أعلام وشخصياتسياسيون ورجال دولة

هاشم الأتاسي

أحد الآباء المؤسسين: رئيس المؤتمر السوري العام (1919-1920)، رئيس حكومة (1920، 1949)، رئيس جمهورية (1936-1939، 1949-1951، 1954-1955).

الرئيس هاشم الأتاسي
الرئيس هاشم الأتاسي

هاشم الأتاسي (11 كانون الثاني 1873 – 5 كانون الأول 1960)، رئيس جمهورية وزعيم الحركة الوطنية، يُعتبر أحد الآباء المؤسسين للدولة السورية الحديثة. لُقّب بأبو الدستور لدوره في صياغة دستور سورية الأول سنة 1920 والثاني عام 1928.

وقد تسلّم أرفع المناصب في حياته المديدة فكان رئيساً للمؤتمر السوري العام سنة 1919 ثمّ رئيساً للحكومة السورية من 3 أيار وحتى 26 تموز 1920.

أسس هاشم الأتاسي تنظيم الكتلة الوطنية سنة 1927 وقاد مفاوضات الاستقلال الأولى في فرنسا عام 1936. انتُخب رئيساً للجمهورية مرتين، كانت الأولى في زمن الانتداب (1936-1939) والثانية في عهد الاستقلال (1949-1951).

تزعم المعارضة ضد حكم أديب الشيشكلي العسكري وعاد إلى الرئاسة بعد انتهاء حكمه في 1 آذار 1954. وقد بقي في منصبه حتى انتهاء ولايته الدستورية حتى 5 أيلول 1955.

البداية

ولِد هاشم الأتاسي في مدينة حمص وسط البلاد وهو سليل أُسرة كبيرة من والعُلماء والسّياسيّين. كان جدّه الشّيخ محمّد مُفتياُ على حمص وكذلك والده الشّيخ خالد الأتاسي الذي انتُخب عضواً في مجلس المبعوثان العثماني في اسطنبول سنة 1876. دَرَس هاشم الأتاسي في مدارس حمص وفي الكليّة الإسلامية ببيروت ثم أكمل تحصيله العلمي في المدرسة الملكية العُليا باسطنبول، وعند تخرّجه عُيّن معاوناً لوالي بيروت سنة 1894.(1)

الوظائف الإدارية في العهد العثماني

من بيروت نُقل هاشم الأتاسي إلى قضاء المرقب (بانياس) وعُيّن فيه برتبة قائممقام لمدة عام. تسلّم بعدها منصب قائممقام قضاء صهيون (الحفة) حتى سنة 1902 حيث تم نقله إلى صفد أولاً ثمّ إلى صور وجبل عامل. وفي عام 1904 عُيّن قائممقام السلط ووكيل مُتصرف الكرك حتى سنة 1907، عند تسلّمه قائممقامية قضاء جبلة في الساحل السوري.

وفي سنة 1908 وقع انقلاب عسكري في اسطنبول،  أوصل جمعية الاتحاد والترقي إلى الحكم وأطاح بحكم السلطان عبد الحميد الثاني. تم تسريح عدد كبير من الموظفين العرب المحسوبين على العهد الحميدي ولكن هذا لم يشمل هاشم الأتاسي، نظراً لسمعته الحسنة كرجل إداري فذ وكونه مستقلاً لا يتعاطى السّياسة. وفي سنة 1908 عينه الاتحاديون قائممقام قضاء عجلون ثم بعلبك الهرمل ثم يافا سنة 1912.

بعدها بعام رُفّع هاشم الأتاسي إلى رتبة مُتصرّف وعُيّن حاكماً على مدينتي حمص وحماة، ثم على مدينة عكا في فلسطين. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى سنة 1914 نُقل المُتصرف هاشم الأتاسي حاكماً على جبل بركات جنوب الأناضول ثم على مدينة بوردور في الأناضول الغربي الأوسط. وقد ظلّ في هذا المنصب حتى نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1918.(2)

الأتاسي والملك فيصل الأول

لم يُشارك هاشم الأتاسي في الثورة العربية الكبرى ضد الدولة العثمانية ولكنه كان مُتعاطفاً مع مبادئها ومُقرباً من قائدها العام الشريف حسين بن علي ونجله الأمير فيصل بن الحسين.(3) عند انتصار تلك الثورة وسقوط الحكم العثماني في دمشق نهاية شهر أيلول من العام 1918، عاد هاشم الأتاسي إلى مسقط رأسه في حمص وبايع الأمير فيصل حاكماً عربيّاً على سورية. فقرر الأخير تعيينه مُتصرّفاً على مدينة  حمص من تشرين الأول 1918 وحتى آذار 1919.

رئيساً للمؤتمر السوري العام 1919-1920

اجريت انتخابات نيابية في المدن السورية المحررة كافة وانتُخب هاشم الأتاسي نائباً عن مدينته فيما سُمّي بالمؤتمر السوري العام، وهو أول برلمان مُنتخب في تاريخ سورية الحديث. وعند وفاة رئيس المؤتمر محمّد فوزي باشا العظم، انتُخب الأتاسي خلفاً له في 3 حزيران 1919. وقد أشرف على افتتاح أعمال البرلمان في جلسة تاريخية عُقدت داخل بناء النادي العربي وسط مدينة دمشق.

كانت أولى مهام الرئيس الجديد استقبال لجنة كينغ كراين الأمريكية التي جاءت إلى سورية بطلب من الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون لمعرفة مدى تقبل السوريين لفكرة فرض انتداب فرنسي عليهم، بحسب ما جاء في اتفاقية سايكس بيكو الموقعة في زمن الحرب بين الحكومتين الفرنسية والبريطانية. ترأس الأتاسي المفاوضات مع اللجنة الأمريكية وأصدر بياناً باسم الشعب السوري رفض فيه الانتداب وطالب باحترام وحدة الأراضي السورية واستقلالها التام.

وفي 8 آذار 1920 قام المؤتمر السوري برئاسة هاشم الأتاسي بتتويج الأمير فيصل ملكاً على البلاد والإعلان عن رفض نظام الانتداب في سورية ووعد بلفور في فلسطين.(4) وقد انتُخب هاشم الأتاسي رئيساً للجنة صياغة الدستور السوري الأول، التي جددت مبايعة فيصل ملكاً وأقرّت بنظام حكم له ولأولاده من بعده في سورية. ولكنها أصرت على أن يكون فيصل ملكاً دستورياً محدد الصلاحيات، يتوجب عليه العودة إلى مجلس النواب في اتخاذ أي قرار مصيري.

رئيساً للحكومة سنة 1920

رفضت الدول العظمى قرارات المؤتمر السوري واحتجت على تتويج فيصل ملكاً، مُعتبرة أن في ذلك خرقاً لاتفاقية سايكس بيكو. وعند تزايد الكلام عن قرب مواجهة عسكرية بين السوريين والجيش الفرنسي المرابط في الساحل، شكّل الملك فيصل حكومة مواجهة يوم 3 أيار 1920، ذهبت رئاستها إلى هاشم الأتاسي.(5)

قام الأتاسي بتعيين الضابط الشاب يوسف العظمة وزيراً للحربية وجاء بالطبيب الشاب عبد الرحمن الشهبندر، خريج جامعة بيروت الأميركية، إلى وزارة الجارجية وأبقى على وزير المعارف ساطع الحصري وعيّن الوجيه رضا الصلح وزيراً للداخلية. وقد تولت هذه الحكومة قيادة البلاد خلال أسفار الملك فيصل المتكررة إلى مؤتمر الصلح في باريس، وكانت في المواجهة عشية صدور الإنذار الفرنسي يوم 14 تموز 1920، الذي طلب من حكومة الأتاسي الاعتراف بشرعية الانتداب وحلّ الجيش وجمع السلاح إضافة لاعتقال المعارضين لفرنسا وتسليمها عدداً من المرافق الحيوية، منها سكة حديد الرياق – حلب.

رفض الأتاسي قبول الإنذار الذي حمل توقيع المندوب السامي الفرنسي هنري غورو، ولكن الملك فيصل كان له رأي مُختلف. فقد قبل به وأبرق إلى الجنرال غورو بالموافقة، ولكن الأخير اعتبر أن برقية الملك جاءت متأخرة، وأمر ببدء الزحف الفرنسي نحو مدينة دمشق لاحتلالها عسكرياً.

حصلت المواجهة في معركة ميسلون يوم 24 تموز 1920 التي هُزم فيها الجيش السوري، كما استشهد وزير الحربية يوسف العظمة. أما الملك فيصل فقد فرّ إلى قرية الكسوة في ريف دمشق، ثم غادر الأراضي السورية يوم 1 أب 1920، مُتجهاً إلى فلسطين أولاً ومن ثمّ إلى أوروبا للاحتجاج على خلعه عن عرش الشّام بهذه الطريقة المُذلّة.

كان فيصل وقبل مغادرته سورية قد أمر بتشكيل حكومة جديدة برئاسة علاء الدين الدروبي، خلفاً لحكومة هاشم الأتاسي، على أمل أن تنجح بالتوصل إلى اتفاق مع غورو يُعيده إلى عرشه في دمشق.

في زمن الثورة الوطنية

اعتزل هاشم الأتاسي العمل السياسي وعاد إلى مدينة حمص يوم احتلال دمشق. لم يشترك في الثورة السورية الكبرى التي أطلقها سلطان باشا الأطرش سنة 1925 ولكنه أيدها ودفع شقيقه خليل للمشاركة بها، مع عدد من رجال آل الأتاسي.  فأمرت سلطة الانتداب الفرنسي باعتقاله ونقله إلى سجن أرواد، وهي المرة الأولى والأخيرة الذي دخل فيها هاشم الأتاسي السجن.(6)

تأسيس الكتلة الوطنية

بعد قمع الثورة واعتقال أو نفي معظم قادتها، قرر هاشم الأتاسي الظهور مجدداً عبر تنظيم سياسي جديد يهدف إلى لمّ الشمل وتوحيد الكلمة في وجه الفرنسيين. وفي 23 تشرين الأول 1927 عقد الأتاسي اجتماعاً في بيروت مع عدد من الوطنيين الكبار، أعلنوا فيه عن ولادة الكتلة الوطنية، التي ضمّت زعيم ثورة الشمال إبراهيم هنانو مُمثلاً عن حلب ونجيب آغا البرازي ممثلاً عن حماة،  والمحامي إحسان الشريف ممثلاً عن دمشق والصحفي الفلسطيني يوسف العيسى.

وفي اجتماع كبير للهيئة العامة عقد في منزل الأتاسي في حمص في 3-4 شهر تشرين الثاني 1932 تم إقرار دستور الكتلة وانتخاب الأتاسي رئيساً مدى الحياة. وقد شُكّل مجلس دائم للكتلة مؤلف من إبراهيم هنانو زعيماً وفارس الخوري عميداً، وانتُخب سعد الله الجابري نائباً للرئيس الأتاسي وتم توسيع عضوية الكتلة لتشمل كلً من شكري القوتلي ولطفي الحفار وفخري البارودي. انتُخب كلّ من القوتلي وجميل مردم بك والدكتور عبد الرحمن الكيالي أعضاء في مجلس الكتلة الدائم، لمعاونة الرئيس على اتخاذ القرارات وكان مقرهم في منزل عربي في حيّ القنوات، قُدّم مجاناً للرئيس الأتاسي من قبل التاجر الدمشقي أمين دياب.

وقد أصدر المؤتمرون بياناً موقعاً باسم الأتاسي، تضمن عدداً من المطالب الموجهة إلى حكومة باريس، منها رفع الأحكام العرفية واحترام حرية الصحافة وإصدار عفو عام عن كل المعتقلين والمنفيين لأسباب سياسية.(7)

كان هدف الكتلة الوطنية مواجهة الفرنسيين سياسياً وليس عسكرياً، في اعتراف ضمني على فشل المقاومة المسلحة التي رافقت ثورة سنة 1925. وكان لهاشم الأتاسي رأي تبناه الجميع بالأكثرية، على ضرورة محاربة الفرنسيين عبر المؤسسات الديمقراطية ذاتها التي كانوا قد أدخلوها إلى الحياة السياسية في سورية. قرروا المشاركة في جميع الانتخابات المُقبلة للوصول إلى سدة الحكم بشكل ديمقراطي وقانوني، بما عُرف بسياسة “التعاون المُشرف” مع سلطة الانتداب الحاكمة.

دستور عام 1928

وفي نيسان 1928، أعلنت فرنسا عن انتخابات أول مجلس تأسيسي في سورية، يتولّى صياغة دستور جمهوري للبلاد بدلاً من الدستور الملكي الذي وضعه الأتاسي سنة 1920. خاضت الكتلة الوطنية تلك الانتخابات وفازت بغالبية مقاعد المؤتمر التأسيسي، فأصبح هاشم الأتاسي رئيساً له، يعاونه اثنان من أعضاء الكتلة الحقوقيين وهما فوزي الغزي وفائز الخوري.(8)

أنجز الأتاسي ورفاقه دستور سورية الجديد في فترة قياسية لم تتجاوز الأسبوعين، ووضعوا دستوراً عصرياً مُستلهماً من الدساتير الأوروبية. ولكن هذا الدستور لم يُعجب السلطة الفرنسية بسبب خلوّه الكامل من أي إشارة إلى نظام الانتداب. كما أنه أعطى، بموجب المادة 74، رئيس الجمهورية السوري المنتخب بدلاً من المندوب السامي الفرنسي حق إعلان الحرب والسلم وتوقيع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية. وجاء في المادة 110 منه حق إنشاء جيش وطني في سورية بدلاً من الجيش الذي تم سحقه ثم حلّه إبان معركة ميسلون، الأمر الذي لم يُعجب الفرنسيين أيضاً.

وأخيراً احتجت فرنسا على المادة الثانية من الدستور التي لم تعترف بحدود اتفاقية سايكس بيكو ونصّت على اعتبار سورية الطبيعية المساحة القانونية للدولة السورية الوليدة.

وفي 11 أب 1928 تم التصويت على مسودة الدستور داخل المؤتمر التأسيسي وتبنيه بالإجماع. ولكن الفرنسيين أضافوا مادة حَمَلت الرقم 116، فيها ذكر صريح لنظام الانتداب، ولكن الأتاسي رفضها بشدة. جاء الرد الفرنسي بتعطيل أعمال المؤتمر التأسيسي مدة ثلاثة أشهر، وفي 5 شباط 1929، أُعلن عن حلّه كلياً وتعطيل الدستور إلى أجل غير مسمّى.(9)

انتخابات الرئاسة عام 1932

في سنة 1932 أعلنت فرنسا عن إجراء انتخابات نيابية في سورية، تليها انتخابات رئاسية. خاضت الكتلة المعركة الانتخابية مجدداً، ولكنها خسرت جميع مقاعدها في الشمال لصالح زعيم أنطاكيه صبحي بركات، المحسوب على الفرنسيين والذي حصد 28 من أصل 68 مقعداً داخل المجلس النيابي. فاز الأتاسي بمقعده عن حمص ووصل عدد نواب كتلته إلى 14. وعند عقد جلسة لانتخاب رئيس الجمهورية، ترشح الأتاسي ضد صبحي بركات وكل من نائب دمشق المستقل محمّد علي العابد وحاكم دولة دمشق الأسبق حقي العظم ورئيس الحكومة السابق رضا الركابي والحالي تاج الدين الحسني.

ولكنه وبسبب ضغف تمثيل الكتلة في الشمال، قرر الأتاسي الانسحاب وإعطاء أصواته للعابد، لقطع الطريق على المرشحين الآخرين المحسوبين على فرنسا، وبذلك تم انتِخاب محمّد علي العابد رئيساً للجمهورية يوم 11 حزيران 1932.

الإضراب الستيني سنة 1936

في تشرين الثاني 1935 توفي إبراهيم هنانو وخرج زعماء الكتلة في جنازته، رافعين شعارات منددة بفرنسا، يتقدمهم هاشم الأتاسي. وقد حدثت مشاجرات بينهم وبين الفرنسيين، أدت الى اعتقال  عدد كبير من أنصار الأتاسي في حلب وحمص وحماة. تكررت المواجهات ثم تحوّلت إلى إضراب عام، أعلنت عنه الكتلة بعد اعتقال فخري البارودي في دمشق يوم 26 كانون الثاني 1936. بدأ الإضراب في دمشق وحلب وامتد حتى دير الزور والبوكمال ثم إلى صيدا وطرابلس الشّام، وقد دام ستين يوماً توّج خلالها هاشم الأتاسي زعيماً على الشارع السوري بكل شرائحه وأطيافة. وقد رفع شعار شعبي يومها: “الدين لله والطاعة للكتلة الوطنية.”

أُخبرت فرنسا على الدخول في مفاوضات مباشرة مع الأتاسي، تمّت في مقر المفوضية الفرنسية العليا في بيروت بحضور رئيس الحكومة السورية عطا الأيوبي. وقد اتفق الطرفان على أن يقوم الأتاسي بوقف الإضراب، وفي المقابل يتم الإفراج عن كل المعتقلين السياسيين ويتم دعوة وفد من الكتلة الوطنية إلى باريس للتفاوض على مستقبل سورية السياسي، وأن تعترف فرنسا بالكتلة الوطنية ممثلاً شرعياً عن الشعب السوري.

نَزَلَ هاشم الأتاسي إلى سوق الحميدية حيث وضع شريطاً أخضراً على مدخله، وقام بقصه مُعلناً إنهاء الإضراب الستيني. وفي 3 آذار 1936 توجه الأتاسي إلى باريس على رأس وفد من قادة الكتلة الوطنية مؤلف من فارس الخوري وسعد الله الجابري وجميل مردم بك ورياض الصلح. وخلال أشهر غيابه قام بتعيين زميله شكري القوتلي رئيساً باوكالة للكتلة الوطنية.

معاهدة عام 1936

مكث وفد الكتلة في فرنسا مدة ستة أشهر قام خلالها أعضاؤه بمفاوضات مع رئيس الحكومة الفرنسية ليون بلوم. حاول الأتاسي إدراج بند يؤدي إلى استعادة الأقضية الأربعة التي سُلخت عن سورية وضمّت إلى لبنان (حاصبيا وراشيا وبعلبك والبقاع) ولكن الفرنسيين أصروا على أن تكون المفاوضات حول مستقبل سورية فقط وأن لا تشمل لبنان.

توقيع معاهدة عام 1936.
توقيع معاهدة عام 1936.

وقد أدت هذه المفاوضات إلى توقيع معاهدة بين الأتاسي والحكومة الفرنسية، تؤدي إلى استقلال سورية التدريجي على مدى خمسة وعشرين سنة. كما نص الاتفاق على إعادة ضم جبلي العلويين والدروز إلى الوطن الأم، اللذين كانت فرنسا قد أعطتهما نظام حكم ذاتي منذ عام 1920، كما نصّت المعاهدة على السماح لسورية بإنشاء جيشها الوطني، شرط أن يتم تسليحه وتدريبه من قبل الفرنسيين. وفي المقابل وافق الأتاسي على إعطاء فرنسا عدداً من الامتيازات العسكرية في سورية، منها الانتفاع من الجو والبحر والأرض في حال نشوب أي حرب جديدة في أوروبا.

عاد وفد الكتلة الوطنية إلى دمشق رافعاً شعار النصر يوم 29 أيلول 1936 واسُتقبل أعضاؤه استقبال الفاتحين الأبطال. أُجريت انتخابات نيابية جديدة في 14-30 تشرين الثاني 1936، فازت فيها الكتلة الوطنية بغالبية مقاعد المجلس النيابي. واستقال الرئيس محمّد علي العابد من منصبه ليتم انتخاب هاشم الأتاسي خلفاً له يوم 21 كانون الأول 1936، بغالبية 74 من أصل 82 صوتاً من أصوات النواب.

الرئاسة الأولى 1936-1939

كلّف هاشم الأتاسي زميله في الكتلة جميل مردم بك برئاسة الحكومة الأولى في عهده، وانتُخب صديقه فارس الخوري رئيساً لمجلس النواب.  ولأول مرة منذ احتلال سورية سنة 1920 سُمح للسوريين بأن يكون لهم وزارة خارجية، والتي تولّاها سعد الله الجابري، ووزارة  دفاع، التي تسلمها شكري القوتلي. وكان أول عمل قامت به الحكومة الجديدة كان التصديق على معاهدة عام 1936 قبل أن يتم ارسالها إلى مجلس النواب حيث تم الموافقة عليها بالإجماع.(10)

تعرض عهد الرئيس الأتاسي إلى تحديات عدة، كان أولها عودة زعيم المعارضة عبد الرحمن الشهبندر من منفاه في مصر وهجومه على المعاهدة، مُعتبراً أنها أعطت فرنسا الكثير ولم تأخذ بالمقابل استقلالاً تاماً وغير مشروط. كان الشهبندر صديقاً قديماً للأتاسي وقد عُيّن وزيراً في حكومته الأولى، ولذلك فقد تجنب الدخول في مواجهة مع رئيس الجمهورية وصوّب سهامه باتجاه رئيس الحكومة جميل مردم بك. رد الأخير بوضع الشهبندر قيد الإقامة الجبرية ومنعه من ممارسة أي عمل سياسي، كما أمر باعتقال عدد كبير من أنصاره، مما أضر بالعهد الوطني وأزعح الرئيس الأتاسي كثيراً. ومن جهة أخرى تعرض عهد الأتاسي إلى تحديات أمنية في منطقة الجزيرة، أدت الى اختطاف المحافظ توفيق شامية.

تحسباً لأي حرب جديدة في أوروبا رفض البرلمان الفرنسي التصديق على معاهدة عام 1936، مما وضع الكتلة الوطنية ورئيسها في موقف حرج أمام الشارع السوري. وقد أُجبر الأتاسي على إرسال مردم بك إلى فرنسا للتفاوض على عدد من الملاحق والإضافات للمعاهدة، مثل ضمان مكانة اللغة الفرنسية في المدارس السورية وإعطاء فرنسا حق التنقيب عن النفط. ولكنه طلب من مردم بك ألّا يوقع على شيء دون الرجوع له وللكتلة الوطنية، ولكن رئيس الحكومة قام بالتوقيع، متجاهلاً كلام رئيس الجمهورية.

مع ذلك أصر الفرنسيون على موقفهم، مما أدى إلى استقالة حكومة جميل مردم بك في شباط 1939. شُكّلت بعدها حكومتان، الأولى برئاسة لطفي الحفار، عضو المكتب الدائم للكتلة الوطنية، والثانية برئاسة السياسي المستقل نصوحي البخاري، المحسوب على رئيس الجمهورية. ولكن كلاهما فشل في تمرير المعاهدة ومنع سلخ منطقة لواء اسكندرون عن سورية، التي تم إعطاؤها إلى تركيا من قبل حكومة باريس لضمان حيادها في الحرب العالمية المُقبلة.

وبناء على كل هذه المعطيات، واحتجاجاً على رفض التصديق على المعاهدة وعلى سلخ لواء اسكندرون، قدم الرئيس هاشم الأتاسي استقالته من رئاسة الجمهورية يوم 7 تموز 1939، منهياً بذلك العهد الوطني الأول في سورية. بعدها بيوم واحد تم حل المجلس النيابي وتولى المفوض السامي الفرنسي بنفسه السلطتين التنفيذية والتشريعية.

قمة الأتاسي – ديغول

بعد استقالة الأتاسي بشهرين اندلعت نيران الحرب العالمية الثانية في أوروبا وأدت إلى احتلال فرنسا من قبل الجيش الألماني. نظّمت مقاومة رسمية لهذا الاحتلال النازي، برئاسة الجنرال شارل ديغول قائد قوات فرنسا الحرة. وبعد نجاحه في إسقاط الحكم الفرنسي الموالي لهتلر في سورية، جاء ديغول إلى دمشق وتوجه إلى بلدة شتورا اللبنانية حيث كان الأتاسي يقضي إجازته الصيفية في تموز 1941. اجتمع ديغول مع الأتاسي وعرض عليه العودة إلى رئاسة الجمهورية فسأله هاشم الأتاسي: “ما هي السلطة التي ستتمتع بها الجمهورية السورية العتيدة؟”

أجابه ديغول: “هناك ضرورات حرب ويمكن أن تكون بنود معاهدة 1936 مبدئياً هي الأسس التي تحدد بموجبها العلاقات بين الجمهورية السورية والسلطات الفرنسية.”

قال له الرئيس الأتاسي: “لقد مرت سنوات على تلك المعاهدة وتغيّرت الظروف ونحن نطالب اليوم بما هو أوسع من ذلك.”

ثم أبلغه عن عدم رغبته بالعودة إلى الحكم، مُشيراً إلى أن تجربته السابقة مع الفرنسيين لم تكن مشجعة بسبب تخليهم عن المعاهدة ونكثهم بكافة الوعود والعهود التي قطعوها على أنفسهم خلال مفاوضات باريس سنة 1936.(11)

الأتاسي ما بين 1939-1949

غاب هاشم الأتاسي عن المشهد السياسي من بعدها باستثناء مباركته ترشح زميلة في الكتلة الوطنية شكري القوتلي إلى رئاسة الجمهورية سنة 1943.(12) وقد دُعي إلى القصر الجمهوري لمشاركة القوتلي في احتفالات عيد الجلاء الأول يوم 17 نيسان 1946.

ولكنه رفض المشاركة في الحزب الوطني الذي انشئ على أنقاض الكتلة الوطنية بعد الجلاء، مُعتبراً أن الكتلة كانت تجمعاً وطنياً في وجه الاستعمار، ليس لها أي هدف إلّا تحرير البلاد وصون وحدة أراضيها. أما الحزب فله غاية سياسية أخرى وهي الوصول إلى الحكم، مما لم يُطرب هاشم الأتاسي الذي طالما اعتبر نفسه زعيماً وطنياً تعلو مكانته جميع الاعتبارات السياسية والحزبية.

وخلال حرب فلسطين سنة 1948، خرج الأتاسي من عُزلته نزولاً عند رغبة الرئيس القوتلي وقبل تكليفه برئاسة الحكومة في محاولة لإنقاذ البلاد من أزمة وزارية مزمنة. جاء الأتاسي إلى دمشق لإجراء مشاورات مع جميع الأحزاب ولكنه لم ينجح في مساعيه فأصدر بياناً مقتضباً  اعتذر فيه عن التكليف.(13)

انقلاب سامي الحناوي

عصفت بسورية من بعدها سلسلة من الانقلابات العسكرية، كان أولها انقلاب حسني الزعيم على شكري القوتلي في 29 آذار 1949 تلاه انقلاب سامي الحناوي على حسني الزعيم في 14 آب 1949. بعد نجاح الانقلاب الثاني ومقتل حسني الزعيم، أعلن اللواء الحناوي أنه لا يريد تولّي رئاسة الجمهورية وأنه سيعيد الجيش إلى ثكناته ويُفسح المجال أمام عودة الحياة المدنية البرلمانية التي كان الزعيم قد عطلها مع انقلابه الأول.

دعا الحناوي إلى اجتماع كبير في مبنى الأركان العامة، حضره ممثلون عن الأحزاب السياسية كافة، قرر فيه المجتمعون الطلب من هاشم الأتاسي العودة إلى سدّة الحكم بصفته قائداً تاريخياً أجمع عليه الشعب السوري، بكافة شرائحه وطوائفه. رفض الأتاسي هذا  الطرح مُعتبراً أن الرئيس شكري القوتلي يبقى هو الرئيس الشرعي للبلاد، بموجب الانتخابات النيابية الأخيرة التي أُجريت سنة 1947. ورأى أن يعود القوتلي إلى الحكم ويدعوا إلى انتخابات نيابية جديدة، ولكن معظم السياسيين رفضوا هذا المقترح وأصروا على موقفهم.

نزولاً عند رغبة الأكثرية وإنقاذاً للموقف قَبل الأتاسي وشكّل حكومته يوم 15 أب 1949. فور تسلّمه الحكم أصدر عفواً عن كافة المعتقلين في عهد الزعيم وأمر بعودة الضباط المُسرحين إلى الخدمة، وكان من بينهم العقيد أديب الشيشكلي. وقد عينه الأتاسي آمراً للواء الأول الذي كان يقوده الحناوي، والذي بات رئيساً للأركان في عهد الأتاسي الجديد.

العلاقة مع حزب الشعب

الرئيس الأتاسي في مجلس النواب سنة 1949.
الرئيس الأتاسي في مجلس النواب سنة 1949.

كانت حكومة الأتاسي هي أول حكومة سورية تضم كافة الأحزاب السياسية، عُيّن فيها ميشيل عفلق وزيراً للمعارف، مُمثلاً عن حزب البعث، وأكرم الحوراني وزيراً للدفاع، ممثلاً عن الحزب العربي الاشتراكي.

ولعل المُستفيد الأكبر من الحكم الجديد كان حزب الشعب الذي ولِد قبل أشهر قليلة من الانقلاب الأول وكان مُعارضاً للرئيس القوتلي. أحد مؤسسيه كان الدكتور عدنان الأتاسي، ابن الرئيس الأتاسي، الذي نادى بإقامة وحدة عربية وطالب بتحقيق اتحاد بين سورية والعراق، تحت عرش الأسرة الهاشمية الحاكمة في بغداد والممثلة بالملك فيصل الثاني، حفيد الملك فيصل الأول. وقد تشارك الأتاسي وابنه في هذا المطلب مع قادة حزب الشعب ورئيس الأركان سامي الحناوي، المحسوب على العراق.

وكان الأتاسي قد عيّن مؤسس الحزب رشدي الكيخيا وزيراً للداخلية وزميله ناظم القدسي وزيراً للخارجية، مما سهل على الجميع الدخول في مفاوضات مباشرة مع العراق لتحقيق هذا الهدف.

وفي 11 كانون الاول انتُخب الكيخيا رئيساً للمؤتمر التأسيسي المكلّف بصياغة دستور جديد بدلاً من دستور عام 1928 الذي كان حسني الزعيم قد عطله قبل أشهر. حصد حزب الشعب غالبية مقاعد المؤتمر التأسيسي وتقرر أن يتحوّل هذا المؤتمر إلى مجلس نواب بصلاحيات تشريعية كاملة عند إتمامه مهام صياغة الدستور الجديد. وفي 14 كانون الأول 1949 انتخب أعضاء المؤتمر هاشم الأتاسي رئيساً للدولة بالإجماع وطلب الأخير من ناظم القدسي تشكيل أول حكومه في عهده تتولى مهمة المفاوضات مع  الحكومة العراقية لتحقيق الوحدة بين البلدين.

انقلاب الشيشكلي الأول

لم يرقِ هذا المشروع إلى طموحات العقيد أديب الشيشكلي، الذي رأى فيه تحدّياً شخصياً لمشروعه السياسي وتعدّياً على نظام سورية الجمهوري. وفي 19 كانون الأول 1949 قام الشيشكلي بانقلاب جديد، ليس على الرئيس الأتاسي بل داخل المؤسسة العسكرية. أطاح باللواء سامي الحناوي لبتر التيار الوحدوي العراقي داخل الجيش وحرمان ثنائي الحكم (هاشم الأتاسي وحزب الشعب) من أي دعم عسكري كان يوفره لهم الحناوي. وقد اشترتط الشيشكلي عليهم أن يعيّنوا أحد أعوانه، وهو اللواء فوزي سلو وزيراً للدفاع في جميع الحكومات المُقبلة، لضمان عدم طرح موضوع الوحدة مع العراق مجدداً داخل جلسات الحكومة.

انقلاب الشيشكلي الثاني

وافق هاشم الأتاسي على هذا الطلب، ولو على مضض، في محاولة منه لكبح جماح الشيشكلي. وقد تم احترام مطلبه في تسمية فوزي سلو وزيراً في جميع الحكومات المتعاقبة من كانون الأول 1949 حتى تشرين الثاني 1951. عندها كُلّف معروف الدواليبي، وهو أحد قادة حزب الشعب، بتشكيل حكومة جديدة ولكنه رفض إعطاء حقيبة الدفاع إلى اللواء سلو، متحدياً بذلك أديب الشيشكلي.

وجه الأخير إنذاراً شديد اللهجة إلى معروف الدواليبي، وعندما لم يستجب قام الشيشكلي بانقلاب جديد صباح 29 تشرين الثاني 1951. تم اعتقال معروف الدواليبي مع أفراد حكومته وأُجبر على تقديم استقالته إلى رئيس الجمهورية. فقدّم هاشم الأتاسي استقالاته احتجاجاً على هذا التطاول على مقام الرئاسة من قبل العسكر. وفي 2 كانون الأول 1951، قدم استقالة خطيّة إلى مجلس النواب وغادر دمشق مُتجهاً إلى حمص.

وعلى الفور، أصدر الشيشكلي قراراً بتسمية فوزي سلو رئيساً للدولة، حيث قام بحكم سورية من خلاله حتى صيف العام 1953، إلى أن تولّى رئاسة الجمهورية بنفسه بموجب انتخابات لم يترشح فيها أحد سواه.

الأتاسي زعيماً للمعارضة 1951-1954

عَمل هاشم الأتاسي من مدينة حمص على معارضة حكم الششكلي بكافة الطرق الديمقراطية والدستورية. فقد عُقدَ مؤتمراً سياسياً في داره يوم 20 حزيران 1953 حضره قادة جميع الأحزاب، قُرر خلاله مقاطعة انتخابات الشيشكلي وعدم الاعتراف بدستوره ولا بشرعية ولايته الرئاسية. نظراً لتقدمه بالسن ومكانته الرفيعة في المجتمع السوري، لم يستطع أديب الشيشكلي اعتقال هاشم الأتاسي ولكنه أمر باعتقال نجله عدنان مع جميع رفاقه في حزب الشعب.

لم يُغير هذا الاعتقال من قناعات هاشم الأتاسي وموقفه من نظام الحكم، فقد أيّد الثورة العسكرية التي انطلقت ضد الشيشكلي وأطاحت به نهاية شهر شباط من العام 1954. عاد فوراً  إلى دمشق في 1 آذار لإكمال ما تبقى من ولايته الدستورية، مُعتبراً أن نظام الشيشكلي لم يمر على سورية. فقد أمر باستعادة البرلمان القديم والدستور القديم وألغى معظم القرارات التي حملت توقيع أديب الشيشكلي.

الرئاسة الأخيرة 1954-1955

في ولايته الأخيرة افتتح الرئيس الأتاسي معرض دمشق الدولي في أيلول 1954 وبعدها بأشهر، اغتيل نائب رئيس الأركان العقيد عدنان المالكي يوم 22 نيسان 1955.  وكان لهذا الحدث تأثير كبير على مجرى الحياة السياسية في سورية، فقد أدى إلى حظر الحزب السوري القومي الاجتماعي واعتقال جميع قادته وأعضائه. كما أعطت الجريمة ذريعة للمؤسسة العسكرية للتدخل في الشؤون السّياسيّة مجدداً. ومن أبرز نتائج تلك الجريمة كان تعيين الرئيس الأتاسي العقيد الشاب عبد الحميد السراج مديراً للمكتب الثاني (شعبة المخابرات العسكرية) للإشراف على التحقيقات مع الحزب السوري القومي الاجتماعي، ليُصبح من بعدها رجل سورية الأقوى في النصف الثاني من الخمسينيات.

الخلاف مع مصر

ترافق عهد الأتاسي الأخير مع صعود نجم الرئيس جمال عبد الناصر في مصر والذي لم يكن على علاقة طيبة مع نظيره السوري. بداية الخلاف كانت في إعطاء الرئيس الأتاسي حق اللجوء السياسي لعدد من عناصر الإخوان المسلمين في مصر، المُلاحقين أمنيّاً من قبل المخابرات المصرية، مما أدى إلى سحب السفير المصري من دمشق في تشرين الثاني 1954.(14) ثم تفاقم الخلاف حول مشروع حلف بغداد، الذي أراد عبد الناصر إجهاضه عبر سورية، ولكن الرئيس الأتاسي لم يكن معارضاً له ولا رغبة لديه بالدخول في مواجهة مع الغرب.

وفي كانون الثاني 1955 دُعيت سورية للمشاركة في مؤتمر رؤساء الحكومات العربية المُنعقد في القاهرة برعاية وحضور الرئيس عبد الناصر. قبِل الأتاسي الدعوة وأرسل صديقه القديم فارس الخوري للمشاركة، بعد عودته إلى رئاسة الحكومة في دمشق. رفض الخوري، بالتنسيق مع الأتاسي، التهجم على العراق وإدانة رئيس حكومته نوري السعيد كما رفض وصف حلف بغداد بالمشروع الاستعماري.

كان الأتاسي ينظر إلى عبد الناصر ورفاقه من الضباط الأحرار على أنهم عديمو الخبرة ومتهورون سياسيّاً، وقد رفض أن تكون لهم اليد العُليا في رسم سياسات الشرق الأوسط وفرض إرادتهم على سورية.

انتخابات عام 1954

ومع قرب نهاية ولايته طلب الرئيس الأتاسي من السّياسي المستقل سعيد الغزي تشكيل حكومة وطنية للإشراف على الانتخابات البرلمانية والرئاسية المُقبلة. وتُعتبر هذه الانتخابات هي الأكثر نزاهة وشفافية في تاريخ سورية الحديث نظراً للكفاءة العالية التي كان يتمتع بها سعيد الغزي ووزير داخليته اسماعيل قولي الذي أصر على عدم تدخل الجيش وطبقة الملاكين القدامى في العملية الانتخابية.

وقد صبّ ذلك في مصلحة حزب البعث، الذي فاز بسبعة عشر مقعداً في تلك الانتخابات، وهي أعلى نسبه له منذ تأسيسه سنة 1947، مما خوله لتسلّم وزارة الخارجية ومن ثمّ رئاسة مجلس النواب.

اجتمع المجلس النيابي الجديد لاختيار رئيس جمهورية، وكانت المنافسة بين الرئيس شكري القوتلي وخالد العظم، فاز فيها الأول على الأخير ونُصّب رئيساً يوم انتهاء ولاية هاشم الأتاسي في 5 أيلول 1955. كانت هذه هي المرة الأولى والأخير التي يتم فيها تداول السلطة بشكل دستوري، ويتم انتقال الحكم من رئيس مُنتخب إلى رئيس مُنتخب دون وفاة أحدهما أو استقالته أو الاطاحة به عسكرياً.

سنوات التقاعد

سلّم هاشم الأتاسي مقاليد الحكم إلى رفيق دربه شكري القوتلي وتوجه إلى حمص مُجدداً لقضاء سنواته الأخيرة، مُعتزلاً الشأن العام. وفي سنوات تقاعده تعرض الأتاسي لصدمة كبيرة عند اعتقال نجله عدنان سنة 1956، بتهمة التخطيط لانقلاب عسكري مموّل من العراق لقلب نظام الحكم في سورية. اتُهم عدنان الأتاسي بمحاولة إقصاء جميع الشخصيات السّياسيّة والعسكرية الموالية لعبد الناصر في سورية، ومنها رئيس البرلمان أكرم الحوراني ومدير المكتب الثاني عبد الحميد السراج.

وقد تمّت محاكمته علناً على مُدرج جامعة دمشق، ولكن هاشم الأتاسي رفض حضور تلك الجلسات أو التوسط لدى الرئيس القوتلي لإطلاق سراح نجله. وقد بقي عدنان الأتاسي سجيناً حتى 1960، إلى أن تم نقله إلى مصر ووضعه قيد الإقامة الجبرية في الإسكندرية، وكان ذلك خلال سنوات الوحدة السورية المصرية.

كان يوم إعلان الوحدة بين سورية ومصر في شباط 1958 هو آخر ظهور علني للرئيس هاشم الأتاسي الذي توجه إلى قصر الضيافة في دمشق لتهنئة الرئيس عبد الناصر، بالرغم من قلّة الود بينهما وضلوع الأخير في استمرار اعتقال عدنان الأتاسي.

الرئيس الأتاسي مع الرئيس جمال عبد الناصر سنة 1958.
الرئيس الأتاسي مع الرئيس جمال عبد الناصر سنة 1958.

الوفاة

توفي الرئيس هاشم الأتاسي في حمص عن عمر ناهز 87 عاماً صباح يوم 6 كانون الأول 1960. وقد رُتبت له جنازة رسميّة حضرها وزير الداخلية عبد الحميد السراج، ممثلاً عن الرئيس جمال عبد الناصر. وقد أُعلن الحداد العام في أراضي الجمهورية العربية المتحدة وتم إطلاق اسم هاشم الأتاسي على شارع ومدرسة في كل مدينة سورية، منها مدينته حمص ومركز حُكمه في دمشق. وفي سنة 2005 صدر كتاب عن حياته ونضاله، وضعه المهندس محمّد رضوان الأتاسي، أحد أحفاد هاشم الأتاسي.

أولاد هاشم الأتاسي

أشهر أبناء هاشم الأتاسي كان عدنان بسبب عمله في السياسة، أما ابنه البكر سري (1895-1937) فقد كان أميناً عاماً لمجلس النواب خلال رئاسة أبيه الأولى وقد توفي عندما كان الأتاسي في سدّة الحكم. وعمل ابنه الثاني ناظم (1897-1964) في الرزاعة وكان الأصغر رياض (1910-1996) موظفاً رفيعاً وصل إلى منصب رئيس مكتب تفتيش الدولة.

المصدر
1. عبد الغني العطري. عبقريات وأعلام (دار البشائر، دمشق 1996)، 132. محمد رضوان الأتاسي. هاشم الأتاسي: حياته وعصره (دمشق 2005)، 31-373. نفس المصدر، 384. يوسف الحكيم. سورية والعهد الفيصلي (دار النهار، بيروت 1966)، 1595. جورج فارس. من هم في العالم العربي (دمشق 1957)، 7-86. محمد رضوان الأتاسي. هاشم الأتاسي: حياته وعصره (دمشق 2005)، 1117. محمّد حرب فرزات. الحياة الحزبية في سورية (دار الرواد، دمشق 1955)، 103 8. فيليب خوري. سورية والإنتداب الفرنسي (باللغة الإنكليزية - جامعة برينستون 1987)، 335-3409. نفس المصدر، 34010. يوسف الحكيم. سورية والإنتداب الفرنسي (دار النهار، بيروت 1983)، 37011. محمد رضوان الأتاسي. هاشم الأتاسي: حياته وعصره (دمشق 2005)، 263-26412. يوسف الحكيم. سورية والإنتداب الفرنسي (دار النهار، بيروت 1983)، 330-33113. باتريك سيل. الصراع على سورية (باللغة الإنكليزية - لندن 1965)، 8014. نفس المصدر، 180

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!