أحزاب

الحزب الوطني

حزب سياسي 1927-1963.

الحزب الوطني، حزب سياسي ديمقراطي جمهوري، ولِد في دمشق يوم 29 آذار 1947 وتم حلّه من قبل مجلس قيادة الثورة في 8 آذار 1963. كان محسوباً على رئيس الجمهورية شكري القوتلي، وقد نجح في إيصال اثنبن من قادته إلى رئاسة الحكومة، هما جميل مردم بك وأمينه العام صبري العسلي.

البداية

ولِد الحزب الوطني في اجتماع كبير عُقد في منزل وزير الدفاع الأسبق نبيه العظمة بدمشق يوم 29 آذار 1947. حضره 65 شخصية سياسية، معظمهم كانوا أعضاء سابقين في الكتلة الوطنية التي حاربت الانتداب الفرنسي منذ عام 1927. قبل التأسيس حَصَل نبيه العظمة على مُباركة شفهيّة من ثلاث شخصيات وطنية كبرى، وهم الرئيس الحالي شكري القوتلي والسابق هاشم الأتاسي وسلطان باشا الأطرش، قائد الثورة السورية ضد الفرنسيين.(1)

المؤتمر التأسيسي للحزب الوطني سنة 1947.
المؤتمر التأسيسي للحزب الوطني سنة 1947.

كان هاشم الأتاسي هو الرئيس المؤسس للكتلة الوطنية وقد رفض الانضمام إلى الحزب الوطني، مُبرراً أن هدف الكتلة الأول والأخير كان جلاء المستعمر الفرنسي عن سورية، وبما أن هذا الهدف قد تحقق بالكامل، فلا داعي للدخول في مشروع حزبي ضيّق سيؤدي حكماً إلى تصارع على السلطة وتفريق كلمة الوطنيين بدلاً من جمعها في وجه التحديات التي كانت تواجه سورية في عهد استقلالها.

ميثاق الحزب

اتخذ من منزل في شارع خالد بن الوليد مقراً للحزب الوطني وكان شعار الحزب “حريّة – عدالة – مساواة.” وقد جاء في ميثاق التأسيس أن سياسته ستكون مبنية على “تحرير سائر أجزاء الوطن العربي،” وبأن العرب هم “أمة واحدة والسوريون جزء منها.” كما جاء في المادة الثالثة من الميثاق أن جامعة الدول العربية هي مؤسسة قوميّة يُعلّق عليها الحزب آمالاً كبيرة .” وذلك لأن ثلاثة من مؤسسي الحزب (سعد الله الجابري وجميل مردم بك وصبري العسلي) كانوا أيضاً من مؤسسي جامعة الدول العربية.

دعا الحزب بالحفاظ على وحدة سورية وتعزيز استقلالها، وطالب باحترام وتقوية نظامها الجمهوري، مما جعله في مواجهة مباشرة مع الأسرة الهاشمية الحاكمة في كلّ من بغداد وعمّان، التي كانت تسعى إلى استعادة العرش الهاشمي في سورية. وقد عارض الحزب مشروع سورية الكبرى الذي دعا إليه ملك الأردن عبد الله الأول، ووقف في وجه مشروع الهلال الخصيب الذي أطلقه رئيس وزراء العراق نوري السعيد. وبسبب هذه المواقف، حصل الحزب الوطني على دعم وتأييد من ملك مصر فاروق الأول وملك السعودية عبد العزيز آل سعود، حلفاء الرئيس القوتلي وأقطاب المحور المعادي للأسرة الهاشمية في الوطن العربي.

نبيه العظمة محاطاً بصبري العسلي وميخائيل إليان سنة 1947.
نبيه العظمة محاطاً بصبري العسلي وميخائيل إليان سنة 1947.

أعضاء المكتب الدائم

سعد الله الجابري ولطفي الحفار
سعد الله الجابري ولطفي الحفار

في 23 نيسان 1947 انتُخبت هيئة عامة للحزب وانبثق عنها مجلس مؤلف من سعد الله الجابري رئيساً ولطفي الحفار نائباً للرئيس، يعاونهم صبري العسلي (أميناً للسر)، مظهر رسلان (مراقباً) والدكتور عبد الرحمن الكيالي (خازناً).

وجميعهم كانوا أعضاء سابقين في الكتلة الوطنية، وقد تناوب اثنان منهم على رئاسة الحكومة في زمن الانتداب، وهما لطفي الحفار وسعد الله الجابري.

كما تم انتخاب لجنة مركزية مؤلفة من فائز الخوري (دمشق)، ميخائيل إليان (حلب)، عبد القادر شريتح (اللاذقية)، سليمان المعصراني (حمصنجيب البرازي (حماةوبدوي الجبل (ممثلاً عن الطائفة العلوية).

كما شكّل مجلس تأديبي مؤلف من ليون زمريا (حلب) وظافر القاسمي (دمشق)، وانتُخب الصحفي نجيب الريّس رئيساً للجنة شؤون السياسات.(2)

وبعد وفاة سعد الله الجابري نهاية العام 1947، انتُخب نبيه العظمة رئيساً للحزب الوطني ولكنّه استقال فذهبت الرئاسة إلى الدكتور عبد الرحمن الكيالي وعُيّن صبري العسلي أميناً عاماً.

الوصول إلى الحكم

خاض الحزب الوطني أول انتخابات نيابية سنة 1947 وفاز بثلاثة عشر مقعداً من أصل 114. كان جميل مردم بك يومها، وهو أحد الأعضاء المؤسسين في الحزب الوطني، رئيساً للوزراء وفي 22 أب 1948 كلفه الرئيس القوتلي بتأليف حكومة جديدة،  ذهبت معظم حقائبها إلى أعضاء الحزب الجديد.

حصل الحزب الوطني على ثمانية من أصل عشر حقائب، بما فيها رئاسة الحكومة ومنصب نائب الرئيس، الذي خلق لأجل لطفي الحفار. كما عُيّن أعضاء الحزب في الحقائب التالية: الأمير عادل أرسلان (الصحة والشؤون الاجتماعية)، الحاج وهبي الحريري (المالية)، محمّد العايش (الزراعة)، ميخائيل إليان (الاقتصاد) وأحمد الرفاعي (الأشغال العامة).

وقد تولّت هذه الحكومة تعديل الدستور السوري للسماح للرئيس شكري القوتلي بولاية رئاسية ثانية، مما أضر كثيراً بسمعة العهد وسمعة الحزب الوطني. وقد أدى هذا التصرف إلى ولادة معارضة منظمة في مدينة حلب، تحوّلت إلى حزب سياسي يُدعى حزب الشعب، كان برئاسة رشدي الكيخيا وناظم القدسي، وهما أيضاً أعضاء سابقين في الكتلة الوطنية، رفضوا الانضمام إلى الحزب الوطني عند تأسيسه وطالبوا باسقاطه.

استقال جميل مردم بك من منصبه وكلّف الرئيس خالد العظم بتشكيل حكومة جديدة يوم 16 كانون الأول 1948، حافظ فيها الحزب الوطني على معظم حقائبه: محمّد العايش (الزراعة)، عادل العظمة (الداخلية)، مجد الدين الجابري (الأشغال العامة)، أحمد الرفاعي (العدل والصحة والشؤون الاجتماعية).

تعرض الحزب الوطني لضربة كبيرة عند الإطاحة بالحكم الرئيس القوتلي يوم انقلاب حسني الزعيم في 29 آذار 1949، الذي أمر بحلّ جميع الأحزاب العاملة في البلاد، وفي مقدمتها الحزب الوطني، بسبب علاقة قادته الوثيقة بالرئيس القوتلي.

الحزب خارج الحكم 1949-1951

بعد انهيار حكم حسني الزعيم ومقتله يوم 14 أب 1949 عاد هاشم الأتاسي إلى السلطة وشكّل حكومة وطنية جامعة، كانت حصة الحزب الوطني فيها وزارة الدولة (عادل العظمة) ووزارة الأشغال العامة (مجد الدين الجابري). أُبعد الحزب عن أي تمثيل حقيقي في العهد الجديد بسبب ارتباط قادته بهزيمة سورية في حرب فلسطين الأولى وعلاقتهم بالرئيس القوتلي.

وبذلك قام الحزب رسمياً بمقاطعة الانتخابات التي أُجريت لمؤتمر تأسيسي يتولّى صياغة دستور جديد للبلاد بدلاً من الدستور الذي كان حسني الزعيم قد عطّله قبل أشهر. وذهبت غالبية مقاعد المؤتمر إلى خصومه من حزب الشعب وانتُخب رشدي الكيخيا رئيساً للجنة الدستور.

سعى حزب الشعب إلى إقامة وحدة فيدرالية مع العراق، وقام بتكليف ناظم القدسي بالتفاوض عليها بعد تعيينه رئيساً للحكومة. وبالرغم من تعارض هذه الوحدة مع ميول قادة الحزب الوطني المحسوبين على السعودية ومصر، إلا أن أمينه العام صبري العسلي قام بتأييدها وقدم طلباً رسمياً بخصوصها إلى الملك فيصل الثاني خلال زيارته دمشق سنة 1949.

الحزب وأديب الشيشكلي

اعتبر هذا الموقف انتهازياً، وزاد من الشرخ الكبير بين الحزب الوطني وحزب الشعب. وقاد غاب العسلي وصحبه عن جميع الحكومات التي شُكّلت في عهد حزب الشعب خلال السنوات 1949-1951. وعند وقوع انقلاب عسكري جديد نهاية العام 1951، تم حظر كلا الحزبين بتهمة التأمر على  نظام سورية الجمهوري، بأمر من مهندس الانقلاب العقيد أديب الشيشكلي.

انضم الحزب الوطني إلى المعارضة التي شُكّلت ضد الشيشكلي، بقيادة الرئيس المستقيل هاشم الأتاسي. وقد عُقد اجتماع كبير في دار الأتاسي في حمص، حضره صبري العسلي ممثلاً عن الحزب الوطني، قُرر فيه عدم الاعتراف بشرعية حكم الشيشكلي والمطالبة بإسقاطه. رد الشيشكلي باعتقال العسلي وعدد كبير من قادة الحزب، الذين نقلوا جميعاً إلى سجن المزة العسكري.

في عهد الأتاسي الأخير

عاد الحزب إلى نشاطه المعهود بعد زوال حكم الشيشكلي وعودة هاشم الأتاسي إلى الرئاسة الأولى يوم 1 آذار 1954. وقد تم تكريم الحزب بدعوة أمينه العام صبري العسلي لتشكيل أول حكومة في عهد الأتاسي. إضافة لرئاسة الحكومة، حصل الحزب على ثلاثة مقاعد وهي وزارة الدولة (عادل العظمة) ووزارة الصحة (بدوي الجبل)، ووزارة الاقتصاد (فاخر الكيّالي). ومن موقعه الجديد توجه العسلي إلى مصر على رأس وفد من السياسيين والتجّار لمطالبة الرئيس شكري القوتلي بالعودة إلى سورية والترشح مجدداً لرئاسة الجمهورية.

بعدهاا شارك الحزب في حكومة الرئيس فارس الخوري الأخيرة يوم 29 تشرين الأول 1954 عبر بدوي الجبل، الذي عُيّن وزيراً للصحة، ومجد الدين الجابري الذي كلف بحقيبتي الأشغال العامة والمواصلات، وفاخر الكيّالي الذي أبقي في منصبه وزيراً للاقتصاد الوطني. أمّا الرئيس الخوري فلم يكن عضواً في الحزب الوطني ولكنه كان من حلفائه ومناصريه بسبب تواجد شقيقه فائز ونجله سهيل في صفوفه الأمامية منذ التأسيس.

ومع قرب انتهاء ولاية الرئيس الأتاسي، أُجريت انتخابات نيابية في سورية، فاز فيها الحزب الوطني بتسعة عشر مقعداً فقط من أصل 142، وهي لم تكن كافية لعودته إلى الحكم مُنفرداً. وقد فاز خصومه بحصة الأسد من مقاعد المجلس النيابي الجديد، فنال حزب الشعب ثلاثين مقعداً وخرج حزب البعث بسبعة عشر مقعداً، مما أوصل أحد قادته الكبار، وهو أكرم الحوراني، إلى سدّة السلطة التشريعية.

بعد عوة الرئيس القوتلي إلى الحكم

نجح الحزب بعودة شكري القوتلي إلى رئاسة الجمهورية سنة 1955، مما أعطاه زخماً قوياً في المشهد السياسي السوري بالرغم من ضعف تمثيله في مجلس النواب. أعاد القوتلي تمسية صبري العسلي رئيساً للحكومة في 31 كانون الأول 1956 ولكن الأخير أُجبر على تقاسم المناصب السيادية مع البعثيين، فعيّن صلاح البيطار وزيراً للخارجية وخليل كلاس وزيراً للاقتصاد. أمّا الحزب الوطني وبالرغم من وجود أمينه العام في رئاسة الحكومة، فقد اختصرت مشاركته بوزراة العسلي على ثلاث حقائب فقط وهي الداخلية (التي تولاها العسلي بنفسه)، والصحة التي ذهبت لأسعد هارون، والأشغال العامة التي كلّف بها فاخر الكيّالي مجدداً.

أيّد الحزب الوطني التوجه العروبي الذي قاده رئيس الجمهورية، وقدّم فروض الطاعة والولاء إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر خلال العدوان الثلاثي وما بعده. وقد شارك صبري العسلي في المفاوضات التي أدت إلى ولادة جمهورية الوحدة في شباط 1958، حيث قرر الحزب حلّ نفسه طوعياً تنازلاً مع شروط الرئيس عبد الناصر. تكريماً لدوره في تحقيق الوحدة، عُيّن صبري العسلي نائباً للرئيس جمال عبد الناصر.

الحزب الوطني في عهد الانفصال

ولكن فُراقاً سريعاً حصل بين الحزب والعهد الجديد عندما أُجبر العسلي على الاستقالة من منصبه لثبوت تقاضيه أموالاً من الحكومة العراقية لقلب نظام الرئيس أديب الشيشكلي في مطلع الخمسينيات. كما عارض الحزب قانون الإصلاح الزراعي الذي فرضه الرئيس عبد الناصر في أيلول 1958، والذي طال الكثير من قادته الكبار، مثل صبري العسلي وجميل مردم بك، اللذين اعترضوا أيضاً على قانون التأميم الصادر في تموز 1960. وكان هذا القانون هو بمثابة الضربة القاضية للحزب الوطني لأنه شمل العديد من الصناعيين المحسوبين عليه  والذي كان الحزب يعتمد عليهم في تمويل نشاطاته، أمثال أعضاء الشركة الخماسية والصناعي سامي صائم الدهر.

وبذلك وقف الحزب الوطني مع انقلاب الانفصال الذي أطاح بجمهورية الوحدة يوم 28 أيلول 1961. وشارك صبري العسلي في صياغة بيان السياسيين القدامى في 2 تشرين الأول، الذي حمّل الرئيس عبد الناصر مسؤولية انهيار الوحدة واتهمه بإقامة نظام ديكتاتوري في سورية. كما صدر بيان مشابه عن الرئيس القوتلي من مقر إقامته المؤقت في إحدى مستشفيات سويسرا.

وفي 29 أيلول 1961 شارك الحزب الوطني في أول حكومة شُكّلت في سورية بعد الانفصال، برئاسة الدكتور مأمون الكزبري. مُثّل الحزب بحقيبة واحدة فقط من أصل 11، ذهبت إلى ليون زمريا الذي عُيّن وزيراً للمالية.

وتكررت المشاركة في حكومة الدكتور معروف الدواليبي يوم 22 كانون الثاني 1961، عندما سُمّي سهيل فارس الخوري وزيراً للشؤون البلدية والقروية.

وكانت آخر مشاركة سياسية للحزب الوطني هي في حكومة الرئيس بشير العظمة يوم 16 نيسان 1962، عندما تولّى عدنان الأزهري حقيبة الخارجية. هذا وقد رشح الحزب أمينه العام صبري العسلي لانتخابات رئاسة الجمهورية نهاية عام 1961، ولكنه فشل في الحصول على عدد كاف من الأصوات فذهبت الرئاسة الأولى إلى زعيم حزب الشعب الدكتور ناظم القدسي.

الإلغاء والحل

وعند انقلاب حزب البعث والناصريين على الرئيس القدسي يوم 8 آذار 1963، صدر قرار عن مجلس قيادة الثورة بحل جميع الأحزاب، ومنها الحزب الوطني، الذي  أغلقت مكاتبه في جميع المدن السورية وختم مقره الرئيسي في دمشق بالشمع الأحمر كما صودرت أوراقه الرسمية وممتلكاته كافة. وقد شمل العزل المدني الصادر من مجلس قيادة الثورة عدداً من رموزه بتهمة المشاركة في “جريمة الانفصال،” ومنهم صبري العسلي وسهيل الخوري وبدوي الجبل وليون زمريا.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!