا وحدنا، بل هي لنا ولغيرنا، وخصوصاً للنصارى الذين كانت لهم قبلنا، والذين دخلنا عليهم وهم فيها أصحاب دولة وملك ودين. حرمة الدين الاسلامي لا تكون بالنصوص والقوانين المفروضة، بل تكون بالتقوى والتمسك بتعاليم الدين، فلنكن متدينين أتقياء لا متعصبين أشداء، وليكن الدين مظهراً لأخلاقنا لا منفراً لإخواننا ومواطنينا.(6)

أكمل نجيب الريّس كلامه قائلاً:

لماذا تضعون هذه المادة الذي يثير، مجرد وضعها فقط، نفوس غير المسلمين في سورية وفي غيرها ويفتح علينا وعلى بلادنا باباً جديداً من الدعاية في العالم الخارجي نحن في غنى عن فتحه؟ ولا نعتقد أن أية حكومة تتألف في سورية تستطيع تطبيق أوامر الدين الإسلامية ونواهيه على رعاياها في معاملاتهم وخصوصاً في هذه الأيام التي تفرض منظمة الأمم المتحدة والعرف الدولي واجماع الدنيا وجوب المساواة بين المواطنين نساء ورجالاً وأديانياً في كل دولة مستقلة، وسورية عضو في هذه المنظمة ومجبرة على تطبيق قوانينها.

الموجهة مع أكرم الحوراني

دار نقاش حاد في إحدى جلسات الجمعية التأسيسية حول المادة 30 من الدستور الجديد، التي حددت سقف الملكية الزراعية وأعطت الدولة حق انتزاعها من أصحابها في حال تقصيرهم في زراعتها أو استثمارها، شرط أن لا يكون لهذا القانون أي مفعول رجعي. اعترض أكرم الحوراني على ذلك، بصفته رئيساً للحزب الاشتراكي العربي، مُطالباً بأن يكون مفعول القانون رجعياً لكي يتمكن من ضرب الملّاكين القدامى في الصميم.

رد الريّس على هذا الكلام عبر جريدته معتبراً أن مهاجمة الحوراني للملّاكين تكسبه أصوات الفلاحين في الانتخابات المُقبلة وتحوّل الكثير منهم إلى حزبه. ثم أكمل قائلاً:

لقد أصبحوا يرددون كلمات الإقطاعية والرأسمالية والملكيات الكبيرة في أحاديثهم وخطبهم ويهاجمون الملاكين من المزارعين ليربحوا أصواتهم وانضمامهم إلى أحزابهم فقط. ويتجاهلون ما يجنوه على الفلاحيين في الدرجة الأولى من قتل روح العمل في نفوسهم وتحويلهم عن الكسب الحلال إلى الكسل والبطالة والفتن وإفسادهم في السياسة والحزبية. فهم يلوحون دائماً وأبداً بأسطورة الإقطاعية والملكيات الكبيرة مع أنهم يعلمون بأن الفلاحيين عاجزون عن استغلال الأرض لو تخلى عنها أصحابها.

ختم بأن تصرفات الحوراني وأفكاره كانت ستؤدي إلى “أرض عاطلة عن الإنتاج وفلاحين عاطلين عن العمل وملاكين يتركون قراهم بوراً يرتع فيها هؤلاء التقدميون الاشتراكيون مثل أكرم الحوراني ومن لف لفه من النواب، فلا يجدون فيها غير جياع لا يملكون إلا أصواتهم بعد أن أفقدوهم مؤنتهم وطعامهم في سبيل مبادئهم.”(7)

الوفاة

.توفي نجيب الريّس عن عمر ناهز 54 عاماً في 9 شباط 1952. وقد أطلق اسمه على جادة في مدينة دمشق وأخرى في حماة، تكريماً له ومنجزاته الصحفية.

 

 

 

المصدر
1. سعاد جروس. من الانتداب إلى الإنقلاب: سورية في زمن نجيب الريّس (: دار رياض نجيب الريّس، بيروت 2015)، 242. نفس المصدر، 253. نفس المصدر4. نفس المصدر، 72-735. نفس المصدر6. القبس (12 شباط 1950)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!