أعلام وشخصياتسياسيون ورجال دولة

هاشم الأتاسي

أحد الآباء المؤسسين: رئيس المؤتمر السوري العام (1919-1920)، رئيس حكومة (1920، 1949)، رئيس جمهورية (1936-1939، 1949-1951، 1954-1955).

الرئيس هاشم الأتاسي
الرئيس هاشم الأتاسي

هاشم الأتاسي (11 كانون الثاني 1873 – 6 كانون الأول 1960)، رئيس جمهورية وزعيم الحركة الوطنية، يُعتبر أحد الآباء المؤسسين للدولة السورية الحديثة. لُقّب بأبى الدستور لدوره في صياغة دستور سورية الأول سنة 1920 ودستورها الثاني عام 1928.

تقلّد الأتاسي أرفع المناصب السياسية في حياته المديدة فكان رئيساً للمؤتمر السوري العام سنة 1919 ثمّ رئيساً للحكومة السورية من 3 أيار وحتى 26 تموز 1920. أسس هاشم الأتاسي تنظيم الكتلة الوطنية سنة 1927 وقاد مفاوضات الاستقلال الأولى في فرنسا عام 1936. وقد انتُخب رئيساً للجمهورية مرتين، كانت الأولى في زمن الانتداب (1936-1939) والثانية في عهد الاستقلال (1949-1951). تزعم المعارضة ضد حكم أديب الشيشكلي وعاد إلى الرئاسة بعد سقوط عهده في 1 آذار 1954. وقد بقي في منصبه حتى انتهاء ولايته الدستورية حتى 5 أيلول 1955.

البداية

ولِد هاشم الأتاسي في مدينة حمص وسط البلاد وهو سليل أُسرة كبيرة من العُلماء والسّياسيّين. كان جدّه الشّيخ محمّد الأتاسي مُفتياُ على حمص وكذلك والده الشّيخ خالد الأتاسي الذي انتُخب عضواً في مجلس المبعوثان العثماني في إسطنبول سنة 1877. دَرَس هاشم الأتاسي في مدارس حمص الحكومية وفي الكليّة الإسلامية ببيروت ثم أكمل تحصيله العلمي في المدرسة الملكية العُليا بإسطنبول، وعند تخرّجه عُيّن معاوناً لوالي بيروت سنة 1894.(1)

الوظائف الإدارية في العهد العثماني

من بيروت نُقل هاشم الأتاسي إلى قضاء المرقب (بانياس) وعُيّن فيه برتبة قائممقام لمدة عام. تسلّم بعدها منصب قائممقام قضاء صهيون (الحفة) حتى سنة 1902 حيث تم نقله إلى صفد أولاً ثمّ إلى صور وجبل عامل. وفي عام 1904 عُيّن قائممقام السلط ووكيل مُتصرّف الكرك حتى سنة 1907، عند تسلّمه قائممقامية قضاء جبلة في الساحل السوري.

وفي صيف العام 1908 وقع انقلاب عسكري في إسطنبول، أوصل جمعية الاتحاد والترقي إلى السلطة وأطاح بحكم السلطان عبد الحميد الثاني. تم تسريح عدد كبير من الموظفين العرب المحسوبين على العهد الحميدي ولكن هذا لم يشمل هاشم الأتاسي، نظراً لسمعته الحسنة كرجل إداري فذ وكونه مستقلاً لا يتعاطى السّياسة. وقد عينه الاتحاديون قائممقام قضاء عجلون ثم بعلبك الهرمل ثم يافا سنة 1912.

بعدها بعام رُفّع هاشم الأتاسي إلى رتبة مُتصرّف وعُيّن حاكماً على مدينتي حمص وحماة، ثم على مدينة عكا في فلسطين. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى سنة 1914 نُقل المُتصرف هاشم الأتاسي حاكماً على جنوب الأناضول ثم على مدينة بوردور في الأناضول الغربي. وقد ظلّ الأتاسي يعمل في هذا المنصب حتى نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1918.(2)

الأتاسي والملك فيصل الأول

لم يُشارك هاشم الأتاسي في الثورة العربية الكبرى ضد الدولة العثمانية ولكنه كان مُتعاطفاً مع مبادئها ومُقرباً من قائدها العام الشريف حسين بن علي ونجله الأمير فيصل بن الحسين.(3) عند انتصار تلك الثورة وسقوط الحكم العثماني في دمشق نهاية شهر أيلول من العام 1918، عاد هاشم الأتاسي إلى مسقط رأسه في حمص وبايع الأمير فيصل حاكماً عربيّاً على سورية. فقرر الأخير تعيينه مُتصرّفاً على مدينة  حمص من تشرين الأول 1918 وحتى آذار 1919.

هاشم الأتاسي رئيساً للمؤتمر السوري العام سنة 1919.
هاشم الأتاسي رئيساً للمؤتمر السوري العام سنة 1919.

رئيساً للمؤتمر السوري العام 1919-1920

أجريت انتخابات نيابية في المدن السورية المحررة كافة وانتُخب هاشم الأتاسي نائباً عن مدينته فيما سُمّي بالمؤتمر السوري العام، وهو أول برلمان مُنتخب في تاريخ سورية الحديث. وعند وفاة رئيس المؤتمر محمّد فوزي باشا العظم، انتُخب الأتاسي خلفاً له في 3 حزيران 1919.

وقد أشرف على افتتاح أعمال البرلمان في جلسة تاريخية عُقدت داخل بناء النادي العربي وسط مدينة دمشق.

كانت أولى مهام الرئيس الجديد استقبال لجنة كينغ كراين الأمريكية التي جاءت إلى سورية بطلب من الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون لمعرفة مدى تقبل السوريين لفكرة الانتداب الفرنسي، بحسب ما جاء في اتفاقية سايكس بيكو الموقعة في زمن الحرب بين الحكومتين الفرنسية والبريطانية.

ترأس الأتاسي المفاوضات مع اللجنة الأمريكية وأصدر بياناً باسم الشعب السوري رفض فيه الانتداب الفرنسي وطالب باحترام وحدة الأراضي السورية واستقلالها التام.

وفي 8 آذار 1920 قام المؤتمر السوري برئاسة هاشم الأتاسي بتتويج الأمير فيصل ملكاً على البلاد والإعلان عن رفض نظام الانتداب الفرنسي على سورية ووعد بلفور في فلسطين.(4) وقد انتُخب هاشم الأتاسي رئيساً للجنة صياغة الدستور السوري الأول، التي جددت مبايعة الشريف فيصل ملكاً وأقرّت بنظام حكم له ولأولاده من بعده في سورية. ولكن الدستور أصر على أن يكون فيصل الأول ملكاً دستورياً محدد الصلاحيات، يتوجب عليه العودة إلى مجلس النواب في اتخاذ أي قرار مصيري بخص البلاد، مثل السلم والحرب.

رئيساً للحكومة سنة 1920

رفضت الدول العظمى قرارات المؤتمر السوري واحتجت على تتويج الأمير فيصل ملكاً، مُعتبرة إن في ذلك خرقاً لاتفاقية سايكس بيكو. وعند تزايد الكلام عن قرب مواجهة عسكرية بين السوريين والجيش الفرنسي المرابط في الساحل، شكّل الملك فيصل حكومة مواجهة يوم 3 أيار 1920، ذهبت رئاستها إلى هاشم الأتاسي.(5) وقد شكل حكومة الأتاسي الأولى على الشكل التالي:

هاشم الاتاسي: رئيساً للوزراء

رضا الصلح: وزيراً للداخلية

يوسف العظمة: وزيراً للحربية

الدكتور عبد الرحمن الشهبندر: وزيراً للخارجية

فارس الخوري: وزيراً للمالية

ساطع الحصري: وزيراً للمعارف

جلال زهدي: وزيراً للعدلية

يوسف الحكيم: وزيراً للتجارة والأشغال والزراعة

وقد تولت هذه الحكومة قيادة البلاد خلال أسفار الملك فيصل المتكررة إلى مؤتمر الصلح في باريس، وكانت في المواجهة عشية صدور الإنذار الفرنسي يوم 14 تموز 1920، الذي طلب من حكومة الأتاسي الاعتراف بشرعية الانتداب الفرنسي وحلّ الجيش وجمع السلاح واعتقال المعارضين وتسليم فرنسا عدداً من المرافق الحيوية، منها سكة حديد سكة حديد الرياق – حلب.

رفض الأتاسي قبول الإنذار الفرنسي الذي حمل توقيع المندوب السامي هنري غورو، ولكن الملك فيصل كان له رأي مُختلف. فقد قبل به وأبرق إلى الجنرال غورو بالموافقة، ولكن الأخير اعتبر أن برقية الملك جاءت متأخرة، وأمر ببدء الزحف الفرنسي نحو مدينة دمشق لاحتلالها عسكرياً.

حصلت المواجهة في معركة ميسلون يوم 24 تموز 1920 التي هُزم فيها الجيش السوري، كما استشهد وزير الحربية يوسف العظمة. أما الملك فيصل فقد فرّ إلى قرية الكسوة في ريف دمشق، ثم غادر الأراضي السورية في 1 أب 1920، مُتجهاً إلى فلسطين أولاً ومن ثمّ إلى أوروبا للاحتجاج على خلعه عن عرش الشّام بهذه الطريقة المُذلّة.

كان الملك فيصل وقبل مغادرته سورية قد أمر بتشكيل حكومة جديدة برئاسة علاء الدين الدروبي، خلفاً لحكومة هاشم الأتاسي، على أمل أن تنجح بالتوصل إلى اتفاق مع الجنرال غورو يُعيده إلى عرشه في دمشق.

في زمن الثورة الوطنية

اعتزل هاشم الأتاسي العمل السياسي يوم احتلال دمشق وعاد إلى مدينة حمص. لم يشترك في الثورة السورية الكبرى التي أطلقها سلطان باشا الأطرش سنة 1925 ولكنه أيدها ودفع شقيقه خليل للمشاركة بها، مع عدد من رجال آل الأتاسي.  فأمرت سلطة الانتداب الفرنسي باعتقاله ونقله إلى سجن أرواد، وهي المرة الأولى والأخيرة الذي دخل فيها هاشم الأتاسي السجن.(6)

هاشم الأتاسي رئيساً للكتلة الوطنية.
هاشم الأتاسي رئيساً للكتلة الوطنية.

تأسيس الكتلة الوطنية

بعد قمع الثورة السورية الكبرى واعتقال أو نفي معظم قادتها، قرر هاشم الأتاسي الظهور مجدداً عبر تنظيم سياسي جديد يهدف إلى لمّ الشمل وتوحيد الكلمة في وجه الفرنسيين. وفي 23 تشرين الأول 1927 عقد الأتاسي اجتماعاً في بيروت مع عدد من الوطنيين الكبار، أعلنوا فيه عن ولادة الكتلة الوطنية لمحاربة الانتداب الفرنسي.

وقد ضمّت الكتلة الوطنية زعيم ثورة الشمال إبراهيم هنانو ممثلاً عن مدينة حلب ونجيب آغا البرازي ممثلاً عن حماة،  والمحامي إحسان الشريف ممثلاً عن دمشق ومعه الصحفي الفلسطيني يوسف العيسى، صاحب جريدة ألف باء.

وفي اجتماع كبير للهيئة العامة عقد في منزل الأتاسي في حمص يومي 3-4 شهر تشرين الثاني 1932 تم إقرار دستور الكتلة الوطنية وانتخاب هاشم الأتاسي رئيساً مدى الحياة. وقد شُكّل مجلس دائم للكتلة مؤلف من إبراهيم هنانو زعيماً وفارس الخوري عميداً، وانتُخب سعد الله الجابري نائباً للرئيس الأتاسي وتم توسيع عضوية الكتلة الوطنية لتشمل كلً من شكري القوتلي ولطفي الحفار وفخري البارودي. وقد انتُخب القوتلي وجميل مردم بك والدكتور عبد الرحمن الكيالي لعضوية مجلس الكتلة الدائم، وكان مقرهم في منزل عربي في حيّ القنوات، قُدّم مجاناً للرئيس الأتاسي من قبل التاجر الدمشقي أمين دياب.

وقد أصدر المؤتمرون بياناً موقعاً باسم الأتاسي، تضمن عدداً من المطالب الموجهة إلى حكومة باريس، منها رفع الأحكام العرفية واحترام حرية الصحافة وإصدار عفو عام عن كل المعتقلين والمنفيين لأسباب سياسية.(7) كان هدف الكتلة الوطنية مواجهة الفرنسيين سياسياً وليس عسكرياً، في اعتراف ضمني على فشل المقاومة المسلّحة التي رافقت ثورة سنة 1925. وكان لهاشم الأتاسي رأي تبناه الجميع بالأكثرية، عن ضرورة محاربة الفرنسيين عبر المؤسسات الديمقراطية ذاتها كانوا قد أدخلوها إلى الحياة السياسية في سورية منذ بدأ الانتداب سنة 1920. قرروا المشاركة في جميع الانتخابات المُقبلة للوصول إلى سدة الحكم بشكل ديمقراطي وقانوني، بما عُرف بسياسة “التعاون المُشرف” مع سلطة الانتداب الفرنسي.

دستور عام 1928

وفي نيسان 1928، أعلنت فرنسا عن إجراء انتخابات أول مجلس تأسيسي في سورية، يتولّى صياغة دستور جمهوري للبلاد بدلاً من الدستور الملكي الذي وضعه الأتاسي سنة 1920. خاضت الكتلة الوطنية تلك الانتخابات وفازت بغالبية مقاعد المؤتمر التأسيسي، فأصبح هاشم الأتاسي رئيساً له، يعاونه اثنان من أعضاء الكتلة وهما الحقوقيين فوزي الغزي وفائز الخوري.(8)

أنجز الأتاسي ورفاقه دستور سورية الجديد في فترة قياسية لم تتجاوز الأسبوعين، ووضعوا دستوراً عصرياً مُستلهماً من الدساتير الأوروبية. ولكن هذا الدستور لم يُعجب السلطات الفرنسية بسبب خلوّه الكامل من أي إشارة إلى نظام الانتداب. كما أنه أعطى، بموجب المادة 74، رئيس الجمهورية السوري المنتخب بدلاً من المندوب السامي الفرنسي حق إعلان الحرب والسلم وتوقيع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية. وجاء في المادة 110 من الدستور حق إنشاء جيش وطني في سورية بدلاً من الجيش الذي تم سحقه ثم حلّه إبان معركة ميسلون، مما لم يُعجب الفرنسيين أيضاً.

وأخيراً احتجت فرنسا على المادة الثانية من الدستور التي لم تعترف بحدود اتفاقية سايكس بيكو ونصّت على اعتبار سورية الطبيعية المساحة القانونية للدولة السورية الوليدة. وفي 11 أب 1928 تم التصويت على مسودة الدستور داخل المؤتمر التأسيسي وتبنيه بالإجماع. ولكن الفرنسيين أضافوا مادة حَمَلت الرقم 116، فيها ذكر صريح لنظام الانتداب، ولكن الأتاسي رفضها بشدة كما رفضها جميع أعضاء الكتلة الوطنية. جاء الرد الفرنسي بتعطيل أعمال المؤتمر التأسيسي مدة ثلاثة أشهر، وفي 5 شباط 1929، أُعلن عن حلّه كلياً وتعطيل الدستور إلى أجل غير مسمّى.(9)

انتخابات الرئاسة عام 1932

في سنة 1932 أعلنت فرنسا عن إجراء انتخابات نيابية في سورية، تليها انتخابات رئاسية. خاضت الكتلة المعركة الانتخابية مجدداً، ولكنها خسرت جميع مقاعد الشمال السوري التي ذهبت لصالح نائب أنطاكية وريس الدولة السابق صبحي بركات، المحسوب على الفرنسيين. فاز الأتاسي بمقعده عن حمص كالمعتاد ووصل عدد نواب كتلته النيابية إلى 14. وعند عقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، ترشح الأتاسي ضد صبحي بركات وكل من نائب دمشق المستقل محمّد علي العابد وحاكم دولة دمشق الأسبق حقي العظم وكل من رئيس الحكومة السابق رضا الركابي والحالي تاج الدين الحسني. ولكنه وبسبب ضعف تمثيل الكتلة الوطنية في الشمال، قرر الأتاسي الانسحاب وإعطاء أصواته لمحمد علي العابد، المرشح الاحتياط للحركة الوطنية وذلك لقطع الطريق على المرشحين الآخرين المحسوبين على فرنسا، فتم انتِخاب العابد رئيساً للجمهورية يوم 11 حزيران 1932.

الإضراب الستيني سنة 1936

في تشرين الثاني 1935 توفي إبراهيم هنانو وخرج زعماء الكتلة الوطنية في جنازته، يتقدمهم هاشم الأتاسي، رافعين شعارات منددة بفرنسا. وقد حدثت صدامات دامية بينهم وبين عناصر جيش الشرق الفرنسي، أدت إلى اعتقال عدد كبير من أنصار الأتاسي في حلب وحمص وحماة. تكررت المواجهات ثم تحوّلت إلى إضراب عام، أعلنت عنه  الكتلة الوطنية بعد اعتقال فخري البارودي في دمشق يوم 26 كانون الثاني 1936. بدأ الإضراب في دمشق وحلب وامتد حتى دير الزور والبوكمال ثم إلى صيدا وطرابلس الشّام، وقد دام ستين يوماً توّج خلالها هاشم الأتاسي زعيماً على الشارع السوري بكل شرائحه وأطيافه. وقد رفع شعار شعبي يومها: “الدين لله والطاعة للكتلة الوطنية.”

أُخبرت فرنسا على الدخول بمفاوضات مباشرة مع الأتاسي، تمّت في مقر المفوضية الفرنسية العليا في بيروت بحضور رئيس الحكومة السورية عطا الأيوبي. وقد اتفق الطرفان على أن يقوم الأتاسي بوقف الإضراب، وفي المقابل يتم الإفراج عن كل المعتقلين السياسيين ودعوة وفد من الكتلة الوطنية إلى باريس للتفاوض على مستقبل سورية السياسي، وأن تعترف فرنسا بالكتلة الوطنية ممثلاً شرعياً عن الشعب السوري.

نَزَلَ هاشم الأتاسي إلى سوق الحميدية بدمشق حيث وضع شريطاً أخضراً على مدخله، وقام بقصه مُعلناً إنهاء الإضراب الستيني. وفي 3 آذار 1936 توجه الأتاسي إلى باريس على رأس وفد من قادة الكتلة الوطنية مؤلف من فارس الخوري وسعد الله الجابري وحميل مردم بك ورياض الصلح. وخلال أشهر غيابه قام بتعيين زميله شكري القوتلي رئيساً بالوكالة للكتلة الوطنية.

توقيع معاهدة عام 1936.
توقيع معاهدة عام 1936.

معاهدة عام 1936

مكث وفد الكتلة الوطنية في فرنسا مدة ستة أشهر قام خلالها أعضاؤه بمفاوضة رئيس الحكومة الفرنسية ليون بلوم. حاول الأتاسي إدراج بند يؤدي إلى استعادة الأقضية الأربعة التي سُلخت عن سورية (حاصبيا وراشيا وبعلبك والبقاع) وضمّت إلى لبنان ولكن الفرنسيين أصروا على أن تكون المفاوضات حول مستقبل سورية فقط وأن لا تشمل لبنان.

وقد أدت هذه المفاوضات إلى توقيع معاهدة بين الأتاسي والحكومة الفرنسية، تؤدي إلى استقلال سورية التدريجي على مدى خمسة وعشرين سنة. كما نص الاتفاق على إعادة ضم جبلي العلويين والدروز إلى الوطن الأم، اللذين كانت فرنسا قد أعطتهم نظام حكم ذاتي منذ عام 1920، ونصّت المعاهدة على السماح لسورية بإنشاء جيش وطني، شرط أن يتم تسليحه وتدريبه من قبل الفرنسيين. وفي المقابل وافق الأتاسي على إعطاء فرنسا عدداً من الامتيازات العسكرية في سورية، منها الانتفاع من الجو والبحر والأرض في حال نشوب أي حرب جديدة في أوروبا.

عاد وفد الكتلة الوطنية إلى دمشق رافعاً شعار النصر يوم 29 أيلول 1936 واستُقبل أعضاؤه استقبال الفاتحين الأبطال. أُجريت انتخابات نيابية جديدة في 14-30 تشرين الثاني 1936، فازت فيها قادة الكتلة الوطنية بغالبية مقاعد المجلس النيابي. استقال رئيس الجمهورية محمّد علي العابد من منصبه ليتم انتخاب هاشم الأتاسي خلفاً له يوم 21 كانون الأول 1936، بغالبية 74 من أصل 82 صوتاً من أصوات النواب.

هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية سنة 1936.
هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية سنة 1936.

الرئاسة الأولى 1936-1939

كلّف هاشم الأتاسي زميله في الكتلة جميل مردم بك برئاسة الحكومة الأولى في عهده، وانتُخب صديقه فارس الخوري رئيساً لمجلس النواب.  ولأول مرة منذ احتلال سورية سنة 1920 سُمح للسوريين بأن يكون لهم وزارة للخارجية، والتي تولّاها سعد الله الجابري، ووزارة للدفاع، تسلمها شكري القوتلي. وكان أول عمل قامت به الحكومة الجديدة هو التصديق على معاهدة عام 1936 قبل أن يتم إرسالها إلى مجلس النواب حيث تم الموافقة عليها بالإجماع.(10)

تعرض عهد الرئيس الأتاسي إلى تحديات عدة، كان أولها عودة زعيم المعارضة عبد الرحمن الشهبندر من منفاه في مصر وشنّه هجوماً عنيفاً على معاهدة عام 1936، مُعتبراً أنها أعطت فرنسا الكثير ولم تأخذ بالمقابل استقلالاً تاماً وغير مشروطاً. كان الشهبندر صديقاً قديماً للأتاسي وقد عُيّن وزيراً للخارجية في حكومته الأولى أيام العهد الفيصلي، ولذلك فقد تجنب الدخول في مواجهة معه وصوّب سهامه باتجاه رئيس الحكومة جميل مردم بك. رد الأخير بوضع الشهبندر قيد الإقامة الجبرية ومنعه من ممارسة أي عمل سياسي، كما أمر باعتقال عدد كبير من أنصاره، مما أضر كثيراً بالعهد الوطني وأزعج الرئيس الأتاسي. ومن جهة أخرى تعرض عهد الأتاسي إلى تحديات أمنية في منطقة الجزيرة، أدت الى اختطاف المحافظ توفيق شامية.

تحسباً لأي حرب جديدة في أوروبا رفض البرلمان الفرنسي التصديق على معاهدة عام 1936، مما وضع الكتلة الوطنية ورئيسها في موقف حرج أمام الشارع السوري. وقد أُجبر الأتاسي على إرسال مردم بك إلى فرنسا للتفاوض على مجموعة من الملاحق للمعاهدة، مثل ضمان مكانة اللغة الفرنسية في المدارس السورية وإعطاء فرنسا حق التنقيب عن النفط في المنطقة الشرقية. ولكنه طلب من مردم بك ألّا يوقع على أي ملحق قبل مناقشة النص مع السلطة التشريعية ولكن رئيس الحكومة قام بالتوقيع، متجاهلاً كلام رئيس الجمهورية.

مع ذلك أصر الفرنسيون على موقفهم، مما أدى إلى استقالة حكومة جميل مردم بك في شباط 1939. شُكّلت بعدها حكومتان، الأولى برئاسة لطفي الحفار، عضو المكتب الدائم للكتلة الوطنية، والثانية برئاسة السياسي المستقل نصوحي البخاري، المحسوب على رئيس الجمهورية. ولكن كلاهما فشل في تمرير المعاهدة وفي منع سلخ منطقة لواء إسكندرون عن سورية، التي تم إعطاؤها إلى تركيا من قبل حكومة باريس لضمان حيادها في الحرب العالمية المُقبلة.

وبناء على كل هذه المعطيات، واحتجاجاً على رفض التصديق على المعاهدة وعلى سلخ لواء إسكندرون، قدم هاشم الأتاسي استقالته من رئاسة الجمهورية يوم 7 تموز 1939، منهياً بذلك العهد الوطني الأول في سورية. بعدها بيوم واحد تم حلّ المجلس النيابي وتولى المفوض السامي الفرنسي بنفسه السلطتين التنفيذية والتشريعية.

قمة الأتاسي – ديغول سنة 1941

بعد استقالة الأتاسي بشهرين اندلعت نيران الحرب العالمية الثانية في أوروبا وأدت إلى احتلال فرنسا من قبل الجيش الألماني. نظّمت مقاومة رسمية ضد الاحتلال النازي، برئاسة الجنرال شارل ديغول قائد قوات فرنسا الحرة، وبعد نجاحه في إسقاط الحكم الفرنسي الموالي لهتلر في سورية، جاء ديغول إلى دمشق وتوجه إلى بلدة شتورا اللبنانية حيث كان الأتاسي يقضي إجازته الصيفية في تموز 1941.

اجتمع ديغول مع الأتاسي وعرض عليه العودة إلى رئاسة الجمهورية فسأله هاشم الأتاسي: “ما هي السلطة التي ستتمتع بها الجمهورية السورية العتيدة؟”

أجابه ديغول: “هناك ضرورات حرب ويمكن أن تكون بنود معاهدة 1936 مبدئياً هي الأسس التي تحدد بموجبها العلاقات بين الجمهورية السورية والسلطات الفرنسية.”

قال له الرئيس الأتاسي: “لقد مرت سنوات على تلك المعاهدة وتغيّرت الظروف ونحن نطالب اليوم بما هو أوسع من ذلك.”

ثم أبلغه الأتاسي عن عدم رغبته بالعودة إلى الحكم، مُشيراً إلى أن تجربته السابقة مع الفرنسيين لم تكن مشجعة بسبب تخليهم عن المعاهدة ونراجعهم عن كافة الوعود التي كانوا قد قطعوها على أنفسهم خلال مفاوضات باريس سنة 1936.(11)

الرئيس الأسبق هاشم الأتاسي مع رئيس الجمهورية شكري القوتلي سنة 1946.
الرئيس الأسبق هاشم الأتاسي مع رئيس الجمهورية شكري القوتلي سنة 1946.

الأتاسي في عهد القوتلي الأول

غاب هاشم الأتاسي عن المشهد السياسي من بعدها باستثناء مباركته ترشح زميلة في الكتلة الوطنية شكري القوتلي إلى رئاسة الجمهورية في صيف العام 1943.(12) وقد دُعي الأتاسي إلى القصر الجمهوري لمشاركة القوتلي في احتفالات عيد الجلاء الأول يوم 17 نيسان 1946.

ولكنه رفض المشاركة في الحزب الوطني الذي أنشئ على أنقاض الكتلة الوطنية بعد الجلاء سنة 1946.

وقال إن الكتلة كانت تجمعاً وطنياً في وجه الاستعمار، ليس لها أي هدف إلّا تحرير البلاد وصون وحدة أراضيها. أمّا الحزب الوطني فله غاية سياسية أخرى وهي الوصول إلى الحكم. وكان هاشم الأتاسي يعتبر نفسه زعيماً وطنياً وممثلاً لكل السوريين، تعلو مكانته الرفيعة جميع الاعتبارات السياسية والحزبية.

تكليفة برئاسة الحكومة خلال حرب فلسطين

وخلال حرب فلسطين سنة 1948، خرج الأتاسي من عُزلته نزولاً عند رغبة الرئيس القوتلي وقبل تكليفه برئاسة الحكومة في محاولة لإنقاذ البلاد من أزمة وزارية كبيرة. وكان ذلك بعد تسع سنوات من خروجه من القصر الجمهوري، ليكون الرئيس السوري الوحيد الذي قبل أن يكون رئيساً للحكومة بعد أن كان رئيساً للجمهورية. جاء الأتاسي إلى دمشق لإجراء مشاورات مع الأحزاب والكتل النيابية ولكنه سرعان ما اعتذر عن التكليف نظراً لشدة التحزب والغليان، فعاد إلى حمص وذهبت رئاسة الحكومة إلى خالد العظم.(13)

انقلاب سامي الحناوي: 14 آب 1949

عصفت بسورية من بعدها مرحلة حكم عسكري بدأت مع انقلاب حسني الزعيم على شكري القوتلي في 29 آذار 1949 تلاه انقلاب سامي الحناوي على حسني الزعيم في 14 آب 1949. بعد نجاح الانقلاب الثاني ومقتل حسني الزعيم، أعلن اللواء الحناوي أنه لا يريد تولّي رئاسة الجمهورية وأنه سيعيد الجيش إلى ثكناته ويفسح المجال أمام عودة الحياة المدنية البرلمانية التي كان الزعيم قد عطلها مع انقلابه.

دعا الحناوي إلى اجتماع كبير في مبنى الأركان العامة، حضره قادة الأحزاب السياسية، تقرر فيه الطلب من هاشم الأتاسي العودة إلى سدّة الحكم بصفته قائداً تاريخياً أجمع عليه الشعب السوري لقيادة المرحلة الجديدة وترسيخ الأسس الدستورية في سورية. رفض الأتاسي هذا  الطلب مُعتبراً أن الرئيس شكري القوتلي يبقى هو الرئيس الشرعي للبلاد، بموجب الانتخابات النيابية التي أُجريت سنة 1947. ورأى أن يعود القوتلي إلى الحكم ويدعوا إلى انتخابات نيابية جديدة تليها انتخابات رئاسية، ولكن معظم السياسيين رفضوا هذا المقترح وأصروا على طلبهم من الأتاسي تولّى الحكم.

نزولاً عند رغبة الأكثرية وإنقاذاً للموقف قَبل الأتاسي وشكّل حكومته يوم 15 آب 1949. فور تسلّمه الحكم أصدر الرئيس الأتاسي عفواً عن جميع المعتقلين السياسيين في عهد حسني الزعيم وأمر بعودة الضبّاط المُسرحين إلى الخدمة، وكان من رأسهم العقيد أديب الشيشكلي. وقد عينه الأتاسي آمراً للواء الأول الذي كان يقوده سامي الحناوي، والذي قبل بمنصب رئيساً للأركان العامة في عهد الأتاسي الجديد. وكانت حكومة الأتاسي الثانية قد شُكّلت على الشكل التالي:

هاشم الأتاسي: رئيساً للوزراء

الدكتور ناظم القدسي (حزب الشعب): وزيراً للخارجية

رشدي الكيخيا (حزب الشعب): وزيراً للداخلية

فيضي الأتاسي (حزب الشعب): وزيراً للاقتصاد

الدكتور سامي كبارة (حزب الشعب): وزيراً للعدلية والصحة

فتح الله أسيون (حزب الشعب): وزيراً للدولة

أكرم الحوراني (الحزب العربي الاشتراكي): وزيراً للزراعة

ميشيل عفلق (حزب البعث): وزيراً للمعارف

اللواء عبد الله عطفة (مستقل): وزيراً للدفاع

خالد العظم (مستقل): وزيراً للمالية

مجد الدين الجابري (الحزب الوطني): وزيراً للأشغال العامة والمواصلات

عادل العظمة (الحزب الوطني): وزيراً للدولة

 

الرئيس الأتاسي في مجلس النواب سنة 1949.
الرئيس الأتاسي في مجلس النواب سنة 1949.

العلاقة مع حزب الشعب

كانت حكومة الأتاسي هي أول حكومة سورية تضم كافة الأحزاب السياسية التي ظهرت في مرحلة الاستقلال، وقد عُيّن فيها ميشيل عفلق وزيراً للمعارف، مُمثلاً عن حزب البعث، وأكرم الحوراني وزيراً للدفاع، ممثلاً عن الحزب العربي الاشتراكي. ولعل المُستفيد الأكبر من الحكم الجديد كان حزب الشعب الذي ولِد قبل أشهر قليلة من الانقلاب الأول وكان مُعارضاً للرئيس القوتلي.

أحد مؤسسيه كان الدكتور عدنان الأتاسي، ابن الرئيس الأتاسي، الذي نادى بإقامة وحدة عربية وطالب بتحقيق اتحاد بين سورية والعراق، تحت عرش الأسرة الهاشمية الحاكمة في بغداد والممثلة بالملك فيصل الثاني، حفيد الملك فيصل الأول. وقد تشارك الأتاسي وابنه في هذا المطلب مع قادة حزب الشعب ورئيس الأركان سامي الحناوي، المحسوب على العراق.

وكان الأتاسي قد عيّن مؤسس الحزب رشدي الكيخيا وزيراً للداخلية وزميله ناظم القدسي وزيراً للخارجية، مما سهل الدخول في مفاوضات مباشرة مع العراق لتحقيق هذا الهدف. وفي 11 كانون الأول انتُخب الكيخيا رئيساً للمؤتمر التأسيسي المكلّف بصياغة دستور جديد بدلاً من دستور عام 1928 الذي كان حسني الزعيم قد عطّله قبل أشهر. حصد حزب الشعب غالبية مقاعد المؤتمر التأسيسي وتقرر أن يتحوّل هذا المؤتمر إلى مجلس نواب بصلاحيات تشريعية كاملة عند إتمامه مهام صياغة الدستور الجديد.

وفي 14 كانون الأول 1949 انتخب أعضاء المؤتمر هاشم الأتاسي رئيساً للدولة بالإجماع وطلب الأخير من ناظم القدسي تشكيل أول حكومة في عهده تتولى مهمة المفاوضات مع الحكومة العراقية لتحقيق الوحدة بين البلدين.

انقلاب الشيشكلي الأول (كانون الأول 1949)

لم يرقِ هذا المشروع الوحدوي إلى طموحات العقيد أديب الشيشكلي، الذي رأى فيه تحدّياً شخصياً له ولمشروعه السياسي وتعدّياً على نظام سورية الجمهوري. وفي 19 كانون الأول 1949 قام الشيشكلي بانقلاب جديد، هو الثالث في عام واحد، ليس على الرئيس الأتاسي بل داخل المؤسسة العسكرية السورية.

أطاح باللواء سامي الحناوي لبتر التيّار الوحدوي داخل الجيش وحرمان ثنائي الحكم (هاشم الأتاسي وحزب الشعب) من أي دعم عسكري كان يوفره لهم اللواء الحناوي. عزل الحناوي عن منصبه وأرسل إلى سجن المزة العسكري مخفوراً بأمر من الشيشكلي. وقد اشترطت الشيشكلي عليهم أن يعيّنوا أحد أعوانه، وهو اللواء فوزي سلو وزيراً للدفاع في جميع الحكومات المُقبلة، لضمان عدم طرح موضوع الوحدة مع العراق مجدداً داخل جلسات الحكومة.

قبل الأتاسي بهذا الشرط، ولو على مضض، وحاول التعايش مع أديب الشيشكلي الذي فرض اللواء أنور بنود رئيساً للأركان بدلاً من سامي الحناوي وقبل لنفسه أن يكون نائباً له، ليُدير شؤون الجيش عن طريق اللواء فوزي سلو.

انقلاب الشيشكلي الثاني (تشرين الثاني 1951)

التزم الرئيس الأتاسي بشرط الشيشكلي وقبل تسمية فوزي سلو وزيراً في جميع الحكومات المتعاقبة من كانون الأول 1949 حتى تشرين الثاني 1951. عندها كُلّف معروف الدواليبي، وهو أحد قادة حزب الشعب، بتشكيل حكومة جديدة ولكنه رفض إعطاء حقيبة الدفاع إلى اللواء سلو، متحدياً بذلك أديب الشيشكلي.

وجه الأخير إنذاراً شديد اللهجة إلى معروف الدواليبي، وعندما لم يستجب قام الشيشكلي بانقلاب جديد صباح 29 تشرين الثاني 1951. تم اعتقال معروف الدواليبي مع أفراد حكومته وأُجبر رئيس الوزراء على تقديم استقالته إلى رئيس الجمهورية. غضب الأتاسي من هذا التطاول الصريح على حكمه ولكن لم يكن بوسعه إلا الاستقالة من منصبه، غضباً واحتجاجاً على تجاوزرات الشيشكلي . وفي 2 كانون الأول 1951، رفع كتاب استقالة رئيس الجمهورية إلى مجلس النواب وغادر هاشم الأتاسي دمشق متوجهاً إلى حمص.

وعلى الفور، أصدر أديب الشيشكلي قراراً بتسمية فوزي سلو رئيساً للدولة خلفاً لهاشم الأتاسي، مع صلاحيات السلطة التنفيذية. وظلّ الشيشكلي يحكم البلاد من خلال فوزي سلو حتى صيف العام 1953، عندما طلب منه التنحي عن الحكم بعد إجراء انتخابات رئاسية لم يترشح فيها أحد سواه، ليفوز الشيشكلي برئاسة الجمهورية في 11 تموز 1953.

هاشم الأتاسي رئيساً لمؤتمر حمص في عهد الشيشكلي.
هاشم الأتاسي رئيساً لمؤتمر حمص في عهد الشيشكلي.

مؤتمر حمص 

عَمل هاشم الأتاسي من مدينة حمص على معارضة حكم الشيشكلي بكافة الطرق الديمقراطية والدستورية.

فقد عُقدَ مؤتمراً سياسياً في داره يوم 20 حزيران 1953 حضره قادة جميع الأحزاب المعارضة للحكم، قُرر خلاله مقاطعة انتخابات الشيشكلي وعدم الاعتراف بدستوره ولا بشرعية ولايته الرئاسية.

نظراً لتقدمه بالسن ومكانته الرفيعة في المجتمع السوري، لم يستطع أديب الشيشكلي اعتقال هاشم الأتاسي ولكنه أمر باعتقال نجله عدنان مع جميع رفاقه في حزب الشعب.

الرئاسة الأخيرة 1954-1955

لم يُغير هذا الاعتقال من قناعات هاشم الأتاسي وموقفه الصارم من نظام الحكم العسكري، فقد أيّد الثورة العسكرية التي انطلقت ضد أديب الشيشكلي وأطاحت به نهاية شهر شباط من العام 1954. عاد فوراً  إلى دمشق في 1 آذار 1954 لإكمال ما تبقى من ولايته الدستورية، مُعتبراً أن نظام الشيشكلي لم يمر على سورية. وأمر باستعادة البرلمان القديم والمُنتخب سنة 1949 ومعه دستور عام 1950، كما ألغى معظم القرارات التي صدرت في العهد البائد وحملت توقيع أديب الشيشكلي.

مقتل العقيد عدنان المالكي

افتتح الرئيس الأتاسي معرض دمشق الدولي في أيلول 1954 مبشراً بمرحلة انفتاح اقتصادي واستثمارات عربية وأجنبية، ولكن بعدها بأشهر قليلة حصلت جريمة كبرى في دمشق، عكرت صفاء ولاية هاشم الأتاسي الأخيرة، عند اغتيال معاون رئيس الأركان الجيش ورئيس الشعبة الثالثة العقيد عدنان المالكي في 22 نيسان 1955.

وكان لهذا الحدث الجلل تأثير كبير على مجرى الحياة السياسية في سورية، فقد أدى إلى حظر الحزب السوري القومي الاجتماعي المتهم بتنفيذ الجريمة واعتقال جميع قادته وأعضائه. وقد أعطت هذه الجريمة ذريعة لضباط الجيش للتدخل مجدداً في الشؤون السّياسيّة، بحجة ثأر الدم للشهيد عدنان المالكي.

ومن أبرز نتائج تلك الجريمة كان تعيين العقيد عبد الحميد السراج مديراً للمكتب الثاني (شعبة المخابرات العسكرية) للإشراف على التحقيقات مع قادة الحزب السوري القومي الاجتماعي، ليُصبح من يومها رجل سورية الأقوى ويفرض حُكماً بوليسياً على البلاد، لا يختلف كثيراً من حيث الجوهر عن نظام حسني الزعيم أو نظام أديب الشيشكلي.

الخلاف مع جمال عبد الناصر

ترافق عهد الأتاسي الأخير مع صعود نجم الرئيس جمال عبد الناصر في مصر والذي لم يكن على علاقة طيبة مع نظيره السوري. بداية الخلاف كانت في إعطاء الرئيس الأتاسي حق اللجوء السياسي لعناصر من حركة الإخوان المسلمين في مصر، المُلاحقين أمنيّاً من قبل المخابرات المصرية، مما أدى إلى سحب السفير المصري من دمشق في تشرين الثاني 1954.(14)

ثم تفاقم الخلاف حول مشروع حلف بغداد، الذي أراد عبد الناصر إجهاضه عبر الدولة السورية، ولكن الرئيس الأتاسي لم يكن معارضاً له ولا رغبة لديه بالدخول في مواجهة مع الغرب أو مع العراق.

وفي كانون الثاني 1955 دُعيت سورية للمشاركة في مؤتمر رؤساء الحكومات العربية المُنعقد في القاهرة برعاية وحضور الرئيس عبد الناصر. قبِل الأتاسي الدعوة وأرسل صديقه القديم فارس الخوري للمشاركة، بعد تعيينه رئيساً للحكومة السورية. رفض الرئيس الخوري، بالتنسيق مع الأتاسي، التهجم على العراق وإدانة رئيس حكومته نوري السعيد كما رفض وصف حلف بغداد بالمشروع الاستعماري والصهيوني.

كان الأتاسي ينظر إلى عبد الناصر ورفاقه من الضباط الأحرار على أنهم مراهقين في السياسة، لا خبرة لهم ولا حكمة، وقد رفض أن تكون لهم اليد العُليا في رسم سياسات الشرق الأوسط وفرض إرادتهم على الدولة السورية.

انتخابات عام 1954

ومع قرب نهاية ولايته طلب الرئيس الأتاسي من السّياسي المستقل سعيد الغزي تشكيل حكومة وطنية للإشراف على الانتخابات البرلمانية والرئاسية المُقبلة. وتُعتبر هذه الانتخابات هي الأكثر نزاهة وشفافية في تاريخ سورية الحديث نظراً للكفاءة العالية التي كان يتمتع بها سعيد الغزي ووزير داخليته إسماعيل قولي الذي أصر على عدم تدخل الجيش أو طبقة الملاكين القدامى في العملية الانتخابية.

وقد صبّ ذلك الحياد في مصلحة حزب البعث، الذي فاز بسبعة عشر مقعداً في تلك الانتخابات، وهي أعلى نسبة له منذ تأسيسه سنة 1947، مما خوله لتسلّم وزارة الخارجية ومن ثمّ رئاسة مجلس النواب.

انتقال الحكم بين هاشم الأتاسي وشكري القوتلي سنة 1955.
انتقال الحكم بين هاشم الأتاسي وشكري القوتلي سنة 1955.

انتخابات رئاسة الجمهورية

اجتمع المجلس النيابي الجديد لاختيار رئيس جمهورية، وكانت المنافسة بين رئيس الجمهورية الأسبق شكري القوتلي ورئيس الحكومة الأسبق خالد العظم. وقف هاشم الأتاسي على الحياد وفاز شكري القوتلي في هذه الانتخابات ليتم انتخابه رئيساً للجمهورية يوم انتهاء ولاية الأتاسي في 5 أيلول 1955.

كانت هذه هي المرة الأولى والأخيرة التي يتم فيها تداول السلطة في سورية بهذا شكل السلمي والدستوري، حيث يتم انتقال الحكم من رئيس مُنتخب إلى رئيس مُنتخب دون وفاة أحدهما أو استقالته أو الإطاحة به عسكرياً.

سنوات التقاعد

سلّم هاشم الأتاسي مقاليد الحكم إلى رفيق دربه شكري القوتلي وتوجه إلى حمص مُجدداً لقضاء سنواته الأخيرة، مُعتزلاً الشأن العام. وفي سنوات التقاعد تعرض الأتاسي لصدمة كبيرة عند اعتقال نجله عدنان سنة 1956، بتهمة التخطيط لانقلاب عسكري مموّل من العراق لقلب نظام الحكم في سورية. اتُهم عدنان الأتاسي بمحاولة إقصاء جميع الشخصيات السّياسيّة والعسكرية الموالية لعبد الناصر في سورية، ومنها رئيس البرلمان أكرم الحوراني ومدير المكتب الثاني عبد الحميد السراج.

وقد تمّت محاكمته علناً على مُدرج جامعة دمشق، ولكن هاشم الأتاسي رفض حضور تلك الجلسات أو التوسط لدى الرئيس القوتلي لإطلاق سراح نجله. وقد بقي عدنان الأتاسي سجيناً حتى 1960، إلى أن تم نقله إلى مصر ووضعه قيد الإقامة الجبرية في الإسكندرية، وكان ذلك خلال سنوات الوحدة السورية المصرية.

الرئيس الأتاسي مع الرئيس جمال عبد الناصر سنة 1958.
الرئيس الأتاسي مع الرئيس جمال عبد الناصر سنة 1958.

كان يوم إعلان الوحدة مع ومصر في شباط 1958 هو آخر ظهور علني للرئيس هاشم الأتاسي الذي توجه إلى قصر الضيافة بدمشق لتهنئة الرئيس عبد الناصر، بالرغم من قلّة الود بينهما وضلوع الأخير في اعتقال عدنان الأتاسي.

جنازة الرئيس هاشم الأتاسي في 6 كانون الأول 1960.
جنازة الرئيس هاشم الأتاسي في 6 كانون الأول 1960.

الوفاة

توفي الرئيس هاشم الأتاسي في حمص عن عمر ناهز 87 عاماً صباح يوم 6 كانون الأول 1960. وقد رُتبت له جنازة رسميّة حُمل فيها نعشه المجلل بالعلم السوري على عربة مدفع، حضرها عبد الحميد السراج بصفته وزيراً للداخلية في الجمهورية العربية المتحدة، ممثلاً عن الرئيس جمال عبد الناصر، ومعه المهندس نور الدين كحالة، رئيس المجلس التنفيذي.

أُعلن الحداد العام في أراضي الجمهورية العربية المتحدة كافة وتم إطلاق اسم الرئيس هاشم الأتاسي على شارع رئيسي ومدرسة في كل مدينة سورية، منها مسقط رأسه في حمص ومركز حُكمه في دمشق.

وفي سنة 2005 صدر كتاب بعنوان هاشم الأتاسي: حياته وعصره، وضعه المهندس محمّد رضوان الأتاسي، أحد أحفاد هاشم الأتاسي.

أولاد هاشم الأتاسي

أشهر أبناء هاشم الأتاسي كان الدكتور عدنان الأتاسي وذلك بسبب عمله في السياسة وتوليه عدداً من المناصب الحكومية في الأربعينيات والخمسينيات. أما ابنه البكر سرّي الأتاسي (1895-1937) فقد كان أميناً عاماً لمجلس النواب خلال رئاسة أبيه الأولى وقد توفي عندما كان هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية. وقد عمل ابنه الثالث ناظم الأتاسي (1897-1964) في الزراعة وكان الأصغر رياض الأتاسي (1910-1996) موظفاً رفيعاً في سورية وقد صل إلى منصب رئيس مكتب تفتيش الدولة.

المصدر
1. عبد الغني العطري. عبقريات وأعلام (دار البشائر، دمشق 1996)، 132. محمد رضوان الأتاسي. هاشم الأتاسي: حياته وعصره (دمشق 2005)، 31-373. نفس المصدر، 384. يوسف الحكيم. سورية والعهد الفيصلي (دار النهار، بيروت 1966)، 1595. جورج فارس. من هم في العالم العربي (دمشق 1957)، 7-86. محمد رضوان الأتاسي. هاشم الأتاسي: حياته وعصره (دمشق 2005)، 1117. محمّد حرب فرزات. الحياة الحزبية في سورية (دار الرواد، دمشق 1955)، 103 8. فيليب خوري. سورية والإنتداب الفرنسي (باللغة الإنكليزية - جامعة برينستون 1987)، 335-3409. نفس المصدر، 34010. يوسف الحكيم. سورية والإنتداب الفرنسي (دار النهار، بيروت 1983)، 37011. محمد رضوان الأتاسي. هاشم الأتاسي: حياته وعصره (دمشق 2005)، 263-26412. يوسف الحكيم. سورية والإنتداب الفرنسي (دار النهار، بيروت 1983)، 330-33113. باتريك سيل. الصراع على سورية (باللغة الإنكليزية - لندن 1965)، 8014. نفس المصدر، 180

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!