أعلام وشخصياتسياسيون ورجال دولة

صبحي بركات

رئيس الدولة (1922-1925).

 

الرئيس صبحي بركات
الرئيس صبحي بركات

صبحي بركات الخالدي (1882-1949)، زعيم مدينة أنطاكية وأحد المشاركين بثورة الشمال ضد الانتداب الفرنسي، انتُخب رئيساً لدولة الاتحاد السوري سنة 1922 ثمّ رئيساً للدولة السورية عام 1925.  رشح نفسه لانتخابات رئاسة الجمهورية ضد محمّد علي العابد سنة 1932 وعندما لم ينجح انتُخب رئيساً لمجلس النواب حتى سنة 1936. غادر سورية إلى تركيا وعاش في مدينة أنطاكية حتى وفاته سنة 1949. وهو عمّ وزير خارجية تركيا وحيد خلف أوغلو.

البداية

ولِد صبحي بركات في مدينة أنطاكية وكان والده من رفعت آغا من الأعيان، انتُخب عضواً في مجلس المبعوثان العثماني، ممثلاً عن ولاية حلب. يعود نسب الأسرة إلى الصحابي خالد بن الوليد، مما يُفسر إصرار صبحي بركات على إضافة “الخالدي” إلى كل مراسلاته الرسمية.

درس بركات في مدارس أنطاكية وفي المدرسة الملكية الشاهاني في اسطنبول. انتُخب نائباً عن مدينته في المؤتمر السوري العام، وهو أول برلمان سوري منتُخب في عهد الملك فيصل الأول. انتسب إلى ثورة الشمال التي كان يقودها زميله في المؤتمر إبراهيم هنانو وحمل السلاح في وجه الجيش الفرنسي من أيار 1919 وحتى تموز 1920. وقد وصفته الدولة الفرنسية عشية احتلال دمشق بأحد أنصار الزعيم التركي كمال أتاتورك.

رئيساً لدولة الاتحاد السوري

قسّمت فرنسا البلاد السورية إلى دويلات، كان من بينها دولة دمشق ودولة حلب ودولة جبل العلويين ودولة الدروز، وأعطت نظام حكم خاص إلى منطقة لواء اسكندرون قبل سلخها عن الأراضي السورية سنة 1939. انتُخب صبحي بركات نائباً عن دولة حلب المحلي، وفي سنة 1922 ترشح لانتخابات البرلمان المركزي الذي كانت فرنسا قد أوجدته ضمن نظام حكمها الجديد، يُدعى الاتحاد السوري الفيدرالي، أو دولة الاتحاد. جمع النظام الجديد بين دولتي دمشق وحلب مع دولة جبل العلويين، وكانت عاصمته حلب وليس دمشق.

في حزيران من العام 1922 رشح صبحي بركات نفسه إلى في انتخابات رئاسة دولة الاتحاد وكان حاكم دولة دمشق حقي العظم منافساً له. وقد انسحب الأخير لصالح أحد أقربائه وهو بديع مؤيد العظم، الذي خسر المعركة الانتخابية وتم ارضاؤه بمنصب رئيس برلمان دولة دمشق.(1) أما حقي العظم، فقد عينه صبحي بركات رئيساً لمجلس الشورى في دولة الاتحاد.

إرضاء أهالي دمشق

رفض أهالي دمشق التعاون مع دولة الاتحاد لأن مقرها كان في حلب ورئيسها كان من أنطاكية وليس من دمشق. أمر الرئيس بركات بنقل العاصمة إلى دمشق بعد عشرة أشهر من بدء الاتحاد وقد تعاون مع عدد من الدمشقيين لكسب ودهم. فعيّن وسامي باشا مردم بك نائباً له ومحمّد علي العابد وزيراً للمالية وعطا الأيوبي وزيراً للعدلية والدكتور رضا سعيد وزيراً للمعارف. وفي عهده وتحت رعايته تم دمج كليتي الطب والحقوق في مؤسسة تعليمية واحدة، سمّيت بالجامعة السورية، قبل أن يتحوّل اسمها إلى جامعة دمشق سنة 1958. مع ذلك لم يسلم الرئيس بركات من الصحافة الدمشقية التي كانت تُصر على نشر خطاباته من دون أي تنقيح لغوي وإملائي، لإظهار مدى ضعفه باللغة العربية.(2)

إنجازاته

وفي عهده تم إقالة مدير شرطة دمشق أحمد حمدي الجلّاد وحبسه بتهمة سرقة أموال كانت مخصصة لشق شارع بغداد وسط العاصمة دمشق. ثم قام بإعادة تأهيل الشرطة السورية عبر تزويدها بدراجات نارية للمداهمة بدلاً من الهوائية السابقة، وإعطاء عناصرها مسدسات حديثة، كما أُقيمت لهم دورات تدريبية في فرنسا. وقد الغى صبحي بركات جميع الامتيازات الممنوحة للدول الأجنبية على الأراضي السورية، السارية المفعول منذ أيام العثمانيين، ومنها الحصانة من المحاكمة أمام القضاء السوري. في الأول من آب 1924، وقّع صبحي بركات اتفاقاً مع الحكومة اللبنانية، هو الأول منذ تأسيس دولة لبنان الكبير، لإنشاء مصرف سورية ولبنان. وبناء عليه أصدرت سورية عبر دولة الاتحاد أول عملة ورقية منذ عام 1920.

وقد استثمر الرئيس بركات في قطاع التعليم وأمر بإدخال وسائل الأمان إلى المدارس والجامعات، وأقر أول قانون سير في سورية، حيث وضعت بموجبه إشارات المرور اليدوية في معظم الشوارع الرئيسية. أمر صبحي بركات بزيادة التوعية الصحية والطرقية، من خلال دورات مجانية للأهالي والجمعيات والنقابات على كيفية التعامل مع الحريق، الزلازل، العواصف والزوابع في الساحل السوري، والجفاف في ريف إدلب وحماة.

كما أصدر قراراً ريادياً يقضي بالسماح للسجناء بالعمل خلال قضاء فترة محكومياتهم لقاء مبلغ من المال يحدده مدير السجن يُدفع كراتب وليس كصدقة، ويُعتبر هذا العمل جزءاً من خدمتهم المجتمعية. وتعطى أعلى الأجور لمن يجيد القراءة والكتابة من السجناء ومن يعلّم زملاؤه الأميين. أما المهن الأخرى المدفوعة الثمن، فكانت التنظيف وخياطة الملابس والتمريض ومساعدة العجزة. وكان ربع الراتب يدفع بشكل شهري خلال تواجد الأشخاص في السجن، وتُجمع بقية الراتب لتُمنح للسجين بعد خروجه كي يستطيع بدء حياته برأس مال صغير.(3)

ولم يفرض الاتحاد السوري الفيدرالي أي ضريبة جديدة على الشعب السوري طوال فترة حكمه، بعد اعتراض الرئيس بركات أمام حكومة الانتداب بالقول: “كفى الشعب السوري معاناة! سوف نغطي أي عجز من حر مالنا.”(4)

رئيساً للدولة السورية

في 1 كانون الثاني 1925 تم استبدال الاتحاد الفيدرالي بنظام “الدولة السورية” الذي دمج بين دولتي دمشق وحلب وأبقى على استقلالية دولة العلويين. وأصبح صبحي بركات رئيساً للدولة، ليحكم من دون دستور أو انتخابات جديدة حتى نهاية العام نفسه، عندما تم الاطاحة به يوم 21 كانون الأول 1925 بسبب موقفه من الثورة السورية الكبرى. وقد أجبر على الاستقالة بسبب عجزه عن إيقاف القصف الفرنسي على مدينة دمشق يوم 18 تشرين الأول 1925، مما أدى إلى دمار سوق الحميدية وسوق البزورية وحيّ الميدان وسوق الحريقة وقلعة دمشق التاريخية.

غاب بعدها الرئيس بركات عن أي نشاط سياسي، ليعود مجدداً سنة 1928 عبر المؤتمر التأسيسي المكلّف بوضع دستور جديد لسورية بدلاً من الدستور الملكي الذي كانت فرنسا قد عطلته قبل ثماني سنوات.(5) انتُخب نائباً عن أنطاكية في المؤتمر الدستوري، الذي كان برئاسة رئيس الكتلة الوطنية هاشم الأتاسي وشارك في صياغة دستور عام 1928.

انتخابات 1932

بعدها بأربع سنوات، ترشح صبحي بركات في الانتخابات النيابية التي أجريت سنة 1932 وكان على رأس قائمة من الموالين له في الشمال السوري، أطلق عليها اسم “الدستوريين الأحرار.” فازت قائمته بثمانٍ وعشرين مقعداً، متقدمة على قائمة الكتلة الوطنية التي كان يقودها حليف الأمس وخصم اليوم، إبراهيم هنانو.

وقد رشحه أعضاء القائمة لتولي منصب رئيس البرلمان، مقابل حقي العظم وهاشم الأتاسي. في الجولة الأولى فاز بركات بجميع أصوات قائمته فقط، ونال حقي العظم 23 صوتاً. أما هاشم الأتاسي ونظراً لضعف تمثيل كتلته في الشمال فلم يحصل إلى على 17 صوتاً فقرر الانسحاب. أعيدت الانتخابات لأن أحداً من المرشحين لم  يحصل على غالبية تخوله رئاسة المجلس.(6) وفي الجولة الثانية من التصويت ذهبت بعض أصوات الوطنيين لصالح صبحي بركات، بتشجيع من نائب دمشق جميل مردم بك، ففاز على حقي العظم بثلاثين صوتاً مقابل 23 صوتاً.

لم يكتفِ صبحي بركات بذلك ورشح نفسه مجدداً لمنصب رئيس الجمهورية، ضد كل من الأتاسي والعظم ورضا الركابي ومحمّد علي العابد. إلا أن الكتلة الوطنية لم تقف خلفه في هذه الانتخابات بل أعطت أصواتها بداية إلى هاشم الأتاسي ومن ثم إلى محمّد علي العابد الذي انتخب رئيساً للجمهورية يوم 11 حزيران 1932. وقد أبقى على صبحي بركات في رئاسة المجلس النيابي وقام بتعيين حقي العظم رئيساً للحكومة.

عندها حصل فُراق بين صبحي بركات والفرنسيين، الذين اتهمهم بإفشال مساعيه في الوصول إلى رئاسة الجمهورية. وعندما طرحت فرنسا اتفاقية صداقة مع الجمهورية السورية سنة 1934 صوت الرئيس بركات ضدها وقام بإجهاضها من داخل المجلس.(7)

بقى صبحي بركات في منصبه حتى كانون الأول 1936 عندما أجبر على الاستقالة بسبب استقالة الرئيس العابد من منصبه والذهاب إلى انتخابات نيابية مبكرة. لم يترشح صبحي بركات لأي منصب هذه المرة وتوجه إلى مسقط رأسه في مدينة أنطاكية لإدارة أملاك أسرته.

الوفاة

توفي صبحي بركات في إحدى مستشفيات اسطنبول بعد إصابته بمرض سرطان الدم في تموز 1949.

الزواج والعائلة

في سنة 1924 تقدم الرئيس بركات للزواج من ليلى العابد، كريمة وزيره محمّد علي العابد وحفيده الوجيه أحمد عزت باشا العابد، كبير إمناء السلطان عبد الحميد الثاني. جرت حفلة الزفاف في قصر العابد بحيّ المهاجرين، حضرها رجالات الدولة السورية وضيوف كبار من تركيا ومصر جاؤا بدعوة من جدّ العروس، الذي أشرف على الحفل بنفسه.(8) ولكن هذا الزواج لم يستمر وتزوج بركات مجدداً من كريمة الوجيه التركي رشدي بك، أحد أغنى الملاكين في قرى سهل البقاع. كانت إحدى شقيقتها متزوجة من وجيه من عائلة الصلح اللبنانية، وثانية متزوجة من رجل من آل مؤيد العظم.

وقد رزق بركات بابنتين تزوجت الكبرى، سهيلة، من نجل السياسي التركي رفيق كورالتان، الذي أصبح رئيساً للبرلمان التركي من سنة 1950 حتى 1960. أما ابنته زهراء بركات فقد تزوجت من وحيد خلف أوغلو، سفير تركيا في لبنان والكويت والاتحاد السوفييتي في ستينيات القرن العشرين، ثم وزير خارجيتها عام 1980.

 

المصدر
1. سامي مروان مبيّض. تاريخ دمشق المنسي (دار رياض نجيب الريّيس، بيروت 2015)، 1122. نفس المصدر3. يوسف الحكيم. سورية والإنتداب الفرنسي (دار النهار، بيروت 1983)، 564. سامي مروان مبيّض. تاريخ دمشق المنسي (دار رياض نجيب الريّيس، بيروت 2015)، 1175. فيليب خوري. سورية والإنتداب الفرنسي (باللغة الإنكليزية - جامعة برينستون 1987)، 1476. نفس المصدر، 3677. نفس المصدر، 4418. سامي مروان مبيّض. تاريخ دمشق المنسي (دار رياض نجيب الريّيس، بيروت 2015)، 117-118

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!