سياسيون ورجال دولة

سعد الله الجابري

أحد الآباء المؤسسين: رئيس حكومة ورئيس مجلس نواب (1943-1946)، رئيس الحزب الوطني (1947).

الرئيس سعد الله الجابري
الرئيس سعد الله الجابري

سعد االله الجابري (1893 – 20 حزيران 1947)،  زعيم وَطَني من مدينة حلب، كان أحد مؤسسي الجمعية العربية الفتاة المناهضة للدولة العثمانية ومن أركان الكتلة الوطنية المعارضة للانتداب الفرنسي. هو أحد مُشرعي دستور سورية الملكي سنة 1920 ودستورها الجمهوري الأول سنة 1928. كما كان أحد مؤسسي جامعة الدول العربية سنة 1944 وأول رئيس للحزب الوطني الذي ولد بعد جلاء القوات الفرنسية عن سورية عام 1946.

شارك سعد الله الجابري بمفاوضات باريس سنة 1936 وفي صياغة المعاهدة السورية الفرنسية، وكان وزيراً للخارجية والداخلية في عهد الرئيس هاشم الأتاسي حتى سنة 1939.

كما شكّل ثلاث حكومات في عهد الرئيس شكري القوتلي، كانت الأولى في آب 1943 والأخيرة في نيسان 1946. وقد انتُخب الجابري رئيساً لمجلس النواب من 14 تشرين الثاني 1944 ولغاية 27 نيسان 1946 ولعب دوراً محورياً في المفاوضات النهائية مع الفرنسيين التي أدت إلى جلاء قواتهم عن سورية يوم 17 نيسان 1946. وبذلك يُعتبر سعد الله الجاري أحد الآباء المؤسسين للدولة السورية الحديثة.

البداية

ولِد سعد الله الجابري في حيّ السُّوَيقة في حلب وكان والده الحاج عبد القادر لطفي الجابري مُفتِيًا على المدينة، أمّا والدته حسنى مالك فكانت ربة منزل من أصول شركسيّة.(1) وكانت عائلة الجابري من الأشراف، ولها باع طويل في الزعامة منذ منتصف القرن الثامن عشر.(2)

دَرَس سعد الله الجابري  في المدرسة الرشيدية الحكومية ومن ثمّ في الكلية السُلطانيّة في إسطنبول، حيث تخرّج حاملاً شهادة في الحقوق. وقد سيق فور تَخَرُّجهِ إلى الخدمة العسكرية في الجيش العثماني وعُيّن على جبهة القوقاز.(3)

انتسب الجابري في شبابه إلى الجمعية العربية الفتاة، بعد أشهر قليلة من تأسيسها في باريس، وكان أحد أبرز أعضاء خليّتها السريّة في حلب. في البداية سعت جمعية الفتاة إلى تحسين أوضاع المدن العربية داخل السّلطنة العثمانية، قبل أن يَتَطوّر برنامجها السياسي وتُطالب بتحرير البلاد من الحكم العثماني.

في العهد الفيصلي

كان سعد الله الجابري أحد مُؤيّدي الثورة العربية الكبرى التي اِنطلقت من الحجاز ضد الدولة العثمانية في 10 حزيران 1916، وكانت بقيادة الشريف حسين بن علي. وعند دخول قادة الثورة إلى دمشق فاتحين محررين في 1 تشرين الأول 1918، توجّه الجابري مع شقيقه إحسان إلى دمشق لمُبايعة الأمير فيصل بن الحسين حاكماً عربياً على سورية.

عُيّن شقيقه إحسان الجابري رئيساً لديوان الأمير فيصل وانتُخب سعد الله الجابري نائباً عن حلب في المؤتمر السوري العام، وهو أول مجلس تشريعي عرفته البلاد السورية بعد سقوط الحكم العثماني. وقد عيينه الأمير فيصل عضواً في لجنة صياغة الدستور التي قام بتشكيلها بعد تتويجه ملكاً على البلاد في 8 آذار 1920، برئاسة هاشم الأتاسي. (4) تحالف الجابري من زميله في المؤتمر النائب رياض الصلح وأسسوا كتلة نيابية من الشباب التقدميين المُطالبين بتحرير المرأة السورية وإعطائها حق الانتخاب وحق الترشح للمناصب السياسية.(5) وقد توطدت صداقة الجابري مع الصلح بعد زواج الأخير من فايزة الجابري سنة 1930، وهي إبنة نافع باشا الجابري، الشقيق الأكبر لسعد الله الجابري.(6)

مع إبراهيم هنانو

ولكن عهد الملك فيصل لم يستمر طويلاً وسقط بعد مواجهة عسكرية مع الجيش الفرنسي في معركة ميسلون يوم 24 تموز 1920، أدّت إلى خلع فيصل عن عرش الشّام وفرض الانتداب الفرنسي على سورية. لم يلتحق الجابري بالثورة العسكرية التي اندلعت ضد الفرنسيين في شمال البلاد، ولكنه أيّدها بالمال ووضع نفسه وثروة عائلته تحت تصرّف قائدها العام إبراهيم هنانو، زميله في المؤتمر السوري.

حُكم على سعد الله الجابري بالإعدام بسبب مواقفه المتشددة ضد الفرنسيين وقُربه من الملك فيصل فهرب إلى مصر وحصل على لجوء سياسي من الملك فؤاد الأول. وقد أقام في القاهرة حتى سنة 1922، عندما صدر عفو فرنسي عن مجموعة من الوطنيين السوريين، كان من بينهم سعد الله الجابري.(7)

كانت ثورة الشمال قد أُجهِضت وهرب إبراهيم هنانو إلى إمارة شرق الأردن ومن ثمّ إلى فلسطين، حيث تم اعتقاله من قبل السلطات البريطانية وتسليمه إلى سلطة الانتداب الفرنسي سورية. شُكّل مجلس عرفي لمحاكمة هنانو في حلب، ووجّهت له تهم شتّى، منها السلب والنهب وقيادة عصيان مسلّح ضد حكومة الانتداب. كان الجابري يحضر جلسات المحكمة بانتظام بعد أن أستُدعي مع شقيقه فاخر الجابري كشهود دفاع، وفي إحدى الجلسات خاطب رئيس المجلس العسكري هنانو قائلاً: “إنك تزعم أنك قاتلت فرنسا باسم الشعب السوري، فهل يُمكنك أن تأتيني بشخص واحد كلّفك بهذه المُهمّة؟”

وهنا وقف الجابري بشجاعة وقال للقاضي الفرنسي:

يا سيدي الرئيس، أنا أدعى سعد الله الجابري من أبناء هذا البلد ومثقفيه. أنا والألوف معي كلفنا إبراهيم هنانو مقاتلة فرنسا التي دخلت بلادنا دون حق، ومن حقنا أن نقاوم الاحتلال الأجنبي. وإن المجرم هو من يعتدي على سلامة الناس وحريّة الشعوب، لا ذلك الذي يدافع عن استقلال بلاده ويجابه في سبيل تحرير آبائه وأجداده. لقد أعلن إبراهيم هنانو الحرب عليكم باسم الشعب السوري العربي، والقتل والفتك والتدمير نتيجة طبيعية للحرب التي خضتم غمارها.(8)

وكانت نتيجة تلك المحاكمة صدور قرار براءة إبراهيم هنانو، الذي رافع عنه المُحامي فتح الله سقّال، وعودته إلى العمل الوطني ولكن من باب النضال السياسي هذه المرة، لا المُسلح.

جمعة اليد الحمراء

في هذه المرحلة من حياته أسس سعد الله الجابري تنظيماً سريّاً لمحاربة الانتداب الفرنسي في حلب، أطَلَق عليه اسم “اليد الحمراء.” وقد ضمّ التنظيم عدداً من أعيان المدينة مثل الدكتور عبد الرحمن كيالي وحسن فؤاد إبراهيم باشا وفؤاد المُدرّس وأسعد الكواكبي.(9) عَلِمْت السلطات الفرنسية بنشاطه وقامت باعتقاله مدة ستة أشهر ونفيه إلى مدينة صافيتا. وفي سنة 1925 أُلقي القبض عليه مرة ثانية لدوره في الثورة السورية الكبرى، فتم سجنه في حلب ومن ثمّ في جزيرة أرواد. وكان الاعتقال الثالث في سنة 1934.

الجابري والكتلة الوطنية

بعد قمع الثورة الوطنية وإجهاضها اجتمع عدد من الوطنيين في بيروت، برئاسة هاشم الأتاسي، وأسسوا تنظيماً سياسياً جديداً لمحاربة الانتداب الفرنسي، أطلقوا عليه اسم الكتلة الوطنية. شارك إبراهيم هنانو في تأسيس الكتلة وأعلن عن تمسكه بالنضال السياسي بدلاً من المقاومة المسلّحة، مُطالباً بتحرير البلاد عن طريق المؤسسات الديمقراطية التي كانت فرنسا قد أدخلتها على الحياة السياسية في سورية منذ سنة 1920، وتحديداً الانتخابات النيابية والرئاسية.

كان فاخر الجابري عضواً مؤسساً في الكتلة الوطنية وقد انضم سعد الله الجابري إليها بعد عودته من المنفى، ليصبح أحد أركان مكتبها في حلب. وفي 3-4 تشرين الثاني 1932 عَقَدت الكتلة الوطنية اجتماعاً موسعاً في مدينة حمص، وانتُخب مجلسها الدائم المؤلف من هاشم الأتاسي رئيساً مدى الحياة، يعاونه سعد الله الجابري نائباً للرئيس، وقد سُمّي إبراهيم هنانو زعيماً للكتلة وفارس الخوري عميداً لها.(10)

دستور عام 1928

خاضت الكتلة الوطنية أولى معاركها السياسية سنة 1928 عند ترشّح زعمائها في انتخابات المؤتمر التأسيسي المكّلف بوضع دستور جديد لسورية بدلاً من الدستور الملكي الذي قام الفرنسيين بتعطيله بعد احتلال دمشق سنة 1920. فاز سعد الله الجابري بعضوية المؤتمر التأسيسي، الذي انتُخب هاشم الأتاسي رئيساً له، وكانت هذه هي ثاني تجربة دستورية بعد عضوية اللجنة الدستورية سنة 1920. وقد تمكن أعضاء الكتلة الوطنية من صياغة دستور عصري وتحرري، ليس فيه أي إشارة إلى الانتداب الفرنسي. أغضب هذا التجاهل سلطة الانتداب التي اعترضت على ست مواد من الدستور، منها عدم الاعتراف لا بالانتداب الفرنسي أو باتفاقية سايكس بيكو، والإصرار على وحدة سورية الطبيعية وإعطاء صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية السورية اَلْمُنْتَخَب، بدلاً من المندوب السامي الفرنسي، مثل حق إعلان الحرب والسلم وإبرام الاتفاقيات الدولية.

طالبت فرنسا من أعضاء المؤتمر التأسيسي تعديل هذه المواد وإضافة مادة جديدة، رقمها 116، فيها ذكر  واضح وصريح لنظام الانتداب وشرعيته في سورية. ولكن أعضاء المؤتمر أصرّوا على موقفهم وقاموا بتبني الدستور كاملاً من دون أي تعديلات، فردّت فرنسا بتعطيله وحلّ المؤتمر إلى أجل غير مُسمّى.

الإضراب الستيني

بعد ثلاث سنوات من مؤتمر حمص توفي إبراهيم هنانو في تشرين الثاني 1935 وخرجت له جنازة مُهيبة، حضرها جميع قادة الكتلة الوطنية. نُصّب سعد الله الجابري يومها زعيماً على مدينة حلب، خلفاً للراحل هنانو، وقاد موكب المشيعين رافعاً هتافات مناهضة للانتداب ومطالبة باستقلال سورية. ردّت فرنسا بقسوة مُفرطة، وأمرت باعتقال المشيعين واقتحام منزل هنانو ومصادرة كل ما فيه من مُستندات ووثائق. ثم ألقت القبض على سعد الله الجابري، بتهمة التحريض وإثارة الفتن.

بدلاً من  إسكات الشارع وإرهابه، أدّت هذه التصرفات إلى اندلاع مُظاهرات عارمة في دمشق، دعماً لحلب ولسعد الله الجابري. وكان الرد الفرنسي في دمشق مُماثلاً لردهم في حلب، فقاموا باعتقال المُتظاهرين، وعلى رأسهم النائب فخري البارودي، وهو أحد قادة الكتلة الوطنية. تكررت المُظاهرات وسقط خلالها عدد كبير من الشهداء، مما أدّى إلى إضراب عام في المدن السورية كافة، دام ستون يوماً.

وقد أضر الإضراب الستيني بسمعة فرنسا محليّاً ودوليّاً، فقررت الحكومة الفرنسية الانصياع لمطالب الكتلة الوطنية. تم إطلاق سراح الموقوفين وإقالة حكومة الشّيخ تاج الدين الحسني المحسوبة على سلطة الانتداب، ثم دخلت فرنسا في مفاوضات مباشرة مع هاشم الأتاسي، أسفرت عن دعوته مع وفد من الكتلة الوطنية إلى باريس لمناقشة مستقبل سورية، مع الاعتراف بالكتلة الوطنية كممثل شرعي للشارع السوري الثائر.

سعد الله الجابري في باريس سنة 1936 مع هاشك الأتاسي ورياض الصلح.
سعد الله الجابري في باريس سنة 1936 مع هاشم الأتاسي ورياض الصلح.

مفاوضات باريس سنة 1936

وفي آذار 1936 توجه وفد الكتلة الوطنية إلى فرنسا بقيادة الأتاسي وعضوية كلّ من سعد الله الجابري وجميل مردم بك وفارس الخوري ورياض الصلح. مكثوا في العاصمة الفرنسية حتى أيلول 1936، وتمكنوا من إبرام معاهدة مع حكومة الرئيس ليون بلوم، وعدت بالاستقلال سورية التدريجي والمشروط، مقابل مجموعة من الامتيازات السياسية والعسكرية والثقافية في سورية.

وقد نصّت معاهدة عام 1936 على إعادة ضم جبل العلويين إلى سورية، ومعه جبل الدروز، وعلى إجراء انتخابات نيابية ورئاسية، مع توسيع صلاحيات السوريين في الإدارة والحكم.

فقد سُمح لهم إنشاء وزارة للخارجية وأخرى للدفاع، للمرة الأولى منذ سنة 1920، عندما تولّت فرنسا شؤون سورية الخارجية والعسكرية وجعلتهم حكراً على دبلوماسيين وضباط فرنسيين. دافع سعد الله الجابري عن منجز الكتلة الوطنية في فرنسا واعتبره نصراً كبيراً: وقد نقلت الصحف السورية قوله: “لم يبقى على فرنسا إلّا أن تُعطينا مارسيليا.”(11)

الوصول إلى الحكم

عاد وفد الكتلة الوطنية إلى سورية رافعاً شعار النصر يوم 29 أيلول 1936، وعلى الفور استقال رئيس الجمهورية محمّد علي العابد من منصبه، داعياً لانتخابات نيابية ورئاسية مبكرة. خاض الجابري تلك الانتخابات وفاز بالنيابة عن حلب، وتم انتخاب هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية في نهاية شهر كانون الأول. وقد كلّف الأتاسي جميل مردم بك بتشكيل أول حكومة في العهد الوطني، ذهبت جميع حقائبها إلى قادة الكتلة الوطنية. فقد عُيّن شكري القوتلي وزيراً للدفاع والمالية وعبد الرحمن كيالي وزيراً للعدل والمعارف، وسعد الله الجابري وزيراً للخارجية والداخلية، كما انتُخب فارس الخوري رئيساً لمجلس النواب.

مؤتمر بلودان

وكان أول نشاط كبير قام به الجابري بعد تسلمه المنصب الجديد دعوة الدول العربية لعقد مؤتمر حول القضية الفلسطينية في بلدة بلودان القريبة من دمشق يومي 8-9 أيلول 1937. وقد تقرر فيه رفض الهجرة اليهودية وعدم الاعتراف بشرعية الانتداب البريطاني في فلسطين، مع حق الشعب الفلسطيني بمقاومة المشروع الصهيوني بكل السبل المتاحة، السياسية منها والعسكرية.

المواجهة مع الشهبندر

تعرض العهد الجديد إلى تحدّيات كبيرة بعد عودة الزعيم الوطني عبد الرحمن الشهبندر من المنفى، وهو من قادة الثورة السورية الكبرى. عارض معاهدة عام 1936 بشدة، مُعتبراً أن قادة الكتلة الوطنية أعطوا فرنسا الكثير ولم يأخذوا بالمقابل وعداً وصريحاً بالاستقلال التام وغير المشروط. كانت تجمع صداقة قديمة بين الشهبندر والرئيس الأتاسي منذ أن كان الأول وزيراً في حكومة الأتاسي أيام الملك فيصل. احتراماً له ولماضيه الوطني لم تطاله انتقادات الشهبندر بل صوّبت كليّاً تجاه جميل مردم بك وسعد الله الجابري.

وقد ضاعف الشهبندر من معارضته للعهد بعد رفض البرلمان الفرنسي المصادقة على معاهدة عام 1936، خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى تراجع نفوذ فرنسا في الشرق الأوسط. سافر الرئيس جميل ردم بك إلى باريس في محاولة لإقناع المُشرعين الفرنسيين بالعدول عن موقفهم، وكان برفقة وزير الخارجية سعد الله الجابري. وقد قدموا بعض التنازلات المؤلمة، مثل إعطاء فرنسا حق التنقيب عن الثروات الباطنية وحماية الأقليات في سورية، ولكن ذلك لم يُقنع المجلس الفرنسي بتغير موقفه، نظراً لتزايد الكلام عن قرب حصول مواجهة عسكرية مع أدولف هتلر في أوروبا.

سلخ لواء إسكندرون

ثم جاء سلخ منطقة لواء إسكندرون عن سورية عبر استفتاء أجرته عصبة الأمم، التي لم تكن سورية عضواً فيها. أخفق الجابري في حماية إسكندرون ومنع ضمه إلى تركيا، وقد وجهت اتهامات إلى جميل مردم بك بالتنازل عن المنطقة بعد لقاء جمع بينه وبين الرئيس التركي كمال أتاتورك في أنقرة. وعند استجوابه أمام مجلس النواب حول قضية إسكندرون كان جواب سعد الله الجابري ضعيفاً للغاية وغير مقنع، حيث قال: “إن الحكومة السورية قامت بكل ما يترتب عليها وعملت ما يجب عمله.”(12)

وقد اتهم عبد الرحمن الشهبندر رجال الكتلة الوطنية بالتقصير في حماية الأراضي السورية، وطالب باستقالتهم ومحاسبتهم أمام القضاء. رد الرئيس مردم بك على هذه الانتقادات بوضع الشهبندر قيد الإقامة الجبرية في بلدة الزبداني بريف دمشق، وقام الجابري، بصفته وزيراً للداخلية، بمراقبة تحركاته ومنعه من مقابلة أنصاره الكثر. وعندما تقدم الشهبندر إلى وزارة الداخلية بطلب تأسيس حزب سياسي، جاء الجواب بالرفض، موقعاً من قبل الوزير سعد الله الجابري.

تحت ضغط من الشارع وفي ظلّ الإخفاقات السياسية المتكررة، قدّم جميل مردم بك استقالة حكومته في شباط 1936، وفي شهر تموز من العام نفسه استقال الرئيس هاشم الأتاسي. سقط العهد الوطني الأول في حينها مما أعتبر نصراً مدوياً بالنسبة لعبد الرحمن الشهبندر وجميع أعداء الكتلة الوطنية.

اغتيال الشهبندر

وفي 6 تموز 1941، اغتيل الدكتور عبد الرحمن الشهبندر في عيادته الطبية وسط دمشق، ووجّهت أصابع الاتهام فوراً إلى خصومه في الكتلة الوطنية. خضع سعد الله الجابري إلى جلسة تحقيق مُكثفة في حلب، قبل توجيه اتهام رسمي له ولجميل مردم بك ولطفي الحفار بمقتل عبد الرحمن الشهبندر. وجاء في التحقيقات قول الجاني أحمد عصاصة إنه تلقى مبلغ 400 ليرة عثمانية ذهبية من الجابري ومردم بك والحفار لتنفيذ الجريمة.(13)

فرّ الجابري إلى العراق قبل صدور قرار باعتقاله، وحصل على لجوء سياسي من حكومة الرئيس جميل المدفعي، وتبعه كلّ من جميل مردم بك ولطفي الحفار. وقد شُكّل فريق من المُحامين الكبار للمرافعة عنهم في دمشق، مؤلف من إميل لحود وحبيب أبو شهلا من لبنان وإحسان الشريف من سورية.

وقد تمّت محاكمة قادة الكتلة الوطنية غيابياً في محكمة استثنائية عُقدت داخل مبنى المجلس النيابي في شارع العابد، تبيّن فيها أن لا علاقة لهم بالجريمة وأنها نُفّذت من قبل مجموعة من الشباب المتطرفين، الذين اعتبروا أن علمانية الشهبندر كانت إلحاداً ورأوا في قربه من الإنكليز خيانة للقضية الوطنية. وقد وجهوا الاتهام إلى الجابري ورفاقه بهدف التخلص منهم، تحت ضغط من أجهزة المخابرات الفرنسية. وفقد قال زعيم العصابة أحمد عصاصة خلال المحاكمة وبعد أن أقسم على القرآن الكريم أنه لم يلتقي سعد الله الجابري في حياته وأن توجيه الاتهام له ولرفاقه جاء بأمر من رئيس الحكومة بهيج الخطيب وقائد الشرطة صفوح مؤيد العظم.

حكومة الجابري الأولى (19 آب 1943 – 14 تشرين الثاني 1944)

عاد سعد الله الجابري من العراق بعد ثبوت براءته من دماء عبد الرحمن الشهبندر وترشّح في الانتخابات النيابية التي أُجريت في صيف العام 1943 واوصلت صديقه شكري القوتلي إلى رئاسة الجمهورية. كانت تجمع بين القوتلي والجابري صداقة متينة منذ أيام الشباب، عندما عملا معاً في صفوف الجمعية العربية الفتاة قُبيل الحرب العالمية الأولى. عاد رجال الكتلة الوطنية إلى سدّة الحكم بعد أربع سنوات من استقالتهم الجماعية وانتُخب فارس الخوري مجدداً رئيساً للبرلمان السوري وكُلّف سعد الله الجابري بتشكيل أول حكومة في عهد الرئيس شكري القوتلي. وقد شكّلت حكومة الجابري الأولى يوم 19 آب 1943 وكانت على الشكل التالي:

سعد الله الجابري (الكتلة الوطنية): رئيساً للوزراء

جميل مردم بك (الكتلة الوطنية): وزيراً للخارجية

لطفي الحفار (الكتلة الوطنية): وزيراً للداخلية

الدكتور عبد الرحمن كيالي (الكتلة الوطنية): وزيراً للعدل

توفيق شامية (الكتلة الوطنية): وزيراً للزراعة والتجارة

مظهر باشا رسلان (الكتلة الوطنية): وزيراً للأشغال العامة

خالد العظم (مستقل): وزيراً للمالية

نصوحي البخاري (مستقل): وزيراً للمعارف والدفاع الوطني

واجه الجابري معارضة منظمة في مسقط رأسه في حلب، مُمثلة في الجيل الجديد من الوطنيين الشباب الذين حاولوا قطع الطريق على وصول شكري القوتلي إلى رئاسة الجمهورية. تزعم هذا التيار رشدي الكيخيا وناظم القدسي، وهما أعضاء سابقين في الكتلة الوطنية، كانوا قد انشقوا عنها بسبب ضعفها في مواجهة تركيا وعدم قدرتها الحفاظ على لواء اسكندرون. وقد استمرت حكومة الجابري في الحكم من حتى 14 تشرين الثاني 1944، عندما أجرى الرئيس القوتلي تعديلاً سياسياً، فقام بتعيين سعد الله الجابري رئيساً لمجلس النواب وجاء بفارس الخوري إلى رئاسة الحكومة.

سعد الله الجابري مع رياض الصلح سنة 1943.
سعد الله الجابري مع رياض الصلح سنة 1943.

خلال وجوده في السراي الكبير، شارك الجابري في الاجتماعات التأسيسية لجامعة الدول العربية في مدينة الإسكندرية، بدعوة من الملك فاروق، وتوجه إلى مصر على رأس وفد مؤلف من وزير الخارجية جميل مردم بك وأمين عام الرئاسة السورية الدكتور نجيب الأرمنازي. وقد عَمِل مع رئيس الوفد اللبناني رياض الصلح على وضع ميثاق جامعة الدول العربية، وكان الصلح قد أصبح رئيساً للوزراء في بلاده في نهاية شهر أيلول من العام 1943، أي بعد تولّي الجابري رئاسة الحكومة السورية بحوالي شهر ونيّف.

دعم الفنون المسرحية

كان سعد الله الجابري وبالرغم من تربيته المحافظة مُنفتحاً ومُشجّعاً للفنون بكافة أشكاله. ففي فترة توليه الحكم، قدّم دعماً للفرق المسرحية السورية وحضر عرض مسرحية قيس وليلى في سينما عائدة بدمشق في شباط 1944. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يُقدم فيها مسؤول سوري دعماً من هذا النوع للفنانين الشباب. عند خروجهم من المسرح، طلب الجابري من بطل المسرحية تيسير السعدي أن يأتيه إلى دار الحكومة وأوصى مدير مكتبه كاظم الداغستاني أن يؤمّن له كل ما يحتاجه هو وفرقته من نفقات.(14)

الصدام مع المشايخ

كان رجال الدين في دمشق يشكون عن تفشي العادات الأجنبية في مجتمعهم، ومنها السفور ودخول النساء إلى سوق العمل ودور السينما. وكانوا قد رفعوا عدة رسائل احتجاج إلى الحكومة، مُطالبين بفصل الإناث عن الذكور في المدارس، وتخصيص عربات خاصة لهم في الترامواي وفرض رقابة على السافرات، ولكن الرئيس الجابري تجاهل كل هذه المطالب، بدعم وتنسيق مع الرئيس شكري القوتلي.

في ربيع العام 1944 أعلنت جمعية نقطة الحليب، إحدى أقدم الجمعيات الأهلية في سورية، عن حفل خيري في دمشق تحت رعاية مدام كترو، زوجة جورج كاترو ممثل الجنرال شارل ديغول في سورية ولبنان. اعترضت الجمعيات الإسلامية على هذا النشاط، أولاً بسبب الرعاية الفرنسية وثانياً لأن المُنظمين أرادوا أن يُقام الحفل في مطعم عُرف عنه تقديم الخمر للزبائن. كما أُشيع يومها بأن عدداً من زوجات المسؤولين السوريين كانوا ينوون حضور الحفل وهم سافرات الرأس والوجه. طالبت الجمعيات الإسلامية من الرئيس الجابري إلغاء الحفل ولكنه رفض الاستجابة، وهو الداعم لتحرر المرأة منذ أن كان نائباً في المؤتمر السوري سنة 1919.

قام المشايخ بنقل المعركة إلى منابر الجوامع، حيث لا تواجد ولا نفوذ لرجال الكتلة الوطنية، ولا سطوة لرئيس الحكومة، الذي ظنّ رجال الدين أنهم قادرين على اسقاطه بسهولة. في 19 أيار 1944 تم توحيد خطب الجمعة في مساجد دمشق كافة، للتحذير من الفلتان والتحرر، وقد حمل فيها الخطباء حكومة الجابري المسؤولية عن ما وصفوه بالتراخي الاجتماعي والفجور. في مُذكّراته، يصف الشّيخ علي الطنطاوي الرئيس سعد الله الجابري قائلاً إنه “سوّد صفحته” بدعمه لحركة التحرر النسائية، “وأفسد وطنيته.”(15)

اجتمع 300 شخص بعد صلاة الظهر في جامع دنكز، وخرجوا بمظاهرة حاشدة باتجاه السراي الحكومي في ساحة المرجة، مُطالبين بإلغاء الحفل الخيري أو منع النساء المُسلمات من حضوره، وهتفوا ضد رئيس الحكومة ووزير الداخلية لطفي الحفار. أمر مدير شرطة دمشق أحمد اللحّام بتفريق المُتظاهرين بالقوة، وفي الاشتباكات التي حصلت، قُتل اثنان من الشبّان.

رفض اللحّام معاقبة عناصره، قائلاً إنهم كانوا يقومون بواجبهم الوطني والأمني، وأنهم أطلقوا النار دفاعاً عن النفس بعد رفع السلاح في وجه عناصر الشرطة من قبل المُتظاهرين. كما قام باعتقال زعيم المتظاهرين، الشّيخ محمد الأشمر، وهو من قادة الثورة السورية، ونقله مخفوراً إلى سجن تدمر، بتهمة التحريض ضد الدولة وإثارة الشغب بين الناس.(16)

انتفض أهلي حيّ الميدان دفاعاً عن محمّد الأشمر، وخرجوا بمظاهرات كبيرة أُحرقت خلالها المباني الحكومية في باب مصلّى، مُطالبين بإسقاط سعد الله الجابري. أغلقت أسواق دمشق تضامناً من الحراك الشعبي في يومي 21-22 أيار 1944، وشمل الإضراب سوق الحمدية وسوق البزورية، وهما العصب التجاري لمدينة دمشق.

احتشد حوالي ألف شخص في جامع منجك في الميدان، وخرجوا شاهرين أسلحتهم وسكاكينهم، مُطالبين مجدداً باستقالة الحكومة. أقاموا حواجز لاعتراض الناس في منطقة الشاغور، معقل الرئيس شكري القوتلي، وتم اطلاق النار على الشرطة وضربت احدى السيدات وهي في ترامواي المرجة لأنها كانت سافرة، مما أدى إلى توقف حركة الترامواي في دمشق كليّاً بعد التهجم بالحجارة على إحدى الحافلات. كما أن المُتظاهرين هاجموا سينما أمبير في طريق الصالحية، التي كانت تقيم عروضاً مسائية للنساء، وحطموا أبوابها، محاولين الدخول على السيدات المجتمعات في داخلها.(17)

حاولت جمعية الهداية الإسلامية ومعها جمعية التمدّن الإسلامي طباعة مناشير تُطالب الأهالي باستمرار العصيان حتى اسقاط الحكومة، ولكنها مُنعت من قبل المطبعة الحكومية، بأمر من الرئيس الجابري. وفي شمال البلاد، عُثر على مناشير مُرسلة من حركة الإخوان المسلمين في مصر إلى أهالي حلب، تُطالبهم بنصرة أهل الشّام واقامة حكم شرعي في سورية. وصفت تلك المناشير سعد الله الجابري بالمُلحد، وقالت أنه “عدو الله وعدو الإسلام،” وهي نفس العبارة التي استُخدمت قبل أربع سنوات للتحريض على قتل عبد الرحمن الشهبندر.

غضب سعد الله الجابري من هذا التحدي ونزل إلى مجلس النواب للوقوف على أخر التطورات الأمنية بنفسه، وخطب مُدافعاً عن عناصر الدرك الذين أطلقوا النار، قائلاً: “هل كان من الممكن أن يسمحوا لهؤلاء المُشاغبين قصيري النظر اقتحام دار السينما والتعرض للنساء الموجودين في داخله؟ كلا!”(18)

وقد دافع عن حكومته قائلاً:

لم تأتي حكومة من قبل حاربت الفساد والانحلال الأخلاقي كما فعلنا نحن، فنحن نرفض الاعتداء على الحريات الدينية بنفس الشدة التي نرفض فيه التهجم على مؤسسة الدولة. أملنا أن يقوم كل جامع، وكل كنيسة وكل كنيس بفتح أبوابهم بحرية تامة، من دون أي خوف أو ترهيب من احد.

وختم خطابه برسالة موجهة إلى رجال الدين: “عليهم أن يعلموا جيداً أن الحكومة منهم، هي وموجودة لأجلهم، ولكنها يجب أن تُطاع.”(19) تجمهر جمع من طلاب المدارس الدينية حول مبنى البرلمان خلال القاء كلمة الجابري وهم يهتفون: “يسقط، يسقط، يسقط!”

كاد العصيان أن يكبُر ويستمر لولا لجوء الجابري إلى الحيلة، فتدخل لدى رئيسة الإتحاد النسائي، عادلة بيهم الجزائري، وطلب منها أن تمنع معونة الخبز عن الناس ليوم واحد فقط، وتقول لهم: “اذهبوا إلى رجال الدين، وخذوا خبزكم من المشايخ!”(20)

تجاوبت عادلة بيهم مع مطلب رئيس الحكومة، وفي اليوم التالي، تم الاعتذار من كل سيدة جاءت إلى نوافذ توزيع الخبز، التي كانت الحكومة السورية تقوم بتوزيعه حصرياً على الناس خلال سنوات الحرب العالمية الثانية. انقلب السحر على الساحر، فلم يكن بوسع رجال الدين تأمين حاجة دمشق اليومية من الإعاشة، وتحوّلت المظاهرات من مؤيدة لهم إلى ناقمة عليهم، وفض الإضراب عند هذا الحد. فُتِحت الأسواق وقررت حكومة الجابري تجاوز الأمر وعدم ملاحقة أي من مثيري الشغب، وتم اطلاع سراح الشّيخ محمد الأشمر.

العدوان الفرنسي 29 أيار 1945

خلال اجتماع عقد بين الرئيس شكري القوتلي ورئيس الحكومة البريطانية ونستون تشرشل في مصر في شباط 1945، تقرر أن تُعلن سورية الحرب على دول المحور وتساعد على محاربة النازية مُقابل دعوتها لحضور المؤتمر التأسيسي لمنظمة الأمم المتحدة. أعلنت سورية الحرب على ألمانيا وإيطاليا واليابان، وسافر فارس الخوري إلى مدينة سان فرانسيسكو على رأس وفد حكومي لحضور مؤتمر تأسيس الأمم المتحدة في منتصف العام 1945. وخلال تواجده في الولايات المتحدة، وقع عدوان فرنسي على مدينة دمشق، عندما كان سعد الله الجابري رئيساً لمجلس النواب. كانت فرنسا شديدة الانزعاج من القادة السوريين، بسبب علاقتهم مع بريطانيا وذهابهم إلى الأمم المتحدة بدعمٍ بريطاني، حيث عملوا على إدانة الانتداب الفرنسي وحشد المجتمع الدولي ضده.

وكان الجو مشحوناً للغاية داخل سورية بعد وصول تعزيزات عسكرية إلى مدينة دمشق ونصب حواجز فرنسية في وسط العاصمة مع عناصر مدججة بالسلاح. قررت فرنسا التخلص من شكري القوتلي وجميل مردم بك وسعد الله الجابري، وقامت بافتعال حادثة على مدخل مجلس النواب المُقابل لنادي الضباط في طريق الصالحية عصر يوم 29 أيار 1949.

أنزل الفرنسيون العلم السوري ورفعوا العلم الفرنسي مكانه، وطلبوا من عناصر حامية الدرك المرابطة على أبواب المجلس إلقاء التحية للعلم الفرنسي.(21) وعندما رفض العناصر تنفيذ تلك الأوامر تم إطلاق النار عليهم، ليقتلوا على أبواب المجلس النيابي. دخلت قوات السنغال إلى مبنى البرلمان، وهم قوام جيش الشرق الفرنسي التابع لسلطة الانتداب الفرنسي، بحثاً عن سعد الله الجابري بنية اعتقاله أو اغتياله. كان الجابري قد غادر المبنى بسبب عدم توفر نصاب قانوني لعقد الجلسة التشريعية، وعندما لم يجدوه قاموا بإضرام  النار في مكتبه بعد مصادرة جميع الوثائق، ومعها الخزنة  الحديدية وختم رئيس البرلمان.(22)

وصل الرئيس الجابري إلى مكان إقامته في فندق الأوررينت بالاس في ساحة الحجاز، بعد أن قطع الفرنسيون جميع الاتصالات داخل مدينة دمشق وأغلقوا الحدود البريّة. ثم قُطعت الكهرباء عن المدينة وبدأ القصف المدفعي على قلعة دمشق، حيث يوجد السجن المدني وقيادة الدرك، وعلى محيط السراي الحكومي في ساحة المرجة، حيث كان وزير الخارجية جميل مردم بك.

في الساعة التاسعة ليلاً هرب مردم بك ورفاقه من السراي إلى منزل خالد العظم في سوق ساروجا، وظلّ الجابري مُحاصراً تحت القصف في الفندق. وقد انتشرت الشائعات في طول المدينة وعرضها، بأن الرئيس القوتلي قد قُتل وأن الجابري وجميل مردم بك قد هربوا إلى الأردن.

الهروب إلى لبنان

كان بطريرك موسكو ألكسي الأول نزيلاً في فندق الأوريانت بالاس مع الجابري، وقد وصل دمشق صباح يوم 29 أيار. طلبت السفارة السوفيتية من الحاكم العسكري الفرنسي الكولونيل أوليفيا روجيه وقف القصف لإجلاء البطريرك وفتح طريق آمن له لكي يتمكن من السفر إلى لبنان. عرض البطريرك الروسي على الرئيس الجابري السفر معه إلى بيروت، وعندما وصلوا إلى حدود المصنع لم يرغب الجابري أن يدخل الأراضي اللبنانية تحت حماية روسية فترجّل من سيارة البطريرك واستقل سيارة نقل سورية، أوصلته إلى مقر السراي الحكومة في بيروت، حيث كان في استقباله رئيس الحكومة اللبنانية عبد الحميد كرامي. وضع كرامي مكتبه تحت تصرف الجابري، الذي عقد مؤتمراً صحفياً وتكلّم عن المجزرة التي حصلت في دمشق، ثم سافر إلى القاهرة لحضور اجتماع في جامعة الدول العربية.(23)

وقد صدرت إدانات عربية ودولية بحق الفرنسيين، تبعهم إنذار بريطاني شهير في 1 حزيران 1945، مُطالباً بانسحاب القوات الفرنسية عن سورية. شارك سعد الله الجابري في المفاوضات النهائية مع فرنسا، حول تسلّم المصالح المشتركة مع لبنان، ومنها المطارات والسجون والمرافق الحيوية.

حكومة الجابري الثانية (30 أيلول 1945 – 27 نيسان 1946)

سعد الله الجابري مع الرئيس شكري القوتلي والرئيس هاشم الأتاسي في عيد الجلاء سنة 1946.
سعد الله الجابري مع الرئيس شكري القوتلي والرئيس هاشم الأتاسي في عيد الجلاء سنة 1946.

في نهاية شهر أيول من العام 1945 طلب الرئيس القوتلي من سعد الله الجابري تشكيل الحكومة السورية الجديدة. وقد جاءت على الشكل التالي:

سعد الله الجابري (الكتلة الوطنية): رئيساً للوزراء ووزيراً للخارجية

لطفي الحفار (الكتلة الوطنية): ووزيراً للداخلية

نعيم أنطاكي (الكتلة الوطنية): وزيراً للمالية والأشغال العامة

صبري العسلي (الكتلة الوطنية): وزيراً للعدلية والمعارف

حسن جبارة (مستقل): وزيراً للاقتصاد والإعاشة والتموين

وقد أشرفت هذه الحكومة على جلاء القوات الفرنسية عن سورية، الذي أنجر يوم إعلان الجلاء في 17 نيسان 1946.

حكومة الجابري الثالثة (27 نيسان – 27 كانون الأول 1946)

وبعدها بعشرة أيام، قام الجابري بإعادة تشكيل حكومته، للمرة الثالثة والأخيرة. وكانت حكومته الثالثة على الشكل التالي:

سعد الله الجابري (الكتلة الوطنية): رئيساً للوزراء ووزيراً للخارجية

نبيه العظمة (الكتلة الوطنية): وزيراً للدفاع

صبري العسلي (الكتلة الوطنية): وزيراً للداخلية

ميخائيل إليان (الكتلة الوطنية): وزيراً للأشغال العامة

ادمون حمصي (الكتلة الوطنية): وزيراً للمالية

خالد العظم (مستقل): وزيراً للعدلية والاقتصاد

المهندس أحمد الشرباتي (مستقل): وزيراً للمعارف

كانت هذه هي الأولى في عهد الاستقلال وقد استمرت بالعمل لغاية 27 كانون الأول 1946. وقد استقالة سريعاً بسبب تدهور صحة رئيسها، الذي كان يُعاني من تشمّع بالكبد مما أفقده القدرة على مُمارسة أعباء رئاسة الحكومة. فقد أُدخل إلى مستشفى المواساة في مدينة الإسكندرية خلال إحدى اجتماعات جامعة الدول العربية، وبقي فيها مدة طويلة، يتلقى العلاج من أطباء مصرييين تحت إشراف الملك فاروق وبرعاية السيدة صفيّة زغلول، حرم الزعيم المصري الراحل سعد زغلول.(23)

ومن على سرير المرض، قدم الجابري استقالة حكومته للرئيس شكري القوتلي يوم نهاية العام 1946 حيث كان من المُفترض أن يُسافر إلى الولايات المتحدة لتلقي العلاج، ولكنّه توفي قبل أن يتمكن من ذلك.(24)

وجاء وفي رواية خالد العظم أن الرئيس الجابري استقال مُجبراً بطلب من الرئيس القوتلي. يقول العظم في مذكّراته: “أرسل السيد محسن البرازي (أمين عام القصر الجمهوري) إلى الإسكندرية ليجتمع بالجابري ويأخذ منه كتاب الاستقالة إلى أن المشار إليه قابل الموفد باشمئزاز وحمله رسالة شديدة اللهجة للقوتلي،  تتضمن معاتبة لأنه استعجل في طلب الاستقالة، مُعتبراً بذلك دليلاً على القنوط في شفائه، مما يؤدي إلى انهيار مقاومته المعنوية للمرض.”(25)

تأسيس الحزب الوطني

آخر نشاط سياسي لسعد الله الجابري كان مشاركته في تأسيس الحزب الوطني، الذي أُشهر في دمشق يوم 29 آذار 1947. لم يكن الجابري حاضراً في مؤتمر التأسيس بسبب شدة مرضه، وناب عنه شقيقه الأكبر فاخر الجابري. أما مؤسس الحزب فكان السياسي الدمشقي نبيه العظمة، وزير الدفاع الأسبق في حكومة الجابري الثانية، المدعوم من قبل الرئيس شكري القوتلي.

دعا الحزب الوطني للحفاظ على وحدة سورية وتعزيز استقلالها، وطالب باحترام وتقوية نظامها الجمهوري، مما جعله في مواجهة مباشرة مع الأسرة الهاشمية الحاكمة في كلّ من بغداد وعمّان، التي كانت تسعى إلى استعادة العرش الهاشمي في سورية. وقد عارض الحزب مشروع سورية الكبرى الذي دعا إليه ملك الأردن عبد الله الأول، ومشروع الهلال الخصيب الذي أطلقه رئيس وزراء العراق نوري السعيد.

وفي 23 نيسان 1947 انتُخبت هيئة عامة للحزب الوطني وانبثق عنها مجلس مؤلف من سعد الله الجابري رئيساً ولطفي الحفار نائباً للرئيس، يعاونهم صبري العسلي أميناً للسر ومظهر رسلان مراقباً وعبد الرحمن كيالي خازناً، وجميعهم كانوا أعضاء سابقين في الكتلة الوطنية.  وعند وفاة الجابري ذهبت رئاسة الحزب لنبيه العظمة وظهرت معارضة منظمة ضده في حلب، قادها رشدي الكيخيا وناظم القدسي، خصوم الجابري في انتخابات 1943.

الوفاة

توفي سعد الله الجابري في حلب عن عمر ناهز 54 عاماً يوم 20 حزيران 1947. وقد أعلن الحداد العام على “فقيد سورية” وأجريت له جنازة رسميّة خُرق فيها البروتوكول وشيّع الجابري بمراسيم رئيس جمهورية، محمولاً على عربة مدفع ونعشه مجلّلاً بالعلم السوري، وقد تقدم المشيعين كل من رئيس الجمهورية شكري القوتلي ورئيس الحكومة جميل مردم بك.(26) في مذكراته وصف الأمير عادل أرسلان، وزير المعارف في حكومة الجابري، مراسيم التشييع قائلاً: “كان سعد الله وطنياً، أبياً، صادقاً، مخلصاً، جواداً وفياً. تأبين شكري القوتلي له كان مؤثراً فقد بكى وأبكى السامعين.”

تكريم الجابري

وقد أُطلق اسم سعد الله الجابري على شارع وحيّ في كل مدينة سورية، ونُصِب له تمثال في مدينة حلب وسط ساحة عريقة حملت اسمه، ولكنها دُمّرت خلال الحرب السورية سنة 2012. كما صدر طابع بريد يحمل رسمه مع عدد من الدراسات عن حياته، منها سعد الله الجابري وحوار مع التاريخ، للكاتبة رياض الجابري (دمشق 2006)، و”سعد الله الجابري: رجل الاستقلال وبناء الدولة” للمؤلف محمّد علي شحادة جمعة (دمشق 2008)، الذي قدّم له وزير الدفاع في حينها العماد أول مصطفى طلاس.

وصف سعد الله الجابري

في مذكراتها المنشورة سنة 1947، تقول الليدي سبيرز، حرم السفير البريطاني إدوارد سبيرز: “كان سعد الله الجابري أنيقاً رقيقياً، ذا رأس أشيب فضي، ووجه ناعم التكوين، ولكنه يؤذن بأن صاحبه من أولي العزم الشديد.”(27)

 

المصدر
1. رياض الجابري. سعد الله الجابري وحوار مع التاريخ (دمشق 2006)، 102. فيليب خوري. سورية والانتداب الفرنسي (باللغة الإنكليزية - جامعة برينستون 1987)، 2713. عبد الغني العطري. أعلام ومبدعون (دار البشائر، دمشق 1999)، 584. محمد رضوان الأتاسي. هاشم الأتاسي: حياته وعصره (دمشق 2005)، 565. ماري الماظ شهرستان. المؤتمر السوري العام 1919-1920 (دار أمواج، بيروت 2000)، 1976. باتريك سيل. الصراع على الاستقلال العربي (باللغة الإنكليزية، جامعة كامبريدخ، 2010)، 6747. فيليب خوري. سورية والانتداب الفرنسي (باللغة الإنكليزية - جامعة برينستون 1987)، 1258. نصوح بابيل. صحافة وسياسة: سورية في القرن العشرين (دار رياض نجيب الريّيس، لندن 1987)، 409. فيليب خوري. سورية والانتداب الفرنسي (باللغة الإنكليزية - جامعة برينستون 1987)، 12510. محمد رضوان الأتاسي. هاشم الأتاسي: حياته وعصره (دمشق 2005)، 14911. محمد الفرحاني. فارس الخوري وأيام لا تنسى (دار الغد، بيروت 1965)، 19512. نصوح بابيل. صحافة وسياسة: سورية في القرن العشرين (دار رياض نجيب الريّيس، لندن 1987)، 12813. نصوح بابيل. صحافة وسياسة: سورية في القرن العشرين (دار رياض نجيب الريّيس، لندن 1987)، 13414. وصفي المالح. تاريخ المسرح السوري ومُذكراتي (دمشق 1984)، 11215. علي الطنطاوي. ذكريات، الجزء الخامس (دار المنارة، السعودية 1985)، 24816. نفس المصدر، 24117. نفس المصدر18. وثائق وزارة الخارجية البريطانية، 684-15-1، مُرسل من بيوموت (دمشق) إلى لندن، بتاريخ 22 أيار 1944.19. نفس المصدر20. وثائق وزارة الخارجية البريطانية، تقرير من روبيرت فلاك (دمشق) إلى لندن (23 آيار 1944).21. سلمى مردم بك. أوراق جميل مردم بك (شركة المطبوعات، بيروت 1994)، 43422. نفس المصدر23. نفس المصدر، 44024. رياض الجابري. سعد الله الجابري وحوار مع التاريخ (دمشق 2006)، 16624. نصوح بابيل. صحافة وسياسة: سورية في القرن العشرين (دار رياض نجيب الريّيس، لندن 1987)، 30925. خالد العظم. مُذكّرات، الجزء الأول (الدار المتحدة، بيروت 1972)، 32926. نصوح بابيل. صحافة وسياسة: سورية في القرن العشرين (دار رياض نجيب الريّيس، لندن 1987)، 31027. الليدي سبيرز. قضية الاستقلال في سورية ولبنان (دار العلم للملايين، بيروت 1947)، 70

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!