أعلام وشخصياتسياسيون ورجال دولة

خالد العظم

رئيس حكومة وأحد الآباء المؤسسين للجمهورية السورية.

الرئيس خالد العظم
الرئيس خالد العظم

خالد العظم (6 تشرين الثاني 1903 – 18 تشرين الثاني 1965)، سياسي سوري ورجل دولة، شكّل خمس حكومات في تاريخ سورية الحديث وكان أحد أقطاب السياسة السورية في خمسينيات القرن العشرين. هو نجل السياسي والوجيه محمد فوزي العظم وأخر حاكم لدمشق من سلالة آل العظم.

بدأ عمله السياسي وزيراً للخارجية ثمّ رئيساً للحكومة خلال الحرب العالمية الثانية وقد ترشّح للرئاسة السورية مرتين، كانت الأولى ضد الرئيس شكري القوتلي في منتصف الخمسينيات والثانية في زمن الانفصال عن مصر، حيث تنافس مع الرئيس ناظم القدسي. وقد شغل عدة مناصب حكومية في حياته، فكان وزيراً للمالية والعدلية والخارجية والدفاع، هو مؤسس غرفة صناعة دمشق وعرّاب التقارب السوري السوفيتي ومهندس أول صفقة سلاح بين البلدين.

البداية

ولِد خالد العظم في دمشق  وهو الابن الوحيد للسياسي والوجيه محمّد فوزي باشا العظم، أحد أعيان الشّام في عصر السلطان عبد الحميد الثاني الذي كان ناظراً للأوقاف الإسلامية في الدولة العثمانية سنة 1912. أما والدته فهي افاكت الأستانلي، حفيدة الوالي العثماني عثمان باشا.(1) سُمِّي خالد بعد أن زارت والدته ضريح خالد ابن الوليد في حمص ونذرت أن تسمي المولود خالد إذا كان ذكرًا.

عاش طفولة متنعمة ومرفهة ودَرس على يد مُدرسيين خصوصيين حضروا من اسطنبول لأجله، كما وتزوّج باكراً من سنيّة بنت القاضي راشد باشا مردم بك، التي توفّيت سنة 1918. وقد حضر الملك فيصل الأول عرس خالد العظم في قصر العائلة في حيّ سوق ساروجا، عندما كان والده رئيساً للمؤتمر السوري العام، وهو أول سلطة تشريعية منتخبة عرفتها البلاد السورية في مرحلة ما بعد الحكم العثماني.(2)

العمل الصناعي

التحق خالد العظم بمعهد الحقوق العربي (جامعة دمشق لاحقاً) وتخرج سنة 1922.(3) ولكنه عمل في الصناعة وليس بالحقوق وكان مديراً مؤسساً لمعمل الإسمنت الوطني سنة 1930. كان الطلب يزداد على إنشاء العمارات الحديثة المصنوعة من الإسمنت بدلاً من الحجر، مما شجّع التجّار والمُستثمرين على خوض هذه التجربة الصناعية تحت إشراف خالد العظم وفارس الخوري، صاحب المشروع ورئيس مجلس إدارة المعمل.

حُدد رأس مال معمل الإسمنت بقيمة 144 ألف ليرة عثمانية ذهبية، تم توزيعها على أربعة وعشرون ألف مساهم، وقام المستثمرون بشراء قطعة أرض في منطقة دمّر شمال غرب العاصمة السورية.(4) بدء إنتاج المعمل بعد ثلاث سنوات من تدشينه وخلال عام واحد وصل إنتاجه إلى ثلاثون ألف طن من الإسمنت. ومع نهاية عام 1936 ارتفع الإنتاج إلى خمسة وستون ألف طن وصار معمل الإسمنت يُلبي %60 من حاجة السوق المحلية. وعند نجاح هذا المشروع سارع خالد العظم لتأسيس غرفة صناعة دمشق وانتُخب رئيساً لها حتى سنة 1943.(5)  وخلال السنوات 1938-1940 كان مستشاراً لمجلس دمشق البلدي.(6)

وزيراً للخارجية والعدل (نيسان – تموز 1939)

وقع الاختيار على خالد العظم ليكون وزيراً للخارجية والعدل في حكومة الرئيس نصوحي البخاري في نيسان 1939، وكان ذلك قبل أشهر قليلة من اندلاع الحرب العالمية الثانية. لم تستمر هذه الحكومة طويلاً، وسقطت مع استقالة رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي في شهر تموز من العام نفسه.

وخلال مدة تواجده في حكومة البخاري، حاول خالد العظم اقناع الفرنسيين بضرورة العودة إلى معاهدة عام 1936 التي كانوا قد أبرموها مع هاشم الأتاسي قبل سنوات. نصّت هذه المعاهدة على استقلال سورية التدريجي من حكم الانتداب الفرنسي، مقابل حقوق ثقافية وعسكرية للجمهورية الفرنسية في سورية. ولكنّ البرلمان الفرنسي رفض جميع الضمانات التي قُدمت من قبل الحكومة السورية، خوفاً من تراجع نفوذ فرنسا في الشرق الأوسط في حال نشوب حرب عالمية جديدة في أوروبا.

الحكومة العظمية الأولى ( 5 نيسان – 12 أيلول 1941)

في نيسان 1941 استقال رئيس الحكومة بهيج الخطيب، الذي كان قد خلف نصوحي البخاري في سدّة الحكم، وكُلّف خالد العظم بتشكيل حكومة وطنية لقيادة البلاد في أدقّ مراحل الحرب العالمية الثانية. كانت فرنسا قد وقعت تحت احتلال الجيش الألماني، وجاء قرار تعين العظم من قبل الجنرال هنري دانتز، ممثل حكومة فيشي في سورية ولبنان، المحسوب على الزعيم النازي أدولف هتلر.

قبل العظم التكليف وجاء برجل الاقتصاد حنين صحناوي وزيراً للمالية، وكلّف نسيب البكري، وهو أحد وجهاء دمشق وأعيانها، بحقيبة الاقتصاد الوطني. كما عيّن استاذ القانون في جامعة دمشق الدكتور محسن البرازي وزيراً للمعارف، وأبقى على حقيبة الخارجية لنفسه، إضافة لرئاسة الحكومة.

وخلال فترة حكم الحكومة العظمية الأولى، تحوّلت سورية إلى أرض معركة بين قوات فرنسا الحرة المدعومة من الجيش البريطاني، والممثلة بالجنرال شارل ديغول، وقوات الفيشيين المحسوبين على هتلر، بقيادة الجنرال دانتز. شَنّت جيوش الحلفاء هجوماً بريّاً وجوياً واسعاً على سورية لطرد قوات فيشي، وتمكنت من ذلك بدءاً من ليل الخميس 19 حزيران 1941.

جاء بعدها الجنرال ديغول إلى سورية، ووعد السوريين بتحقيق استقلالهم فور انتهاء معارك الحرب العالمية الثانية في أوروبا. وفي أيلول 1941، عيّن الجنرال ديغول حليف فرنسا القديم الشّيخ تاج الدين الحسني رئيساً للجمهورية، وشُكّلت حكومة جديدة برئاسة حسن الحكيم، بدلاً من حكومة خالد العظم المستقيلة.

وزيراً في عهد الرئيس القوتلي

غاب خالد العظم عن المشهد السياسي لسنتين، وعاد متحالفاً مع تنظيم الكتلة الوطنية سنة 1943، عندما رشح نفسه للنيابة عن دمشق. وبعد انتخاب شكري القوتلي رئيساً للجمهورية في 17 آب 1943 شُكّلت حكومة وطنية برئاسة سعد الله الجابري، أسندت فيها حقيبة المالية إلى خالد العظم. وقد جُدد تكليفه بنفس الحقيبة في 14 تشرين الثاني 1944، بعد تعين صديقه القديم فارس الخوري رئيساً للحكومة. وسمّي وزيراً للمالية للمرة الثالثة في حكومة الخوري الثالثة يوم 24 آب 1945.

وفي 29 أيار 1945 وقع عدوان فرنسي على مدينة دمشق، كان يهدف إلى قلب نظام الحكم فيها والتخلص من الرئيس القوتلي وأركان حكمه. ضُربت قلعة دمشق بالمدافع وقُصفت أحياء سكنية بأكملها، فهرب أعضاء الحكومة من مقرهم في ساحة المرجة وتوجهوا إلى منزل خالد العظم في سوق ساروجا. استقبل العظم أكثر من 100 شخص في داره، من سياسيين كبار ومواطنين عاديين، وردت فرنسا بقصف حيّ ساروجا وتدمير الكثير من مبانيه الأثرية.

العظم في عهد الاستقلال

بعد جلاء القوات الفرنسية عن سورية يوم 17 نيسان 1946، طُلب من الرئيس سعد الله الجابري تشكيل حكومة جديدة، ذهبت فيها حقيبتي العدل والاقتصاد إلى خالد العظم. ولكن علاقة العظم مع رئيس الجمهورية بدأت تتراجع بسبب معارضة العظم تعديل الدستور للسماح للرئيس القوتلي بولاية رئاسية ثانية. من داخل مجلس النواب، قاد خالد العظم معارضة منظمة ضد رئيس الجمهورية، أدت إلى خروجه من الوزارة في تشرين الأول 1947 ونقله وزيراً مفوضاً إلى فرنسا، الأمر الذي اعتبره العظم نفيّاً وابعاداً قصريّاً عن مسرح الأحداث.

ولكن الرئيس القوتلي اجبر على العودة عن قراره عند استقالة الحكومة السورية و تعرّضها لانتقادات لاذعة من الشارع بسبب هزائم الجيش السوري حرب فلسطين. اندلعت المظاهرات في المدن السورية كافة، وفي محاولة لارضاء المعارضة، قام الرئيس القوتلي بتكليف خالد العظم تشكيل حكومة يوم 16 كانون الأول 1948، يرضى عنها الشارع وتُلبي مطالب المتظاهرين.

الحكومة العظمية الثانية (16 كانون الأول 1948 – 29 آذار 1949)

قَبِل العظم التكليف وعاد إلى دمشق ليشكل حكومة موسعة من 11 وزيراً، جميعهم من خارج المجلس النيابي. حصل هو على حقيبتي الدفاع والخارجية وكلّف محمّد العايش، من أعيان دير الزور، بوزارة الزراعة، وجاء بالدكتور محسن البرازي وزيراً للمعارف وبأحمد الرفاعي من حلب وزيراً للعدلية والشؤون الاجتماعية والصحة. كما تعاون مع حليفه القديم حنين صحناوي، الذي أعاده إلى حقيبة الاقتصاد الوطني، ومع الوجيه الحلبي مجد الدين الجابري، الذي عينه وزيراً للأشغال العامة. وفي عهد هذه الحكومة جرى توقيع على اتفاقية النقد بين سورية وفرنسا يوم 7 شباط 1949 وتم فك ارتباط العملة السورية بالفرنك الفرنسي الذي كان يُغطي الليرة الورقية السورية منذ عام 1920.

وقد اصتدم خالد العظم مع قائد الجيش حسني الزعيم وحمّله مسؤولية الهزيمة في فلسطين كما وجه له ولعدد من ضباطه الكبار اتهامات فساد وسوء أمانة وعمالة لصالح ملك الأردن عبد الله الأول. كما لم يُدافع العظم عن قائد الجيش عندما تعرض لانتقادات داخل المجلس النيابي من قبل نائب الزبداني فيصل العسلي، وعندما حضر حسني الزعيم إلى دار خالد العظم لتقديم معروض باسم ضباط الجيش، رفض الأخير استقباله وجعله ينتظر طويلاً، مما ضاعف من نقمة الزعيم على السلطة الحاكمة.(7)

وكان المعروض قد صيغ في مدينة القنيطرة وحمل توقيع حسني الزعيم وأديب الشيشكلي وسامي الحناوي وفوزي سلو ومحمّد ناصر وعدنان المالكي و عفيف البزرة، وجميعهم من أشهر ضباط الجيش السوري في حينها. اتصل العظم بالرئيس القوتلي مُحذّراً من حسني الزعيم وقال: “هذا الرجل خطر، وقبل أن يتعشى بنا يجب أن نتغدى به.”(8). ولكن القوتلي رفض الاستجابة لمطلب العظم، قائلاً: “هو أفضل من سواه.”(9)

الانقلاب الأول: 29 آذار 1949

تحركت قوات حسني الزعيم ومدرعاته من حدود الجبهة باتجاه العاصمة السورية في منتصف ليل 29 آذار 1949 وقامت باعتقال كلّ من رئيس الجمهورية ورئيس حكومته. تعاملوا مع القوتلي باحترام نسبي ولكنهم أهانوا خالد العظم كثيراً، كما قال في مذكراته:

صوب الجندي رشاشه إلى صدري وقال: “إياك والمقاومة! نقتلك إذا قاومت.” وكيف السبيل إلى المقاومة وأنا أعزل من السلاح وهما اثنان، وفي يد كل منهما رشاش ومسدس؟ وقادني بقوة إلى السلم وإذ هرولنا نزولاً. وقعت على الأرض في آخر درجات السلم وسقطت نظارتي ولم يتركاني التقاطها. بل أمسكا بي وأخرجاني بسرعة من الدار. ولم أكن، حتى ذلك الحين، تمالكت وعيي بعد ولا علمت لشدة الظلام، من هم هؤلاء الضباط والجنود. وهذه كله جرى في دقيقة أو دقيقتين. ثم وجدت نفسي في سيارة النقل، حافي القدمين، ليس علي من اللباس سوى بيجاما حريرية رقيقة. وكنت حاسر الرأس وبدون نظارتي.(10)

نقل الرئيس القوتلي مع خالد العظم إلى سجن المزة ظلّوا سجناء لمدة أسبوع، حيث أجبروا على توقيع استقالتهم من خلف القضبان بوساطة من رئيس مجلس النواب فارس الخوري. نُفي الرئيس القوتلي إلى مصر وغاب الرئيس العظم عن أي نشاط سياسي خلال فترة حكم حسني الزعيم التي استمرت من 29 آذار وحتى 14 آب 1949. وكان أحد أول المباركين بالانقلاب العسكري الذي أطاح به وبعهده، بقيادة اللواء سامي الحناوي.

الحكومة العظمية الثالثة (كانون الثاني – حزيران 1950)

أعلن مهندس الانقلاب الثاني اللواء سامي الحناوي عن عدم رغبته تسلّم الحكم ودعا إلى اجتماع في مبنى الأركان العامة، حضره خالد العظم مع معظم السياسيين الكبار، تقرر فيه عودة الرئيس هاشم الأتاسي إلى السلطة. وقد شكّل الأتاسي حكومة وطنية جامعة للاشراف على انتخاب مجلس تأسيسي يتولّى صياغة دستور جديد للبلاد بدلاً من الدستور الذي كان حسني الزعيم قد عطّله قبل أشهر. وفي هذه الحكومة تسلّم خالد العظم حقيبة المالية من شهر آب وحتى نهاية العام 1949.

فاز حزب الشعب، المُتمركز في حلب والمحسوب على المملكة العراقية، بغالبية مقاعد المجلس التأسيسي وانتُخب رئيسه رشدي الكيخيا رئيساً له. وعندما انهى أعماله تحوّل هذا المؤتمر إلى سلطة تشريعيّة لكامل الصلاحيات وانتُخب الأتاسي رئيساً للدولة نهاية العام 1949.

ولكن انقلاباً جديداً وقع في سورية، نفذه العقيد أديب الشيشكلي داخل المؤسسة العسكرية وقام باعتقال قائد الجيش سامي الحناوي، لمنع قام وحدة مع العراق. أبقى الشيشكلي على هاشم الأتاسي في الرئاسة الأولى، ولكن مقيد الصلاحيات من قبل العسكر. وفي 27 كانون الثاني 1950 وفي ظلّ هذه الأزمة السياسيّة، طلب الرئيس الأتاسي من خالد العظم تشكيل حكومة جديدة. حصة الأسد من المناصب الحكومية ذهبت لحزب الشعب، فقد أوكل العظم لمعروف الدواليبي بوزارة الاقتصاد الوطني، وعيّن سامي كبارة في وزارة الداخلية. كما أسند حقيبة الأشغال العامة لحركة الإخوان المسلمين وجاء بمرشح الجيش أكرم الحوراني إلى وزارة الدفاع، تلبية لرغبة العقيد الشيشكلي.(11) أولى قرارات العظم كانت التصديق على إقالة سامي الحناوي من منصبه، لإضفاء شرعية على انقلاب الشيشكلي، وتعين الزعيم أنور بنّود رئيساً للأركان، نزولاً عند رغبة الشيشكلي.

خالد العظم مع رئيس حكومة لبنان رياض الصلح سنة 1950.
خالد العظم مع رئيس حكومة لبنان رياض الصلح سنة 1950.

مرفأ اللاذقية

وفي عهده الثالث، أمر خالد العظم بإغلاق الحدود البرية مع لبنان يوم 18 آذار 1950 مُعلناً القطيعة الاقتصادية مع حكومة الرئيس رياض الصلح.(12)  ولعل أشهر أعماله كانت إنشاء مرفأ حديث في مدينة اللاذقية للسيطرة على شؤون الاستيراد والتصدير وتحرير السوريين من هيمنة تجار بيروت.

تبيّن أن المرفأ السوري سيكلف 25 مليون ليرة سورية ولم تكن الميزانية قادرة على تحمل هذه النفقات، ولم يرغب الرئيس العظم بإدخال أي شركة أجنبية على المشروع لكي يبقى في أيدي السوريين فقط.(12)

قرر العظم إشراك القطاع الخاص في المرفأ وبأن تساهم الدولة في شراء أسهم في المشروع وتضمن للمستثمرين ربحاً سنويّاً لا يقل عن خمسة بالمئة من أموالهم المودعة في المرفأ. وزعت الأسهم يومها على الشكل التالي: 80 ألف سهم للدولة، 130 ألف سهم للمستثمرين، 40 ألف سهم الحامل، وحُدد سعر السهم الواحد بمئة ليرة سورية. كما انتُخب مجلس إدارة يجمع بين القطاعين الخاص والعام، برئاسة الدكتور عزت طرابلسي. صدر مرسوم المرفأ يوم 12 شباط 1950 وفي خطابه الشهير أمام الحكومة، قال خالد العظم: “هنيئاً لمن له شبر أرض في اللاذقية.” (13)

الحكومة العظمية الرابعة (27 آذار – 9 آب 1951)

خالد العظم مع الرئيس هاشم الأتاسي سنة 1951.
خالد العظم مع الرئيس هاشم الأتاسي سنة 1951.

سقطت حكومة العظم الثالثة في حزيران 1950 ولكنه عاد إلى المنصب ثانية بتكليف من الرئيس الأتاسي يوم 27 آذار 1951. ولكن علاقته مع حزب الشعب قد تراجعت بسبب خلافات حول الوحدة مع العراق وتمسكه بنظام سورية الجمهوري. فقرر الشعبيون مقاطعة حكومته الجديد، مما أجبره على الاعتماد كليّاً على الجيش، وتحديداً على العقيد الشيشكلي،

بالرغم من قلّة الود بينهما. قَبِلَ بتعين اللواء فوزي سلو في حقيبة الدفاع، ممثلاً لأديب الشيشكلي داخل السلطة التنفيذية، ووعد بصون نظام الحكم الجمهوري، متحديّاً العراق الطامع إلى الوحدة مع سورية. وللتأكيد على هذا الموقف، أصر العظم على تولّي حقيبة الخارجية بنفسه وطرد جميع أنصار حزب الشعب من مواقعهم في الوزارة.

وانطلاقاُ من هذا الموقف رفض الرئيس العظم قبول أي مساعدات أميركية قُدّمت إلى سورية بموجب النقطة الرابعة من مشروع الرئيس هاري ترومان.

ولكن الحكومة العظمية الرابعة سقط بسرعة عندما أضرب 17 ألف موظف دولة يوم 30 حزيران 1951، مطالبين برفع الأجور والرواتب، بدعم خفي من حزب الشعب.(14) شلّت حركة البلاد وتوقف عمّال النظافة عن عملهم، ومعهم موظفي البرق والبريد والهاتف، فما كان أمام الرئيس العظم إلّا تقديم استقالته لرئيس الجمهورية هاشم الأتاسي.(15)

في زمن الشيشكلي

غاب خالد العظم عن عن أي منصب حكومي في كل الوزارات التي شكّلها حزب الشعب، وكان أخرها حكومة معروف الدواليبي في 28 تشرين الثاني 1951. حصلت مواجهة أخيرة يومها بين قادة الحزب وأديب الشيشكلي، أدّت إلى وقوع انقلاب عسكري جديد، أطاح بموجبه الشيشكلي بحكومة الدواليبي، مما أدى إلى استقالة الرئيس الأتاسي من منصبه.

خالد العظم وأديب الشيشكلي.
خالد العظم وأديب الشيشكلي.

فرض الشيشكلي صديقه الوفي فوزي سلو رئيساً للدولة وحكم البلاد من خلاله حتى صيف العام 1953، عندما تسلّم رئاسة الجمهورية بنفسه. لم يُشارك خالد العظم في حكم الشيشكلي المباشر، واعتبره نظاماً عسكريّاً غير شرعي وغير دستوري.

ولكنه وبالمقابل لم يعمل مع المعارضة على إسقاطه بل فضّل السفر إلى لبنان للعيش في عزلة، صامتاً ومنتظراً تغير الأوضاع في وطنه. وعند سقوط الشيشكلي بانقلاب عسكري في شباط 1954، عاد خالد العظم إلى دمشق مُعلناً دعمه للرئيس هاشم الأتاسي، الذي عاد بدوره من حمص لإكمال ما تبقى من ولايته الدستورية التي كانت قد قُطعت عند استقالته من الرئاسة في نهاية العام 1951.

وفي 13 شباط 1955 عاد خالد العظم إلى السلطة، وزيراً للخارجية والدفاع في حكومة الرئيس صبري العسلي. في هذه المرحلة لعب العظم دوراً محورياً في توازنات سورية الاقليمية والدولية، فقد رفض دخول بلاده في حلف بغداد المعادي للشيوعية العالمية، ولكنه رفض أيضاً الانصياع التام لجمهورية مصر ورئيسها الشاب جمال عبد الناصر، المحسوب على الاتحاد السوفيتي.

كان خالد العظم، وبالرغم من ماله الوفير وفكره الحر وميوله الارستقراطية، لا يرى نفعاً من مجابهة المعسكر الشرقي ولا ضرراً من التحالف معه. وقد يعود ذلك إلى موقفه من الولايات المتحدة التي ساندت دولة إسرائيل منذ يومها الأول ودعمت حسني الزعيم وأطلقت سلسلة الانقلابات في الشرق الأوسط. فقد توجه العظم إلى مؤتمر عدم الانحياز المُنعقد في مدينة باندونغ الاندونيسية يوم 18 نيسان 1955، رافعاً شعار حياد سورية في الحرب الباردة. وفي حزيران 1955 سافر إلى الولايات المتحدة لتمثيل سورية في اجتماع الجمعية العامة الأمم المتحدة.

الانتخابات الرئاسية

ومع قرب نهاية ولاية هاشم الأتاسي، قرر خالد العظم الترشح لرئاسة الجمهورية، وهو المنصب الذي طالما حلم به منذ مطلع شبابه. حاول حُكام العراق إقناع زعيم حزب الشعب رشدي الكيخيا بدخول العركة الانتخابية ولكنه رفض، فقرر لطفي الحفار خوضها، ممثلاً عن الحزب الوطني المدعوم من قبل السعودية. ولكنه سرعان ما انسحب من تلك الانتخابات عندما أعلن شكري القوتلي، العائد حديثاً من مصر، رغبته دخول المعركة الرئلسية ضد خالد العظم.

معركة الرئاسة بين خالد العظم وشكري القوتلي سنة 1955.
معركة الرئاسة بين خالد العظم وشكري القوتلي سنة 1955.

وقفت المؤسسة العسكرية خلف شكري القوتلي، المدعوم أيضاً من مصر والرئيس عبد الناصر، كما أيّده زعماء حزب الشعب بالرغم من الخصومة التاريخية بينهم. وفي مُذكّراته يقول العظم: “دخلت الانتخابات وحيداً، لا نصير لي سوى سمعتي التي أفتخر بها، ونظافة يدي ومقدرتي تسير أمور الحكومة، وموقفي من النهوض الاقتصاد السوري.” (16)

وفي 18 آب 1955 تم التصويت داخل مبنى البرلمان، وكانت النتيجة الأولى 42 صوتاً تؤيد خالد العظم و89 صوتاً لصالح شكري القوتلي. وبما أن أياً منهما لم يحصل على أكثرية الثلثين، أُعيد التصويت ثانية وكانت النتيجة النهائية لصالح شكري القوتلي، 91 صوتاً مقابل 41 صوتاً لخالد العظم.(17) وفي 5 أيلول 1955 أقسم القوتلي القسم رئيساً للجمهورية.

الاتفاق العسكري مع الاتحاد السوفيتي (آب 1957)

في 31 كانون الأول 1956 عُيّن خالد العظم وزيراً للدفاع في حكومة صبري العسلي الرابعة والأخيرة. وكانت هذه الحكومة هي التي ابرمت اتفاق الوحدة مع مصر سنة 1958، الذي لم يكن خالد العظم راضياً عنه أبداً. ومن أبرز إنجازاته في هذه المرحلة كان إبرام اتفاقية تعاون اقتصادي وعسكري مع الاتحاد السوفيتي.

خالد العظم مع نيكيتا خروتشوف في موسكو سنة 1957.
خالد العظم مع نيكيتا خروتشوف في موسكو سنة 1957.

سافر العظم إلى موسكو واجتمع مطولاً مع نيكيتا خروتشوف في 6 آب 1957، وكان ذلك بعد أقل من عام على زيارة الرئيس القوتلي إلى قصر الكرملين. كان لهذه الزيارة أثراً سلبياً للغاية على العلاقات السورية الأميركية، حيث اتُهمت دمشق من قبل إدارة الرئيس دوايت أيزنهاور بأنها تمضي نحو المعسكر الشرقي وبأن سورية على وشك أن تصبح “جمهورية سوفيتية.”

وقد نص اتفاق العظم مع خروتشوف على إعطاء الجيش السوري سلاحاً بقيمة 700$ مليون دولار أمريكي، تُسدد بالتقسيط المريح من عائدات الزراعة على مدى 12 سنة.(18) وبسبب هذا الاتفاق لُقّب العظم من يومها، شعبيّاً وعالميّاً، بالمليونير “الأحمر.”

الوحدة مع مصر سنة 1958

في 11 كانون الثاني 1958 توجه وفد من ضباط الجيش ليلاً إلى مصر، دون إبلاغ خالد العظم أو أخذ موافقته بصفته وزيراً للدفاع، وكان هدفهم إقامة وحدة مباشرة مع الرئيس جمال عبد الناصر. كان الوفد برئاسة قائد الجيش اللواء عفيف البزرة وقد ضم عدداً من قادة الانقلابات السابقة، منهم من ساهم في وصول حسني الزعيم إلى السلطة ومنهم من شارك في إقصاء أديب الشيشكلي عن الحكم. قابلوا الرئيس عبد الناصر وطلبوا منه اقامة وحدة اندماجية فورية، دون أي قيد أو شروط.

غضب العظم من هذا التصرف وحاول إقناع القوتلي باقالتهم جميعاً بتهمة الخيانة العظمى، ولكن رئيس الجمهورية فضل استيعابهم واحتضان موقفهم، أملاً أن يؤدي ذلك إلى قيام وحدة عربية حقيقية، تضع حد لتجاوزات العسكر والانقلابات العسكرية. بدلاً من معاقبة الضباط أو فصلهم عن الخدمة، قرر القوتلي اضفاء شرعية على وفدهم المفاوض وأرسل وزير الخارجية صلاح البيطار إلى القاهرة لمساندتهم. ثم توّجه وفد من الحكومة السورية إلى مصر للتصديق على الوحدة، كان برئاسة القوتلي وعضوية رئيس الحكومة صبري العسلي ورئيس مجلس النواب أكرم الحوراني ووزير الدفاع خالد العظم.

في مذكراته يقول العظم: “وعندما حلقت الطائرة لاحظت أنها تطير باتجاه الشرق الجنوبي، وليس الغرب حيث الطريق الجوي المألوف. فسألت عن السبب فقال البزرة: إننا نخشى أن يتعرض اليهود لطائرتنا فيقضون على الحكومة السورية يأسرها. فقلت في نفسي: ليتهم يفعلون.” (19) ثم يُضيف: “أبديت اعتراضي على جعل نظام الحكم رئاسياً وأبديت مخاوفي من أن يجر ذلك إلى زوال الحكم الديمقراطي النيابي وأن تتحول سورية إلى دولة يحكمها فرد بطريقة ديكتاتورية. ثم أضفت قولي بأن هذا النوع من الحكم قد جُرّب في بلاد عديدة وفشل فيها كلها وأودى بها إلى الهاوية.” (20)

موقفه من التأميم

أمضى خالد العظم سنوات الوحدة بعيداً عن وطنه، مُقيماً في بيروت وبعيداً عن أي نشاط سياسي. ولكنه عارض قرارات التأميم التي صدرت في دمشق في تموز 1961، والتي طالت معظم المصانع والمصارف والعديد من الشركات الخاصة، بما في ذلك العديد من أملاك واستثمارات الأسرة العظمية. كتب العظم في مذكّراته قائلاً:

الكثير من المسؤولين المصريين، إن لم تكن غالبيتهم، يجهلون واقع سورية الاقتصادي والاجتماعي، وهم معذورون بذلك ريثما يكتسبون الخبرة الكاملة، وقد غشّهم من اعتمدوا عليهم من السوريين. لقد وثقت البلاد كلها بالرئيس ولا يزال عند حسن ظنها به، وهي تطلب منه تحقيق آمالها من حيث إقامة حكم محبب إلى القلوب واستبعاد النظام الإرهابي.فإن القلوب لا تستجيب بالشدة والقسوة وإنما بالرفق وحسن المعاملة. (21)

وقد أضاف: “فوجئ الناس بصدور قوانين التأميم التي وصِفت بأنها اشتراكية إصلاحية وهي في حقيقتها لم تكن ترمي إلّا القضاء على الاقتصاد وقتله في مهده ولا تقصد سوى السيطرة ودعم السلطات القائمة عن طريق تركيز الفعاليات الاقتصادية بيد الدولة وإحداث رأسمالية حكومية ديكتاتورية.” (22)

ثم توجه بكتاب إلى الرئيس عبد الناصر، جاء فيه: “أنا لا أؤمن أن إدارة المعامل تنجح على يد الموظفين، وقد كانت تجربة التأميم أتعس دليل على عقم هذه الطريقة.” وتابع بالقول أنه لا يوجد بلد في العالم إلّا وفيه عمال وفلاحين كادحين يتصبب العرق من جبينهم، فهو أمرٌ طبيعي في كل الدول، وليس بالضرورة أن يكونوا مظلومين، ثم أشار إلى الاتحاد السوفيتي، حليف عبد الناصر الأقوى يومئذ، مذكّراً بأن راتب العامل الروسي كان ثلاثون روبل في الشهر بينما كانت الراقصة الأولى في مسرح البولشوي تتقاضى راتب 700 روبل شهرياً، مؤكداً بأن العدالة الاجتماعية هي حكراً على ربّ العالمين وحده ولا يمكن للعبد كائن من كان أن يحققها. (23)

الترشح للرئاسة في زمن الانفصال

سارع خالد العظم لتأيد الانقلاب العسكري الذي أطاح بجمهورية الوحدة يوم 28 أيلول 1961. عاد إلى دمشق ووضع اسمه على بيان موقع من قبل عدد كبير من السياسيين القدامى، وصفوا فيه عهد عبد الناصر بالبوليسي وباركوا حركة الضباط التي اسقطته، بقيادة عبد الكريم النحلاوي. لم يُشارك العظم في حكومات الانفصال ولنه تشرح للنيابي عن دمشق وفاز بغالبية أسواط المدينة مما خوله للترشح لرئاسة الجمهورية. (24)

وقد قدّم العظم ترشيحه مجدداً وتنافس داخل المجلس مع ناظم القدسي، ممثل حزب الشعب، و مأمون الكزبري، رئيس البرلمان في زمن الشيشكلي ,أول رئيس حكومة في عهد الانفصال. تحالف العظم مع أكرم الحوراني ومع البعثيين ولكنه ظلّ مشككاً في فرص نجاحه، قائلاً: “وكانت لي تجربة 1955 كدرس لمعرفة أخلاق الناس وشدة تمسكهم بموعدهم وحتى بإيمانهم. فلم يكن يدور بخلدي النجاح المضمون لكنني كنت لا أريد عدم استجابة اصدقائي من النواب.” (25)

ولكن الحظ لم يحالفه مجدداً، فقد توصل حزب الشعب إلى اتفاق مع مأمون الكزبري لسحب ترشيحه لصالح ناظم القدسي، مقابل أن تذهب أصوات الشمال لصالح الكزبري ويكون هو رئيساً لمجلس النواب. وبذلك فاز ناظم القدسي بالرئاسة الأولى وانتُخب رئيساً في 14 كانون الأول 1961.

الاعتقال الأخير في آذار 1962

بعد انتخاب القدسي بثلاثة أشهر وقع انقلاب جديد في سورية، نفذه مهندس انقلاب الانفصال عبد الكريم النحلاوي وقيل أنه كان مموّلاً من قبل الرئيس عبد الناصر. تم اعتقال رئيس الجمهورية ومعه عدد من السياسيين الكبار، منهم رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب وخالد العظم. وقد بقيوا سجناء لمدة أسبوع، ألى أن تمرد قائد الجيش عبد الكريم زهر الدين على النحلاوي وأعاد الأمور إلى نصابها في 1 نيسان 1962.

الحكومة العظمية الخامسة والأخيرة (17 أيلول 1962 – 8 آذار 1963)

في خريف العام 1962، طلب الرئيس القدسي من خالد العظم تشكيل الحكومة السورية الجديدة خلفاً لحكومة الدكتور بشير العظمة. قبل العظم التحدي، بالرغم من التراجع الملحوظ في صحته، حيث كان يُعاني من تفاقم مرض السكري ولا يتمكن من صعود درج السراي الكبير. أمر بإيجاد مكتب له داخل مجلس النواب في شارع العابد وشكّل حكومة موسعة كانت الأكبر في تاريخ سورية، مؤلفة من 21 وزير. وخلال مرض رئيس الحكومة ودخوله المتكرر إلى المستشفى كان ينوب عنه وزير العدل أسعد كواني في رئاسة الحكومة. (26)\

معظم الوزراء كانوا من الأخصائيين المستقلين، غير المنتميين إلى أي حزب من الأحزاب. وقد أضيفت مناصب جديدة على حكومة العظم، مثل منصب نائب رئيس الحكومة وحقائب التموين والإعلام والأوقاف التي كانت قد أوجدت في زمن الوحدة. ولكن أهم ما جاء به خالد العظم في حكومته الأخيرة كان الفريق الاقتصادي الذي شكله وكان برئاسة وزير الاقتصاد عزت طرابلسي (مدير مرفأ اللاذقية سابقاً ومؤسس مصرف سورية المركزي).

سعي الرئيس العظم إلى إلغاء قرارات التأميم وقانون الإصلاح الزراعي الصادر سنة 1958 ولكنه واجه معارضة شديدة من الناصريين في الشارع السوري، فأبقى على التأميم مجبَراً، محاولاً التوفيق بينهم وبين أصحاب رؤوس الأموال السورية. طالب العظم من القطاع الخاص تناسي الماضي والاشتراك معه مجدداً في بناء الصناعة السورية، طارحاً نفسه كشخصية ضامنة لجميع الأطراف.

خاطب التجار والصناعيين بالقول أن لا تأميم سيطالهم بعد اليوم وتوجَّه للعمال والفلاحين مطمئناً بأن لا أحد سينزع عنهم هبات وعطائات الرئيس عبد الناصر. من حلب، عاصمة سورية الصناعية، أعلن العظم عن خطة متكاملة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع الصناعي، ووعد بجلب استثمارات بقيمة 2700 مليون ليرة سورية لإنشاء صناعات جديدة. (27)

في 8 تشرين الثاني 1962 أقام الرئيس العظم “أسبوع التطور الاقتصادي” في دار المكتبة الوطنية بحلب، وفي كلمة له عن الإصلاح الزراعي قال:

إن الحكومة مصمِّمة على تنفيذ قانون الإصلاح الزراعي وعدم العودة عنه وعدم تغيير أسسه وجوهره وإن وزير الإصلاح الزراعي يقوم في جميع أنحاء البلاد بتوزيع الأراضي وتسليمها إلى أصحابها الجدد وأنا من أصحاب الأراضي التي استولت الدولة على جزء منها، أقول لهم: هنيئاً وأرجوا لكم أيها الإخوة الفلاحون الخير والفلاح. (28)

وفي شرحه المفصل للتأميم أضاف العظم قائلاً: “أما الاشتراكية فأدين بها وأريدها تطويرية ترافق إمكانيات البلاد وحاجاتها وتستهدف زيادة الدخل العام. أولئك الذين أوصلوا البلاد إلى الاستقلال وأزاحوا الاستعمار، أولئك كلهم كانوا وبدون استثناء من أولاد العائلات ومن أصحاب الأراضي ورؤوس الأموال التجارية والعقارية. أما القول بأن الثروات تمركزت بجيوب قليلة وأن الأغنياء احتكروا الأرض والتجارة واستغلوا عرق العمال والفلاحين الكادحين فهو قول مردود.” (29)

نهاية العهد

لم ينجح خالد العظم في حماية الاقتصاد السوري ولا حتى في حماية نفسه من القدر، فقد تم الإطاحة به وبمشروعه في 8 آذار 1963، عندما وصل عدد من الضباط  الناصريين والبعثيين إلى الحكم، معلنين نهاية جمهورية الانفصال.

صادرت الدولة ما تبقى له من أملاك وحولتها إلى مؤسسات حكومية عامة، مثل قصر عائلته الشهير في سوق ساروجا، الذي أصبح متحفاً للتراث والوثائق التاريخية، ومكتبه الخاص مقابل حديقة المدفع، الذي شغله لسنوات طويلة نائب رئيس الجمهورية عبد الحليم خدام، ومزرعته الصيفية التي تحوّلت إلى مقر معمل تاميكو للأدوية. وقد شمله العزل المدني الصادر عن مجلس قيادة الثورة، بتهمة شرعنة ودعم “جريمة الانفصال.”

وعند صدور البلاغ رقم واحد، هرب خالد العظم إلى مقر السفارة التركية الذي كان في نفس عمارته بحيّ الروضة، وحصل على لجوء سياسي، مما منع الجنود من الاقتراب منه. (30) وقد ضمنت له الحكومة التركية ممراً أمناً إلى لبنان، بطلب من الملك سعود بن عبد العزيز والملك حسين والرئيس اللبناني فؤاد شهاب.

الوفاة

قد عاش خالد العظم سنواته الأخيرة في ظروف مادية وصحية صعبة، وتوفي عن عمر ناهز 62 عاماً في يوم 18 تشرين الأول 1965. وقد دفن في جوار الإمام الأوزاعي في بيروت، بحسب وصيته، لكي لا تُثير جنازته أي مواجهات دامية في دمشق.(31)

مذكّرات خالد العظم

في أيامه الأخيرة عمل خالد العظم على كتابة مُذكّراته ونشرها في جريدة النهار، وقد تم جمعها في كتاب مؤلف من ثلاثة أجزاء سنة 1972.

تكريم خالد العظم

رفضت السلطات السورية تسمية أي شارع أو نصب أو مدرسة على اسم خالد العظم، لكونه من رموز الانفصال. ولكن عدداً من الباحثين والكتاب وضعوا مؤلفات ودراسات عنه، منهم أكرم العلبي صاحب كتاب خالد العظم: أخر حكام دمشق من آل العظم الصادر في دمشق سنة 2005، وكتاب خالد العظم 1903-1965: سيرته ودوره في السياسة السورية” للمؤلف وائل عدنان الحسيني، الصادر في دمشق أيضاً سنة 2015.

العظم على شاشة التلفزيون

وقد جُسّدت شخصية خالد العظم على شاشة التلفزيون في المسلسل السوري حمام القيشاني، حيث لعب دوره الفنان مروان الطيّب.

 

 

المصدر
1. أكرم حسن العلبي. خالد العظم: أخر حكام دمشق من آل العظم (دار شهرزاد، دمشق 2005)، 712. خالد العظم. مُذكّرات، الجزء الأول (الدار المتحدة، بيروت 1972)، 1213. أكرم حسن العلبي. خالد العظم: أخر حكام دمشق من آل العظم (دار شهرزاد، دمشق 2005)، 594. سامي مروان مبيّض. عبد الناصر والتأميم (دار رياض نجيب الريّس، بيروت 2019)، 1745. أكرم حسن العلبي. خالد العظم: أخر حكام دمشق من آل العظم (دار شهرزاد، دمشق 2005)، 716. جورج فارس. من هم في العالم العربي (دمشق 1957)، 4327. عبد الله الخاني. سورية بين الديمقراطية والحكم الفردي (دار النفائس، بيروت 2004)، 738. خالد العظم. مُذكّرات، الجزء الثاني (الدار المتحدة، بيروت 1972)، 1919. نفس المصدر10. نفس المصدر، 193-19411. باتريك سيل. الصراع على سورية (باللغة الإنكليزية - لندن 1965)، 9212. باتريك سيل. الصراع على الاستقلال العربي (باللغة الإنكليزية، جامعة كامبريدخ، 2010)، 706-70712. خالد العظم. مُذكّرات، الجزء الثاني (الدار المتحدة، بيروت 1972)، 12013. سامي مروان مبيّض. عبد الناصر والتأميم (دار رياض نجيب الريّس، بيروت 2019)، 30514. باتريك سيل. الصراع على سورية (باللغة الإنكليزية - لندن 1965)، 108-10915. نفس المصدر16.خالد العظم. مُذكّرات، الجزء الثاني (الدار المتحدة، بيروت 1972)، 44016. نفس المصدر، 46217. نفس المصدر18. نفس المصدر، الجزء الثالث، 519. نفس المصدر، 14320. نفس المصدر، 13621. نفس المصدر، 18522. نفس المصدر، 24223. سامي مروان مبيّض. عبد الناصر والتأميم (دار رياض نجيب الريّس، بيروت 2019)، 4323. خالد العظم. مُذكّرات، الجزء الثالث (الدار المتحدة، بيروت 1972)، 22024. نفس المصدر25. نفس المصدر26. مطيع السمان. وطن وعسكر (مكتبة بيسان، بيروت 1995)، 41527. عوض بركات. القطاع الخاص والتنمية الاقتصادية في سورية، محاضرة أُلقيت في أسبوع التنمية (حلب، تشرين الأول 1962)28. كلمة الرئيس خالد العظم في المؤتمر الاقتصادي بحلب يوم 2 تشرين الثاني 196229. نفس المصدر30. عبد الغني العطري. عبقريات (دار البشائر، دمشق 1997)، 1631. نفس المصر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!