أعلام وشخصياتسياسيون ورجال دولة

بهيج الخطيب

رئيس حكومة المديرين (1939-1941).

الرئيس بهيج الخطيب
الرئيس بهيج الخطيب

بهيج الخطيب (1885-1981)، سياسي لبناني من بلدة شحيم في قضاء الشوف، كان رئيساً للحكومة السورية من 10  تموز 1939 وحتى 1 نيسان 1941. ترأس ما عُرف يومها بمجلس المديرين، وهو عبارة عن حكومة مصغرة من التكنوقراطيين المستقلين غير المنتسبين لأي حزب من الأحزاب السياسية.

وفي فترة حكمه تم اغتيال الزعيم الوطني عبد الرحمن الشهبندر وتولّى الخطيب التحقيقات في الجريمة التي قيل أنه كان متورطاً بها للتخلص من الشهبندر ومن خصومه في الحركة الوطنية.

وقد عَمِل بهيج الخطيب مديراً للشرطة السورية من شباط 1928 وحتى تشرين الثاني 1934. وفي عهد الكتلة الوطنية الأول، عُيّن محاظفاً على جبل الدروز لمدة ثلاثة أشهر، ثم أصبح وزيراً للداخلية في عهد الرئيس تاج الدين الحسني خلال السنوات 1942-1943. وأخيراً كان محافظاً على مدينة دمشق لمدة ثلاثة أيام في مطلع عهد الرئيس شكري القوتلي.

البداية

ولِد بهيج الخطيب في قرية شحيم اللبنانية وتلقى علومه في مدارس سوق الغرب ثمّ في جامعة بيروت الأميركية. توجه إلى دمشق عند تحريرها من الحكم العثماني وبايع الأمير فيصل بن الحسين حاكماً عربياً على سورية. وقد عُيّن كاتباً في ديوان الأمير فيصل ثم في وزارة الداخلية السورية في عهد الوزير رضا الصلح، وهو لبناني مثل بهيج الخطيب.

مديراً للشرطة السورية

بعد زوال الحكم الفيصلي وفرض الانتداب الفرنسي على سورية سنة 1920 فضّل بهيج الخطيب البقاء في دمشق حصل على الجنسية السورية. تمت إعارته إلى السراي الكبير سنة 1921، حيث عُيّن سكرتيراً لحاكم دولة دمشق حقي العظم، وفي سنة 1926، بات مساعداً لشقيقه الشاعر فؤاد الخطيب، مدير مكتب رئيس الدولة السورية الداماد أحمد نامي.

وبعد خروج أحمد نامي من الحكم، أعيد بهيج الخطيب إلى ملاك وزارة الداخلية وعُيّن مديراً للشرطة السورية في شباط 1928.(1) كان ذلك في عهد صديقه رئيس الحكومة تاج الدين الحسني المحسوب مثله على التيار المهادن لسلطة الانتداب الفرنسي.

وقد طوّر بهيج الخطيب سلك الشرطة في سورية وأدخل عليه فروعاً لحراسة الليل وادارة المرور، كما أسس نظام أرشفة لحفظ سجلات المجرمين وأصحاب السوابق. ولكنه اصطدم مع الحركة الوطنية الممثلة بتنظيم الكتلة الوطنية خلال الانتخابات النيابية لعام 1928، عندما وجهّت اتهامات لبهيج الخطيب بالتدخل في عملية الاقتراع لصالح الشيخ تاج وأعضاء الحكومة.

وقد احتجت الكتلة الوطنية رسميّاً على تجاوزات الخطيب ورجال الشرطة واتهمتهم بالتزوير.(2) وعندما قام المحامي فوزي الغزي باطلاق مظاهرة ضد العهد من على ابواب الجامع الأموي، مُطالباً باستقالة الشيخ تاج وبهيج الخطيب، أمر الأخير باعتقاله يوم 12 نيسان 1928.

ومن ضمن اتهامات الكتلة للخطيب أنه حاول شراء أصوات الناخبين في قرى الغوطة الشرقية عبر ارسال سيارات محملة بالمال. ردت الكتلة بمظاهرة كبيرة على أبواب دار الحكومة في ساحة المرجة، قام بهيج الخطيب بتفريقها بنفسه. وقد قيل أنه أطلق النار على المتظاهرين وقتل ستة منهم.(3)

وقد كتب الصحفي نجيب الريّس عن هذه الحادثة في جريدة القبس قائلاً: “لما فرغت رصاصاته لم يعرف كيف يضع فيه رصاصات أخرى، فأعطاه للشرطي يحشوه له وأخذ منه مسدسه، وهو يحمل بضعة مسدسات لا ليحارب بها لأنه أذل من أن يحارب بل لدسّها في جيوب الناس وإحالتهم على المجلس الحربي بتهمة حمل أسلحة ممنوعة.”(4)

ثم كتب نجيب الريّس مخاطباً بهيج الخطيب بالقول: “لقد لبست جلد النمر في اسبوع الانتخابات وقد عشت في هذه المدينة عشر سنين بثوب الثعلب، لا تتقن غير الزلفى ولا تجيد غير الابتسامة الصفراء.”(5)

رد الخطيب باغلاق جريدة القبس واعتقال صاحبها كما أمر بتعطيل مجلّة المضحك المبكي بسبب انتقاداتها المتكررة لرئيس الحكومة. وكانت الضربة القاضية بالنسبه له اعتقال عدد من سيدات دمشق عند خروجهن بمظاهرة أمام مسجد الأقصاب، مما أحرج الفرنسيين كثيراً واجبرهم التخلي عن حليفهم في تشرين الثاني 1934. تم استبداله بالوجيه الدمشقي صفوح مؤيد العظم رئيساً للشرطة السورية، لكون الأخير “إبن البلد” وليس غريباً عنها وعن أهلها، كما كان الخطيب.

الوصول إلى الحكم

عاد بهيج الخطيب إلى الصدارة بتزكية من الفرنسيين نهاية عام 1937، عندما عينه رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي محافظاً على جبل الدروز لمدة ثلاث أشهر. وبعد استقالة الرئيس الأتاسي في تموز 1939 وقع الخيار على بهيج الخطيب ليكون رئيساً لحكومة من الاختصاصيين غير الحزبيين، سُمّيت بحكومة المديرين. كان من المفترض أن تكون حكومته انتقالية، لها هدف واحد فقط وهو الإشراف على الانتخابات النيابية المُقبلة ولكن اندلاع الحرب العالمية الثانية في شهر تموز من العام 1939 أطال من عمر حكومة الخطيب وأبقاها في الحكم حتى سنة 1941.

وقد أعلن الخطيب تأيده الكامل لقوة الحلفاء في الحرب العالمية الثانية ومعارضته لألمانيا النازية وزعيمها أدولف هتلر، مما أثلج صدر الفرنسيين وزاد في اعتمادهم عليه في سورية.

حكومة المديرين

شكّلت حكومة بهيج الخطيب من خمس مدراء اختصاصيين، هم حسني البيطار للمالية وعبد اللطيف الشطي للمعارف ويوسف عبد الله للزارعة ونوري المدرّس للأشغال العامة. وقد جاء بنائبه الأسبق في مديرية الشرطة، القاضي خليل رفعت، مديراً للعدلية.

سارع رئيس الحكومة لضرب أركان الكتلة الوطنية وتطهير الجهاز الإداري من حلفاء الرئيس الأسبق هاشم الأتاسي. قام بعزل محافظ اللاذقية مظهر رسلان وطرد عادل العظمة من منصبه في الأمانة العامة لوزارة الداخلية، وكلاهما كان محسوباً على عهد الكتلة الوطنية.

كما أمر بحلّ الذراع الشبه عسكري للكتلة الوطنية، وهو تنظيم القمصان الحديدية، بتهمة الميول للنازية وقام باعتقال أحد أركان الكتلة، وهو الحاج أديب خير، بتهمة تقاضي أموالاً من أدولف هتلر. وقد أوعز الخطيب باغلاق مركز دراسات الكتلة الوطنية، المعروف بمكتب البارودي للدعاية والنشر، بعد اتهام مديره المؤسس فخري البارودي بتخزين السلاح في منزله بحي القنوات للقيام بعصيان مسلح ضد حكومة المديرين.(6)  وأخيراً فتح الخطيب تحقيقاً جنائياً مع رئيس الحكومة الأسبق جميل مردم بك، بتهمة الكسب غير المشروع، مما أجبر الأخير على الهروب إلى لبنان خلال تواجد بهيج الخطيب في سدّة الحكم بدمشق.

وقد وصفه الأمير عادل أرسلان في مذكراته قائلاً: احتفل الفرنسيون بعيدهم الوطني، او عيد حريتم وهم يستعبدون الأحرار، وأخرجوا بهيجاً الخطيب في سيارة رئاسة الجمهورية السورية وحوله كتيبة من الفرسان فسار والجنود مصطفة في الشوارع إلى دار المندوب السامي لتهنئته بإسم سورية بعيد الحرية الفرنسية.”

محاولة الاغتيال

وقد تعرض بهيج الخطيب لمحاولة اغتيال في صيف العام 1939، وقف خلفها عدد من شباب الحركة الوطنية في مدينة حماة، كان على رأسهم المحامي الشاب أكرم الحوراني.(7) وعندما شكك الصحفي نجيب الريّس بمحاولة الاغتيال وقال أنها من اختراع رئيس الحكومة، أمر الخطيب باعتقاله و باغلاق جريدة القبس، وحُكم عليه بالسجن عشرون سنة مع الأشغال الشاقة.(8)

مقتل الشهبندر

في 6 تموز 1941، قُتل الزعيم الوطني عبد الرحمن الشهبندر في عيادته الطبية وسط دمشق وتولّى الرئيس بهيج الخطيب التحقيق في جريمة الاغتيال. وقد جاء في التحقيقات أنه مارس ضغوطاً على المجرمين، وصلت إلى حد التعذيب والإهانة، لكي يطلقوا اتهاماً باطلاً ضد قادة الكتلة الوطنية ويقولوا أمام المحكمة الفرنسية أنهم حصلوا على مالاً وسلاحاً لتنفيذ الجريمة من جميل مردم بك ورفاقه. وعند ثبوت براءة هؤلاء، أجبر بهيج الخطيب على الاستقالة  من منصبه في  1 نيسان 1941.

العودة وزيراً

ظنّ كثيرون أن مسيرة بهيج الخطيب قد وصلت إلى نهايتها بسبب الاتهامات التي طالته في قضية الشهبندر، ولكنه عاد إلى الحكم بعد خمسة أشهر، وزيراً للداخلية في حكومة حسن الحكيم التي تم تشكيلها في أيلول 1941. وكان قرار تسميته وزيراً قد جاء بتزكية من صديقه القديم تاج الدين الحسني، الذي بات رئيساً للجمهورية في منتصف الحرب العالمية. وقد عمل الخطيب في هذه الحكومة مع خصوم الأمس من الكتلة الوطنية، مثل وزير الخارجية فائز الخوري، وساهم في إعلان استقلال سورية مع الرئيس الحسني.

ولكن حكومة حسن الحكيم لم تستمر طويلاً وسقطت مع استقالة رئيسها في 17 نيسان 1942. لم يكن الخطيب على وفاق مع خلفه، الرئيس حسني البرازي، وهو من أركان الكتلة الوطنية. تخلى الرئيس البرازي عن خدمات الخطيب وأعاده إلى منصب أمين عام وزارة الداخلية، بعد أن كان وزيراً لها ورئيساً للحكومة من قبلها، كما قام بجريده من معظم صلاحياته.

الاتفاق مع شكري القوتلي

نقم بهيج الخطيب على حسني البرازي وعمل جاهداً على اسقاطه بتهم مختلفة، منها الثراء غير المشروع والتلاعب بأسعار الخبز والعمالة لصالح الإنكليز. وعند وفاة الرئيس تاج الدين الحسني حاول الخطيب نسج تحالف مع الكتلة الوطنية قبل الانتخابات النيابية لعام 1943.

اجتمع مع شكري القوتلي، مرشح الكتلة الوطنية لانتخابات الرئاسة ووعد بتقديم دعماً كاملاً له ولحلفائه، شرط أن يُعيده القوتلي إلى منصب مرموق عند فوزه في الرئاسة الأولى.(9) وقد أوفى الخطيب بعدهه خلال الانتخابات وبالمقابل بعد توليه الحكم، أصدر الرئيس القوتلي مرسوماً بتعيين بهيج الخطيب محافظاً على مدينة دمشق، يوم 13 تشرين الأول 1943.(10)

ولكنه وبعد ثلاث أيام فقط قام بعزله نظراً لشدة الانتقادات التي طالت العهد الجديد. أدرك الخطيب أن فرص عودته إلى الحكم باتت معدومة فقرر اعتزال العمل السياسي وعاد إلى مسقط رأسه في بلدة شحيم سنة 1946، عشية جلاء القوات الفرنسية عن سورية.

الوفاة

توفي بهيج الخطيب في لبنان عن عمر ناهز 96 سنة 1981، بعد أن شهد الانقلابات العسكرية التي عصفت بسورية والحرب الأهلية التي اندلعت في لبنان سنة 1975.

الخطيب في الدراما التلفزيونية

اعترضت عائلة بهيج الخطيب على المسلسل السوري أبو كامل عند عرضه سنة 1989، وقالت أنه أظهر الرجل بصورة حاكم متسلّط وظالم. وتكرر الاعتراض سنة 2007 عند عرض مسلسل حسيبة، حيث اتهمت الأسرة المؤلف خيري الذهبي بالتعرض والتجريح الشخصي، “والدخول بالمغالطات التاريخية التي تمس بالإساءة لشخص الرئيس الراحل.”(11)

 

المصدر
1. ابراهيم غازي. نشأة الشرطة وتاريخها في سورية (دمشق 1999)، 1792. بيتر شامبروك. الإمبريالية الفرنسية في سورية (باللغة الانكليزية - لندن 1998)، 373. سعاد جروس. من الانتداب إلى الإنقلاب: سورية زمن نجيب الريّس (: دار رياض نجيب الريّس، بيروت 2015)، 1254. نفس المصدر5. نفس المصدر6. بيتر شامبروك. الإمبريالية الفرنسية في سورية (باللغة الانكليزية - لندن 1998)، 2587. أكرم الحوراني. مذكرات أكرم الحوراني (مكتبة مدبولي، القاهرة 2000)، 211-2148. سعاد جروس. من الانتداب إلى الإنقلاب: سورية زمن نجيب الريّس (: دار رياض نجيب الريّس، بيروت 2015)، 719. نصوح بابيل. صحافة وسياسة: سورية في القرن العشرين (دار رياض نجيب الريّيس، لندن 1987)، 19310. أحمد قدامة . معالم وأعلام في بلاد العرب (دمشق 1965)، 37811. أحفاد بهيج الخطيب يعترضون على "حسيبة."

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!