أعلام وشخصياتسياسيون ورجال دولة

عبد الرحمن الشهبندر

زعيم الحركة الوطنية 1922-1949.

الدكتور عبد الرحمن الشهبندر
الدكتور عبد الرحمن الشهبندر

عبد الرحمن الشهبندر (6 تشرين الثاني 1879 – 6 حزيران 1940)، زعيم وطني وأحد قادة الثورة السورية الكبرى. هو وزير خارجية الملك فيصل ومؤسس حزب الشعب، أول حزب سياسي في مرحلة الانتداب الفرنسي. يُعتبر عبد الرحمن الشهبندر أحد أشهر الشخصيات الوطنية في تاريخ سورية الحديث، وقد تم اغتياله بدمشق سنة 1941.

البداية

ولِد عبد الرحمن الشهبندر في حيّ القيمرية بدمشق ودَرَس في مدارسها، ثم التحق بكلية الطب في جامعة بيروت الأمريكية وتخرج سنة 1906. وفي مذكراته يقول الأمير عادل أرسلان أن والد الشهبندر كان ممثلاً هاوياً يعمل ضمن فرقة أبى خليل القباني المسرحية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر.

عاد الشهبندر إلى دمشق بعد اتمام دراسته ومارس مهنة الطب في عيادته الخاصة وصار عضواً في الحلقة الفكرية التي كان يُقيمها الشّيخ طاهر الجزائري. تعاون مع عبد الحميد الزهراوي على تأسيس الجامعة العربية الحرة، وكان مُعارضاً لحكم السلطان عبد الحميد الثاني.

تمّت ملاحقته أمنياً بسبب نشاطه السياسي وأفكره العروبية فهرب إلى العراق ومنها توجه إلى الهند، قبل الذهاب إلى مصر، ليعمل مجدداً في الطب حتى وقوع انقلاب جمعية الاتحاد والترقي في اسطنبول سنة 1908.(1)

سَمح له الاتحاديون بالعودة إلى سورية، ومع بداية الحرب العالمية الأولى تم تعيينه طبيباً خاصصاً لجمال باشا، الحاكم العسكري لولاية سورية.

في العهد الفيصلي

أيّد الدكتور الشهبندر الثورة العربية الكبرى التي انطلقت من الحجاز ضد العثمانيين سنة 1916، وكان مُقرباً من قائدها العام الشريف حسين بن علي وأبنائه الأمير فيصل والأمير عبد الله بن الحسين. بايع الأمير فيصل حاكماً عربياً على دمشق عشيّة دخوله المدينة في 3 تشرين الأول 1918 وقام الأخير بتعيينه مستشاراً له. وعندما توجه فيصل إلى باريس لحضور مؤتمر الصلح في كانون الثاني 1919 كان الشهبندر ضمن الوفد المرافق له.

وفي باريس ونظراً لطلاقة لسانه باللغة الإنكليزية كلفه الأمير فيصل بالتواصل مع الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون. كان للشهبندر الفضل بإقناع الرئيس الأمريكي بإرسال لجنة تقصي حقائق إلى سورية، لمعرفة مدى تقبل الناس فكرة الانتداب الفرنسي الذي كان من المفترض أن يطبق على سورية بموجب اتفاقية سايكس بيكو، الموقعة في زمن الحرب بين الحكومتين الفرنسية والبريطانية.

وعند وصول لجنة كينغ كراين إلى سورية، عمل الشهبندر على مرافقة أعضائها في جولاتهم ومقابلاتهم مع الأعيان والوجهاء ورؤساء الطوائف. وقد ولدت صداقة متينة بينه وبين الدبلوماسي الأمريكي شارل كراين، أحد أعضاء اللجنة.

شارك الشهبندر في حفل تتويج الأمير فيصل ملكاً على سورية يوم 8 آذار 1963، وفي مطلع شهر أيار عُيّن وزيراً للخارجية في حكومة الرئيس هاشم الأتاسي الأولى. وكانت هذه الحكومة قد وضعت في مواجهة الفرنسيين بعد صدور إندار الجنرال هنري غورو الشهير في 14 تموز 1920. وافقت الحكومة السورية على إنذار غورو وبدأت بتنفيذ شروطه التي تضمنت حل الجيش الوطني وجمع السلاح تمهيداً لفرض الانتداب الفرنسي على سورية. ولكن غورو ادعى أن برقية قبول الإنذار قد وصلته متأخرة فأمر جيشه المرابط في الساحل السوري بالزحف نحو مدينة دمشق لاحتلالها.

حصلت مواجهة عسكرية بين سورية وفرنسا في معركة ميسلون يوم 24 تموز 1920، هزم على أثرها الجيش السوري واستشهد وزير الحربية يوسف العظمة. هرب الملك فيصل إلى فلسطين ومن ثمّ إلى أوروبا في 1 أب 1920  وتوجه الشهبندر إلى مصر بعد صدور قرار إعدام غيابي بحقه من قبل محكمة عسكرية في دمشق، أدانته بالتشدد ضد الفرنسيين وتشجيع السوريين على حمل السلاح لمقاومتهم.

تأسيس المؤتمر السوري الفلسطيني

قضى الشهبندر أشهر المنفى الأولى متنقلاً بين عواصم العالم للحديث عن القضية السورية، وقد تم استقباله في لندن لمخاطبة مجلس العموم البريطاني، بدعوة من حزب المحافظين. وفي سنة 1921 تعاون الشهبندر مع الأمير ميشيل لطف الله على تأسيس المؤتمر السوري الفلسطيني، وهو أول تجمع عربي معارض لسياسات الدول الأوروبية في المنطقة. كان الأمير لطف الله من رجالات الشريف حسين وكان والده مديراً لأموال الأسرة الهاشمية، مما أدى إلى تبني الشريف حسين أعمال المؤتمر، الذي تم افتتاحه في جنيف يوم 25 تموز 1921.

قضية شارل كراين

عاد الشهبندر إلى سورية عند صدور عفو عن معظم السياسيين وتعاون مع صديقه الحميم حسن الحكيم (رئيس وزراء سورية في الأربعينيات) على ترتيب زيارة الدبلوماسي الأمريكي شارل كراين إلى دمشق في نيسان 1922. كان كراين أحد أعضاء اللجنة الأمريكية التي جاءت إلى سورية سنة 1919 للوقوف على مشاعر أهلها تجاه الانتداب الفرنسي، وفي زيارته الثانية أراد معرفة ما حل بهم وببلادهم بعد مرور سنتين على فرض ذلك الانتداب.

جال كراين مع الشهبندر على قادة المجتمع الدمشقي واجتمع مع ذوي الشهداء والمعتقلين، وحل ضيفاً في عدد من الجوامع والكنائس. وقبل سفره، قدم كراين للشهبندر منحة بقيمة 2000 دولار أمريكي، طلب منه اعطاءها إلى سيدتين سوريتين يرغبن الدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية. قرر الشهبندر أن تكون المنحة الأولى من نصيب نازك العابد، مؤسسة جمعية النجمة الحمراء،  وأن تذهب الثانية إلى أليس قندلفت، بنت إحدى العائلات المسيحية المعروفة في حيّ القيمرية. رفضت العابد تلك المنحة، نظراً لمشاغلها الكثيرة ورشحت مُدرسة من عائلة الرهونجي الدمشقية بدلاً عنها، كانت تعمل في مدرسة بنات الشهداء في طريق الصالحية.

الشهبندر سجيناً سنة 1922.
الشهبندر سجيناً سنة 1922.

ألقت سلطة الانتداب الفرنسي الحاكمة القبض على الشهبندر بتهمة تقاضي أموال من دولة أجنبية وسيق إلى سجن قلعة دمشق مُكبلاً مُهاناً. خرجت دمشق عن بكرة أبيها نصرة للشهبندر ورفاقه وأجريت له محاكمة سياسية رافع عنه فيها صديقه القديم فارس الخوري، زميل الدراسة في الجامعة الأمريكية. ولكن النتيجة لم تكن لصالحه، فقد حُكم على الشهبندر بعشرين سنة اعتقال، قضى منها تسعة عشر شهراً قبل إطلاق سراحه بموجب عفو فرنسي جديد صدر يوم 12 تشرين الأول 1923.

حزب الشعب

في 5 حزيران 1925 أسس عبد الرحمن الشهبندر أول حزب سياسي عرفه السوريون في فترة حكم فرنسا، أطلق عليه اسم حزب الشعب. أُشهر الحزب في أوبيرا العباسية بدمشق وضمّ بين صفوفه عدداً من الزعماء مثل حسن الحكيم وفارس الخوري وفوزي الغزي.

نادى الحزب بوحدة الأراضي السورية واستقلالها التام وغير المشروط عن الإنتداب الفرنسي، وطالب بانضمام سورية إلى عصبة الأمم ووضع دستور للبلاد وانتخاب مجلس نواب يُمثل مطالب وطموحات الشعب السوري. وخلال أسابيع قليلة، تم افتتاح فروع صغيرة للحزب في كلّ من حمص وحماة وحلب واللاذقية.(2)

الثورة السورية الكبرى

شارك عبد الرحمن الشهبندر في الثورة السورية الكبرى عند انطلاقها في صيف العام 1925 حيث أغلق عيادته الطبيّة وتوجه إلى جبل الدروز لحمل السلاح مع قائدها العام سلطان باشا الأطرش، كما شارك في صياغة كل بيانات الثورة. وكان له الفضل في نقل تلك الثورة إلى غوطة دمشق، بالتعاون مع الشّيخ محمد الأشمر. فجاء رد الفرنسيين بقصف مدينة دمشق يوم 18 تشرين الأول 1925 والحكم على الشهبندر ورفاقه بالإعدام، وحظر حزب الشعب وإغلاق مكاتبه ومصادرة أوراقه وممتلكاته. هرب الشهبندر إلى القاهرة وظلّ مقيماً فيها حتى صدور عفو عنه سنة 1937.

معارضة الكتلة الوطنية

في غيابه ظهر تنظيم الكتلة الوطنية في دمشق الذي دعى إلى نضال سياسي لا عسكري ضد الفرنسيين، وطالب الثوار بإلقاء السلاح ومحاربة فرنسا عبر مؤسسات الحكم الديمقراطي. اعترض الشهبندر على هذه السياسة وعلى معاهدة عام 1936 التي أبرمها قادة الكتلة الوطنية مع الحكومة الفرنسية. ورأى الشهبندر أن هذه المعاهدة تُعطي فرنسا الكثير من التنازلات غير المبررة، مثل حق الانتفاع من الأراضي السورية في حال نشوب حرب عالمية جديدة، وحق إقامة قواعد عسكرية في الساحل السوري.

عاد وفد الكتلة الوطنية من باريس في أيلول 1936 وفاز أعضاؤه بغالبية مقاعد المجلس النيابي مما أوصل رئيس الكتلة هاشم الأتاسي إلى سدة الرئاسة، وكان جميل مردم بك أول رئيس حكومة في عهده. صدر عفو عام عن جميع السياسيين القدامى، عاد بموجبه عبد الرحمن الشهبندر إلى سورية يوم 14 أيار 1937. تزعم المعارضة لعهد الكتلة الوطنية وطالب باستقالة مردم بك، الذي كان قد عمل معه في السابق مساعداً أيام تولي الشهبندر وزارة الخارجية ثم عضواً في حزب الشعب.

الدكتور الشهبنندر في دمشق سنة 1937.
الدكتور الشهبنندر في دمشق سنة 1937.

رُفعت صور الشهبندر في شوارع دمشق ووصف أنصاره بزغلول سورية، نسبةً إلى الزعيم المصري الكبير سعد زغلول، رئيس حزب الوفد وقائد نضال بلاده ضد الاحتلال البريطاني. وحدهم زعماء الكتلة الوطنية غابوا عن حفل استقبال الشهبندر،خوفاً منه ومن موقفه منهم ومن المعاهدة التي أوصلتهم إلى الحكم.

فلم يُخفِ أحد منهم تخوّفه من عودة الشهبندر إلى الحياة السياسية في سورية، وقلقهم الشديد من مشروعه الشخصي والوطني. فقد كان الشهبندر ناقماً عليهم جميعاً لتجاهلهم له طوال فترة غيابه عن مسرح الأحداث داخل سورية وغاضباً من عدم مشورته خلال مفاوضاتهم في باريس.

وعندما دعوه لحضور مؤتمر بلودان لمناقشة الأوضاع في فلسطين، رفض الشهبندر المشاركة، قائلاً أنه لن يكون في مجلساً يترأسه سعد الله الجابري، وزير الخارجية في حكومة جميل مردم بك.

سخِر الشهبندر من خصومه، واصفاً إياهم بالمراهقين السياسيين، واعتبر أنَّ الاتفاقية الموقعة بين جميل مردم بك وحكومة ليون بلوم كانت مليئة بهفوات سياسية وقانونية لا تُغتفر وتنازلات مُذلّة وغير مُبررة، مضيفاً أنها شرَّعت الانتداب وأعطت الفرنسيين أكثر بكثير مما يستحقون لتقرير مستقبل سورية.

في أحاديثه الصحفية وخُطبه الجماهيرية وجّه الشهبندر اللوم الشديد إلى الحكومة المردمية، معتبراً أنها جاءت إلى الحكم على دماء شهداء الثورة السورية الكبرى. صَعُبَ على الشهبندر العودة إلى وطنه بموجب اتفاقية كان يرفض أساساً الاعتراف بشرعيتها. وفي إحدى المناسبات فتح الشهبندر نيرانه على معاهدة باريس قائلاً: “إنّ هذه المعاهدة كلها سُموم ويحاول السيد جميل مردم بك تبليعها أبناء سورية وطليها بالعسل، ولكن أبناء البلاد سيطحنون جرعه المعسول بالعقل ليروا السموم المدسوسة فيه.”(3)

ردّ الرئيس مردم بك على هذه الاتهامات بوضع الشهبندر تحت الإقامة الجبرية ومنعه من ممارسة أي نشاط سياسي. كما أمر باعتقال عدد من أنصاره بتهمة عقد اجتماع سياسي غير مرخص في حي الميدان.

الشهبندر والعلمانية

تعرض الشهبندر لحملة مركزة من خطباء المساجد والعلماء بعد إشاعة خبر علمانيته ورغبته بفصل الدين عن السياسة.

أُشيع يومها أنه سُمعَ يقول: “نحن العرب لا يمكن أن ننهض حتى نترك هذا الدين الذي أتى به بدوي من الصحراء.”(4) وقيل أنه خاطب بعض النساء المتحجبات بالقول: “إلى متى وأنتم واضعون هذه الجلابيب؟ أما آن لكم أن تتشبهوا بنساء أوروبا؟”(5) كما قال الصيدلاني راشد الريشاني، زميل الشهبندر في جامعة بيروت الأمريكية، أنه فكر خلال سنواته الدراسية في الخروج عن الإسلام واعتناق الدين المسيحي على المذهب البروتستانتي.

هذه العبارات التي نُسبت إلى الشهبندر، لو صحّت، لم تصدر عنه رسمياً لا في خطاب مُعلن أو في مقال منشور، وكانت مجرد تهم أُلصقت به وتناقلها العوام في مقاهي دمشق ومجالسهم الخاصة، دون أي دليل. عندما عاد الشهبندر إلى دمشق بعد دراسته الطب في الجامعة الأمريكية في بيروت، كان مدافعاً شرساً عن الإسلام، نظراً لقربه من حاكم ولاية الشّام في حينها، جمال باشا. فتساءل أنصاره، كيف لجمال باشا، وهو أحد أبرز رموز الحكم في اسطنبول، أن يقبل بتعيين طبيب في مجلسه يجاهر بعلمانيته، أو بإلحاده؟ لو كان الشهبندر مشهراً أفكاره اللا دينية، لما اصطحبه جمال باشا لتفقد القوات العثمانية قبل بدء الحملة العسكرية في قناة السويس في آذار 1915.(6)

وفي شبابه، قام الشهبندر بترجمة كتاب “روح الاسلام” عن اللغة الإنكليزية، وانفرد بفصل كامل عن حقوق المرأة في الإسلام، نُشر في جريدة المقتبس الدمشقية عام 1907. قال فيه الشهبندر، نقلاً عن الكاتب الهندي أمير علي، أن الإسلام أنصف المرأة، ولم يظلمها لا بالميراث أو بالحقوق والواجبات.

وبعد خروج العثمانيين من سورية، بدأ الشهبندر يجاهر بأفكاره، ويقول إن الدين الإسلامي لا يتماشى مع متطلبات العصر الحديث، وتحديداً لو تعارض مع العِلم. ولكنه تحالف مع علماء دمشق عند تأسيسه حزب الشعب قبل أسابيع من اندلاع الثورة السورية الكبرى، وعندما دعا أنصاره لحمل السلاح ضد الفرنسيين، كان نداؤه باسم “الله والوطن.”(7) وكان اثنان من أعضاء جمعية التمدن الإسلامي محسوبين على التيار الشهبندري في سورية، وهما عارف التوّام والمحامي وحيد الحكيم.

اغتيال الشهبندر

دخل ثلاثة شبان إلى عيادة الشهبندر الكائنة في منطقة الشعلان، مقابل مدرسة الفرنسيسكان، يوم 6 تموز 1940. أحدهم يلبس بدلة افرنجية، وتنكر الأخران بزي فلاحي الغوطة وهم يحملون بيدهم سلّة تفّاح هدية للطبيب. أخرج أحدهم، ويدعى أحمد عصاصة مسدساً مخفياً في جعبته وأطلق النار على الشهبندر من مسافة متر واحد، اخترقت الرصاصة حلمة أذنه اليمنى وخرجت من صدغه الأيسر، فسقط قتيلاً على الفور.(8)

فرّ الثلاثة وهم يشهرون مسدساتهم في وجه الممرض المذعور واستقلوا سيارة “تاكسي” كانوا قد استأجروها من سوق التبن، وأمروا سائقها بنقلهم بسرعة قصوة إلى قرية كفرسوسة القريبة من دمشق، مروراً بالتكية المولوية ثم بمحطة البرامكة وصولاً إلى الفحامة، حيث توقف الطريق المعبد، فترجلوا من السيارة وأكملوا مسيرهم على الأقدام.

المحاكمة

في اليوم نفسه، شكلّت لجنة عليا للتحقيق بالجريمة، برئاسة المدعي العام عبد الرؤوف سلطان وعضوية المستنطق الأول فلاديمير السبع ومدير العدلية خليل رفعت. بدأ البحث الفوري عن الجناة، وبعد تسعة أيام عُثر على أحمد عصاصة متوارياً في بساتين الميدان.(9)

أُلقي القبض عليه بواسطة أحد سكان الميدان الذي تم مكافأته بخمسة الآف ليرة سورية، قدمها صديق الشهبندر، الصناعي عثمان الشرباتي.(10) أرادت حكومة الانتداب إلصاق الجريمة بخصوم الشهبندر في الكتلة الوطنية، فذهب أحد رجالات الاستخبارات الفرنسية جوزيف جميّل إلى نزيه مؤيد العظم، صهر الشهبندر وقال له: “اقتلوا بالمقابل واحداً من الكتلة الوطنية!”(11)

جاء في محضر التحقيق أن المجرمين اجتمعوا سراً داخل الجامع الأموي مع مدير مكتب مردم بك، المحامي الشاب عاصم النائلي، الذي حرضهم ضد الشهبندر ووصفه بالعميل للإنجليز وبأنه “عدو الله وعدو الوطن.” كما قال لهم أنه يريد “تفريق الكلمة وتمزيق الكتلة الوطنية.” قال أحمد عصاصة أن عاصم النائلي عرض عليهم مبلغ 400 ليرة عثمانية ذهب لتصفية الشهبندر، مقدمة من جميل مردم بك ورفاقه لطفي الحفار وسعد الله الجابري.(12)

قام شكري القوتلي ورياض الصلح بتشكيل فريق من أشهر المحامين للدفاع عن رفاقهم المتهمين، ضم حبيب أبو شهلا وإميل لحّود من لبنان وإحسان الشريف من سورية، مقابل فريق مؤلف من عشرين محامياً رافعوا عن أسرة الشهبندر، منهم منير العجلاني وزكي الخطيب، وكلاهما أعضاء سابقون في الكتلة الوطنية.

وقد تبيّن لاحقاً أن المحققين الفرنسيين، وبالتعاون مع عملائهم السوريين، جاؤوا بأحمد عصاصة إلى مديرية شرطة دمشق، بعد ضربه وإهانته، وقالوا أنهم سيخففون عقوبته ويبعدون عنه حبل المشنقة لو وجه أصابع الاتهام إلى جميل مردم بك ورفاقه، وفعلوا ذات الشيئ مع شريكه إبراهيم غندور.(13)

وصل إلى مسامع زعماء الكتلة أن الفرنسيين كانوا ينوون إصدار مذكرات توقيف بحقهم، بواسطة مترجم المندوب السامي، اللبناني عبد الله عبسي، الذي كان يعمل لصالح الحركة الوطنية في سورية. كان ذلك متوقعاً طبعاً بعد التحقيق معهم بتهمة التحريض ضد الشهبندر خلال تواجدهم في الحكم. هرب سعد الله الجابري من حلب إلى العراق، ولحقه جميل مردم بك ولطفي الحفار.

وخلال المحاكمة، أصر أحمد عصاصة على أقواله حتى دخل مفتي المالكية إلى القاعة، الشّيخ مكي الكتاني. تحدث عن تحمّله جزءاً من المسؤولية عما حدث، مشيراً إلى أن أحمد عصاصة دخل عليه ذات يوم، وهو من مريديه، وسأله: “ما جزاء الخائن في الإسلام؟” أجابه الشّيخ الكتاني، دون تردد: “القتل” وقد اتُخذت هذه الفتوة كغطاء شرعي لتصفية الدكتور الشهبندر. عند دخوله، نهض الجناة من خلف قفص الاتهام باحترام بالغ وارتباك شديد، فتوجه إليهم قائلاً أنه كان عندما أفتى بالقتل، كان يتحدث بالعموم عن الخيانة، دون معرفة من المقصود بذلك، مؤكداً أنه لم يُفتِ قط باغتيال الشهبندر.(14)

هنا طُلب من أحمد عصاصة أن يعيد شهادته أمام القاضي بعد أن يقسم على القرآن الكريم، فانفجر باكياً واعترف بأنه قتل الشهبندر دون توجيه من أحد، وبأنه لم يجتمع بحياته مع عاصم النائلي. وأضاف أنه ورفاقه كانوا ينوون تصفية جميل مردم بك بعد الشهبندر، لما سمعوا عن أفكاره التحررية وعلمانيته.

أصدرت المحكمة قراراً بتبرئة قادة الكتلة وإعدام المجرمين، الذي نُفذ في ساحة المرجة بدمشق في 3 شباط 1941.

عائلة الشهبندر

تزوج عبد الرحمن الشهبندر من سارة مؤيد العظم، بنت الوجيه تقي الدين مؤيد العظم، التي كان قد تعرف عليها بصفة طبيب الأسرة. توفيت زوجته سنة 1976 وله منها  ست أولاد كان أكبرهم فيصل (تولد 1917)، المُسمى على اسم الملك فيصل الأول، يليه سحاب (1919)، ميادة (1921)، غادة (1923)، والتوأم رباح وصلاح (1924).

مؤلفاته

وضع الشهبندر مذكراته التي عنونها “ثورة سورية كبرى: أسرارها وعواملها ونتائجها” (عمّان 1940) وكتب مقدمة كتاب “فاجعة ميسلون والبطل العظيم يوسف العظمة،” للأديب محيّ الدين السفرجلاني (دمشق 1937). وقد جُمعت مقالاته في كتب نُشرت جميعها بعد وفاته مثل “مذكّرات وخطب” (دمشق 1993)، “المقالات” (دمشق 1993)، و”الرسائل” (دمشق 2002). وفي عام 2015 نُشرت مراسلاته مع حسن الحكيم تحت عنوان “الرسائل المفقودة،” جمعها وحققها الكاتب السوري سامي مروان مبيّض.

تخليد ذكرى الشهبندر

دفن عبد الرحمن الشهبندر خلف الجامع الأموي، جانب ضريح صلاح الدين الأيوبي وأطلق اسمه على إحدى أشهر ميادين دمشق وعلى شارع بالقرب من ساحة السبع بحرات. وقد سُمّيت مدرسة للإناث على اسمه في منطقة المزرعة بدمشق. كما صدرت عدة كتب وأبحاث عن حياة الشهبندر، كان أبرزها كتاب “عبد الرحمن الشهبندر: حياته وجهاده” لصديقه حسن الحكيم، الذي صدر في بيروت سنة 1985. وفي سنة 1989 كان كتاب “عبد الرحمن الشهبندر: عَلَم نهضوي ورجل الوطنية والتحرر الفكري” للباحث السوري عبد الله حنّا.

الشهبندر على شاشة التلفزيون

جُسّدت شخصية عبد الرحمن الشهبندر مرتين على شاشة التلفزيون، كانت الأولى في الجزء الثاني من مسلسل أخوة التراب سنة 1998، حيث لعب دوره الفنان بسام لطفي. وجاءت المرة الثانية في مسلسل طالع الفضة سنة 2011، عندما جسّد شخصيته الفنان جمال سليمان.

المصدر
1. حسن الحكيم. عبد الرحمن الشهبندر: حياته وعصره (الدار المتحدة للنشر، بيروت 1985)، 17-182. محمّد حرب فرزات. الحياة الحزبية في سورية (دار الرواد، دمشق 1955)، 102 3. نصوح بابيل. صحافة وسياسة: سورية في القرن العشرين (دار رياض نجيب الريّيس، لندن 1987)، 1174. منذر الموصللي. حقائق وخفايا اغتيال الشهبندر من مذكرات المجاهد الشيخ محمد الحرش (دار المروة، دمشق 2006)، 1445. نفس المصدر6. سمير سيقلي. عبد الرحمن الشهبندر وبداية عمله الوطني (باللغة الإنكليزية، 1986)، 627. فيليب خوري. سورية والانتداب الفرنسي (باللغة الإنكليزية - جامعة برينستون 1987)،1468. نصوح بابيل. صحافة وسياسة: سورية في القرن العشرين (دار رياض نجيب الريّيس، لندن 1987)، 1399. منذر الموصللي. حقائق وخفايا اغتيال الشهبندر من مذكرات المجاهد الشيخ محمد الحرش (دار المروة، دمشق 2006)، 16110. نصوح بابيل. صحافة وسياسة: سورية في القرن العشرين (دار رياض نجيب الريّيس، لندن 1987)، 14611. نفس المصدر، 14712. نفس المصدر، 154-15513. سلمى مردم بك. أوراق جميل مردم بك (شركة المطبوعات، بيروت 1994)، 11614. نفس المصدر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!