أعلام وشخصياتسياسيون ورجال دولة

معروف الدواليبي

رئيس حكومة (1951 و 1961-1962).

الرئيس الدكتور معروف الدواليبي
الرئيس الدكتور معروف الدواليبي

مَعْرُوفْ اَلدَّوَالِيبِي (29 آذار 1909 – 15 كانون الثاني 2004)، سياسي سوري ورجل دولة من حلب، شكّل حكومتان في تاريخ سورية الحديث، كانت الأولى في عهد الرئيس هاشم الأتاسي سنة 1951 والثانية في عهد الرئيس ناظم القدسي سنة 1961.

انتُخب رئيساً للبرلمان السوري من حزيران حتى تشرين الأول 1951، وتولّى حقيبة الاقتصاد الوطني ثم وزارة الدفاع في مرحلة ما قبل الوحدة السورية المصرية.

هو أحد القادة التاريخيين لحزب الشعب وكان من مُشرعي دستور سنة 1950. وقد شارك الدواليبي في تأسيس كلية الشريعة في جامعة دمشق وعَمِل ضمن هيئتها التدريسيّة، وكان وبعد خروجه من سورية سنة 1963 مُسْتَشَارًا لملوك السعودية حتى وفاته عام 2004.

البداية                                                                             

ولِدَ معروف الدواليبي في مدينة حلب وهو سليل أسرة يعود نسبها إلى الصحابي فيروز الديلمي الذي ولّي على صنعاء في عهد معاوية بن أبي سفيان.(1) دَرَسَ العلوم الشرعية في مدرسة مسجد الإسماعيلية بجوار بلدية حلب، التي سُمّيت فيما بعد بالمدرسة الخسروية. ثم التحق بكلية الحقوق في جامعة دمشق ونال شهادتها سنة 1940.

مع الكتلة الوطنية

انتَسَب في شبابه  إلى الكتلة الوطنية وانتُدب من قبلها للإشراف على الاستفتاء التي أقامته عصبة الأمم في لواء إسكندرون، وكانت نتيجته سلخ المنقطة عن سورية وضمّها إلى تركيا.(2) كان ذلك خلال عهد الكتلة الوطنية الأول في الحكم، وخلال رئاسة هاشم الأتاسي. توجّه بعدها إلى فرنسا لدراسة الحقوق الرومانية في جامعة باريس، حيث انتُخب رئيساً لرابطة الطلاب العرب.

الزواج

اِقتَرَنَ معروف الدواليبي من فتاة فرنسية من عائلة محافظة كان يُقيم عندها خلال فترة دراسته الجامعية. كانت هذه الفتاة تدرُس في لندن وكان أفراد أُسرَتهَا يعملون رُهباناً في الكنائس، ومع ذلك لم تُمانع اعتناق الإسلام ديناً وقد شاركت زوجها في مراحل نضاله المُختلفة ضد الفرنسيين والبريطاننين.(3) وكانت أولى مساهماتها السفر مع الدواليبي إلى ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية، للعمل معه ومع الرايخ الثالث، المُعادي لليهود وللصهيونية.

العمل مع هتلر

قرار سفر الدواليبي إلى ألمانيا جاء بعد توجّه مُفتي القدس الحاج أمين الحُسيني إلى برلين، طالباً العون المادي والعسكري من الزعيم النازي أدولف هتلر. جمعتهما مع هتلر مصالح مشتركة ضد الإنكليز والصهاينة وقد وعد هتلر بإلغاء وعد بلفور وتحرير البلاد العربية من الاستعمار الفرنسي والبريطاني، مُقابل الحصول على دعم من العالم الإسلامي. وكان هذا الأمر يروق جداً لمعروف الدواليبي ورفاقه المُتطرفين في كرهِهم للصهيونية، وقد أحبّوا أمين الحُسيني ووثقوا به منذ أن كان قائداً لثورة مُسلّحة ضد البريطانيين في بلاده سنة 1936.

في برلين، وضع الدواليبي نفسه تحت تصرف المُفتي وعمل معه على الترويج للقضية العربية داخل المجتمع الألماني وحشد الدعم ضد الصهيونية.  ولكنه وعند سقوط العاصمة الألمانية واحتلالها عسكريّاً هرب الدواليبي  إلى مدينة الفاشتاين في جبال اليرون النمساوية، حيث كان من المُقرر أن يتم نقل مكتب هتلر ومكتب السفير الياباني.(4)  ولكن هتلر لم يتمكّن من مُغادرة برلين وانتَحَرَ في إحدى أقبيتها العسكرية يوم 30 نيسان 1945.

قبل وفاته، كان هتلر قد أوصى القيادة النازية بنقل الدواليبي ورفاقه إلى السعودية، لكي لا يقعوا أسرى في أيدي الجيوش الأميركية والبريطانية والفرنسية. وقد وعدت القيادة الألمانية بتنفيذ أوامر الفوهرر، غير أن المطارات قصفت كلها. قرر الألمان عندئذ نقل أمين الحُسيني في طائرة خاصة تُقلع من أعالي الجبال، ولكن الحكومة السويسرية قامت باعتراضها وألقت القبض عليه وسلّمته إلى الفرنسيين. ثم أُلْقِي القبض على أنصاره وجُمِعوا بمكان واحد داخل الأراضي الألمانية، بانتظار نقلهم إلى السجون الأميركية.

تمكن الدواليبي من الفرار وقال لأحد الحرّاس إنه من رعايا المُستعمرات الفرنسية وتحجج  بأن زوجته مواطنة فرنسية. وقد افتعل قصة كاذبة للخروج من المُعتقل، بأن قوات فرنسا الفيشية الموالية لهتلر قد اعتقلته خلال الحرب، مدعياً أنه كان مناهضاً للفاشية والنازية، فسُمح له بالخروج من ألمانيا والعودة إلى فرنسا وبعد كتابة العبارة التالية على أوراقه: “يُتابع سفره إلى دمشق، لأنه تحت الحماية وعذرُه أنه اعتُقل.”(5)

العودة إلى باريس

بعد وصوله باريس مع زوجته عَلِم الدواليبي أنه مطلوب من قبل المباحث الفرنسية، فلجأ إلى منزل ناجية ذي الفقار، عمّة الملك فاروق المُقيمة في فرنسا والتي كانت تتمتع بحصانة ديبلوماسية.(6) وكان الدواليبي قد هرّب معه من ألمانيا سائق الحاج أمين، وهو مواطن سوري يُدعى خالد رمضان، الذي طُلب منه تسليم نفسه إلى السلطات الفرنسية ليتم نقله إلى مكان احتجاز المُفتي. تجاوب السائق من هذا الطلب وأرسل رسالة سريّة إلى معروف الدواليبي عن مكان اعتقال أمين الحُسيني، في فيلّا داخل قرية صغيرة على نهر اللوار جنوب باريس. (7)

تهريب مفتي القدس في فرنسا

قرر الدواليبي تهريب المُفتي من معتقله وحصل على مبلغ  100 ألف فرنك فرنسي من السفير السوري في باريس عدنان الأتاسي، خُصّصت لهذه العملية.(8) ولكنه لم يتمكن من ذلك بسبب الحراسة المُشددة على أمين الحُسيني، فانتظر الدواليبي قليلاً حتى تغير الأوضاع الدولية ونشوب خلاف بين بريطانيا وفرنسا، بسبب دعم الرئيس ونستون تشرشل لقضية استقلال سورية ودعوة وفد من دمشق إلى الولايات المتحدة للمشاركة في تأسيس الأمم المتحدة في أيار 1945.

انزعج شارل ديغول من التدخل البريطاني في شؤون سورية ومن دعوتها إلى الأمم المتحدة، كما غضب من إبعاده عن قمّة يالطا التي جمعت بين تشرشل والرئيس شكري القوتلي في مصر، بعد اجتماع تشرشل مع نظيره الأمريكي فرانكلين زوزفلت و الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين في مؤتمر يالطا، الذي لم يُدعى إليه شارل ديغول. لعِب الدواليبي على هذا الخلاف وأقنع الفرنسيين بضرورة الإفراج عن أمين الحُسيني للضغط على البريطانيين والنيل من سياساتهم في الشرق الأوسط.

وبالفعل، قررت فرنسا إطلاق سراح المُفتي ونقله إلى منزل جديد لا يعرف مكانه إلى قائد الشرطة العسكرية الفرنسية. من هنا بدأت المرحلة الثانية من تهريب المُفتي، بتخطيط وتنفيذ من الدواليبي. زاره في مكان إقامته الجبرية وطلب منه حلق لحيته وخلع عمامته وارتداء بزة وقبعة إفرنجية، ثم أخذ له صورة له بحلّاسه الجديد ووضعها على جواز سفر سوري مزوّر، صادر باسم معروف للدواليبي.(9) ثم قام بحجز تذكرة له وأرسله إلى مصر، على أساس أنه المواطن السوري معروف الدواليبي ليس مُفتي القدس أمين الحُسيني، المطلوب والملاحق دولياً.

وصل المُفتي إلى مصر وتم اعتقال الدواليبي فوراً بجريمة تهريبه من فرنسا. ولكن السلطات الفرنسية أفرجت عنه بعد حين، لأنها لم تكن مُنزعجة كثيراً من تخلّصها من أمين الحُسيني، لما في ذلك من إحراج وتحدّي لبريطانيا العظمى، فعاد معروف الدواليبي إلى سورية في 14 تموز 1946. وكان الجنرال ديغول قد أوصى السفينة الفرنسية التي نقلته إلى مصر، ومن ثمّ إلى سورية، بأن لا تُعطي اسمه لأي جهاز أمني، لكي يصل موطنه سالماً.(10)

في جامعة دمشق

بعد أشهر من عودته إلى سورية، عُيّن الدكتور الدواليبي أستاذاً لمادة الحقوق الرومانية في جامعة دمشق، ثمّ عضواً في اللجنة المُكلّفة بإنشاء كلية الشريعة التي كان يتقدمها الشّيخ مصطفى السباعي، زعيم حركة الإخوان المسلمين في سورية. وعند افتتاحها في منتصف الخمسينيات، صار يُدرس فيها مادتي أصول الفقه الإسلامي والحديث الشريف.(11)  وكان وعند وصوله دمشق قد طُرح عليه منصب سفير سورية في السعودية سنة 1946 ولكنه رفض وفضّل العمل في مهنة التدريس.(12)

معروف الدواليبي مع رفاقه في حزب الشعب، عدنان الأتاسي وفيضي الأتاسي.
معروف الدواليبي مع رفاقه في حزب الشعب، عدنان الأتاسي وفيضي الأتاسي.

مع حزب الشعب

دخل معروف الدواليبي عالم السياسة عبر الانتخابات النيابية لعام 1947، حيث ترشّح بصفة مُستقل بعد أن كانت الكتلة الوطنية قد حلّت نفسها منذ تحقق الجلاء قبل أشهر.

وفي سنة 1948 شارك في تأسيس حزب الشعب، وهو أول حزب سياسي مُعارض في مرحلة الاستقلال، ولِد من رحم الانتخابات النيابية وكان يطمح لإسقاط حكم الرئيس شكري القوتلي وتعزيز موقع مدينة حلب الاقتصادي والسياسي عبر اقامة وحدة مع العراق. اعترض الدواليبي على تعديل الدستور للسماح لشكري القوتلي بولاية رئاسية ثانية ولكنه رفض تأيد الانقلاب الذي أطاح به وبحكمه يوم 29 آذار 1949.

اجتمع الدواليبي بمهندس الانقلاب، الزعيم حسني الزعيم، الذي عرض عليه التعاون، ولكن الدواليبي رفض وقال له إن قلّة الثقة بالعهد البائد لا تعني القبول بنظام عسكري، مُسجلاً اعتراضه على نزول الدبابات إلى الشوارع واعتقال رئيس الجمهورية.(13)

دستور عام 1950

وبعد سقوط عهد حسني الزعيم ومقتله في منتصف شهر آب من العام 1949، عُقد اجتماع في مبنى الأركان، دعا له مهندس الانقلاب الجديد اللواء سامي الحناوي، المحسوب على العراق، وحضره معظم السياسيين القدامى ومعهم معروف الدواليبي.(14)

قال الحناوي أنه لا يرغب بتسلّم الحكم وأنه سيكتفي برئاسة الأركان ويعيد الجيش إلى ثكناته. وقد تقرر في هذا الاجتماع أن يعود هاشم الأتاسي إلى الحكم للإشراف على انتخاب مؤتمر تأسيسي يكون مُكلّف بوضع دستور جديد للبلاد بدلاً من الدستور الذي قام حسني الزعيم بحلّه قبل أشهر.خاض معروف الدواليبي تلك الانتخابات على قائمة حزب الشعب وأصبح مشرّعاً في المؤتمر التأسيسي الذي وضع دستور سورية الجديد.

الدواليبي وزيراً للاقتصاد

وفي 27 كانون الأول 1949، سُمّي معروف الدواليبي وزيراً للاقتصاد في حكومة الرئيس خالد العظم، إضافة لمهامه في اللجنة الدستورية. توجّه الدواليبي  إلى القاهرة وحصل على قرض من الحكومة المصرية، بقيمة ستة ملايين دولار أميركي، للنهوض بالاقتصاد السوري، وبعدها ذهب إلى الرياض لإبرام معاهدة الصداقة والتجارة مع السعودية في كانون الثاني 1950.(15)

وقد أثار الوزير الدواليبي اهتمام الصحف العالمية عندما صرح من تحت قبة المجلس النيابي أنه مستعد للتحالف مع الاتحاد السوفيتي للوقوف أمام الصهيونية العالمية. وقد جاء في تصريحه: “إن استمر الضغط الأمريكي على العرب، لجعلهم يسيرون بالاتجاه السوفيتي، وأنا أقترح إجراء استفتاء في العالم العربي ليعرف الملأ ما إذ كان العرب يفضلون ألف مرة أن يصبحوا جمهورية سوفيتية على أن يكونوا طعمة لليهود.”(16)

حكومة الدواليبي الأولى (28-29 تشرين الثاني 1951)

جاء قرار التكليف من الرئيس هاشم الأتاسي، وكان العُرف يومها يقضي أن تذهب حقيبة الدفاع إلى اللواء فوزي سلو، ممثل العقيد أديب الشيشكلي. وكان الشيشكلي قد نفذ انقلاباً عسكرياً داخل الجيش في نهاية العام 1949، وقام باعتقال سامي الحناوي لاجهاض أي تقارب سورية عراقي. لم يتسلّم الحكم بل فضّل البقاء في أروقة المؤسسة العسكرية، مُشترطاً على جميع الحكومات المدنية تعيين فوزي سلو في حقيبة الدفاع، لكي لا يتم طرح مشروع وأي حدة مع العراق داخل السلطة التنفيذية.

ولكن الدواليبي رفض الانصياع إلى مشيئة العسكر وشكّل حكومته دون الرجوع إلى أديب الشيشكلي وأخذ موافقته، فتولّى حقيبة الدفاع بنفسه.(17) أما بقية المناصب فقد ذهبت في معظمها إلى قادة حزب الشعب، فقام بتعيين أحمد قنبر وزيراً للداخلية وعلى بوظو وزيراً للاقتصاد وهاني السباعي وزيراً للمعارف. غضب الشيشكلي من هذا التطاول وهدد الدواليبي برد السريع. وعندما لم يستجيب الأخير، نفذّ أديب الشيشكلي انقلابه الثاني صباح يوم في 29 تشرين الثاني 1949 وقام باعتقال الدواليبي مع جميع أعضاء حكومته.

في عهد الشيشكلي

وكان الدواليبي وقبل اعتقاله قد نال ثقة مجلس النواب عند تلاوة بيان حكومته التي وعد بأن تحافظ على نظام سورية الجمهوري وتُراعي توازنات الحرب الباردة. قال أنه لن يدخل في مواجهة لا مع الولايات المتحدة ولا مع الاتحاد السوفيتي، رافعاً شعار: “المزيد من الأصدقاء لسورية.”(18) مع ذلك وصفته الصحف الأميركية بأنه أحد أشرس أعداء الولايات المتحدة في العالم العربي، وأكثرهم هجوماً على الغرب بسبب مواقفه السابقة من الاتحاد السوفيتي.(19)

سيق معروف الدواليبي إلى سجن المزة، بأمر من أديب الشيشكلي، وفي 2 كانون الأول 1951، استقال الرئيس هاشم الأتاسي من منصبه احتجاجاً على الانقلاب الجديد. في نفس اليوم، قام الشيشكلي بتعيين فوزي سلو رئيساً للدولة، وفرض أحكاماً عرفية وحكماً عسكرياً دام حتى سنة 1954. واحداً تلو الأخر، استقال وزراء الدواليبي من مناصبهم وخرجوا من السجن، إلّا رئيس الحكومة الذي أصرّ على موقفه وبقي في المعتل حتى كانون الثاني 1952.(20) تم اخراجه من السجن لفترة قصيرة، ليُعاد سجنه حتى 29 حزيران 1953، بسبب شدة انتقاداته لأديب الشيشكلي.

بعد خروجه من المُعتقل، توجه الدواليبي إلى مدينة حمص لحضور اجتماع في منزل الرئيس المُستقيل هاشم الأتاسي، تقرر فيه عدم الاعتراف بشرعية حكم الشيشكلي ورفض الدستور الذي كان قد فرضه على البلاد.

وعند تولى الشيشكلي رئاسة الجمهورية في صيف العام 1953، ضاعف الدواليبي من معارضته للحكم وهرب من سورية تفادياً للاعتقال، حيث أقام في العراق ومن ثمّ في لبنان. ومن منفاه الجديد، راقب الثورة العسكرية التي انطلقت ضد أديب الشيشكلي من جبل الدروز وحمص، ونجحت باسقاطه في نهاية شهر شباط من العام 1954.

عند سماعه نبأ استقالة الشيشكلي ثم هروبه خارج الحدود، عاد الدواليبي إلى سورية وتوجه مجدداً إلى حمص لمرافقة هاشم الأتاسي في عودته إلى دمشق يوم 1 آذار 1954. وقد تقرر أن يعود الأتاسي إلى رئاسة الجمهورية لإكمال ما تبقى من ولايته الدستورية التي قُطعت بسبب انقلاب الشيشكلي.

معروف الدواليبي مع الرئيس هاشم الأتاسي في 1 آذار 1954.
معروف الدواليبي مع الرئيس هاشم الأتاسي في 1 آذار 1954.

الدواليبي وزيراً للدفاع

أعتَبَرت الطبقة السياسية يومها أن عهد الشيشكلي لم يمر على سورية وحاولت إعادة عقارب الساعة إلى عشيّة وقوع الانقلاب في 29 تشرين الثاني 1951، عندما كان الدواليبي رئيساً للحكومة. وبذلك، قدم معروف الدواليبي استقالة حكومته بشكل دستوري، ووافق عليها الرئيس هاشم الأتاسي، قبل أن يُعيين صبري العسلي خلفاً له في السراي الكبير. وفي هذه الحكومة سُمّي الدكتور الدواليبي وزيراً للدفاع من 1 آذار وحتى 29 حزيران 1954.

الوحدة السورية المصرية

كانت علاقة معروف الدواليبي جيدة بالرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي وصل إلى الحكم سنة 1952 بعد قيامه بثورة على الملك فاروق الأول. وقد اجتمع معه في القاهرة عندما زار مصر على رأس وفد نيابي وأيّد قرار تأميم قناة السويس سنة 1956، كما وقف مع عبد الناصر في حربه ضد بريطانيا وفرنسا وإسرائيل في ما عُرف بالعدوان الثلاثي. ولكنه عارض عبد الناصر في حربه ضد الإخوان المسلمين وفي الدولة البوليسية التي أوجدها في مصر. مع ذلك، بارك معروف الدواليبي قيام الوحدة السورية المصرية وصوت لصالحها من داخل مجلس النواب سنة 1958، أملاً أن يستطيع الرئيس المصري وضع حد لتجاوزات العسكر في سورية.

حكومة الدواليبي الثانية (22 كانون الأول 1961 – 19 حزيران 1962)

كان معروف الدواليبي متواجداً في القاهرة يوم انقلاب الانفصال على جمهورية الوحدة في 28 أيلول 1961، فعاد مُسرعاً إلى دمشق.(21) ترشّح الدواليبي في الانتخابات النيابية التي جرت في مطلع عهد الانفصال وفاز بغالبية أصوات مدينة حلب، مما جعله مُرشحاً لتولّي رئاسة الحكومة من جديد.(22) وقد جاء تكليفه بهذا المنصب بطلب من غالبية أعضاء المجلس، يُساندهم رئيس رابطة العُلماء الشّيخ مكي الكتاني والدكتور ناظم القدسي، زميله في حزب الشعب الذي كان قد انتُخب رئيساً للجمهورية في كانون الأول 1961.(23)

رفض الدواليبي التكليف، وقال للرئيس القدسي أنه لا يجوز أن تكون رئاسة الجمهورية والحكومة في أيد شخصيات حلبية.(24) وفي مُذكّراته، يقول الدواليبي: “أذاع ناظم القدسي بياناً بتكليفي دون عِلمي، واستدعاني فجئت وقلت له: يا ناظم بك أخطأت، واغرورقت عيناي بالدموع.”(25) ولكنه وتحت الإصرار والضغط، قبل التكليف وشكل حكومته الثانية والأخيرة في الأسبوع الأخير من العام 1961، وكانت الأكبر في تاريخ سورية، مؤلفة من 16 وزيراً. تولّى الدوليبي حقيبة الخارجية وذهبت بقية الحقائب السيادية إلى رفاقه من حزب الشعب، مثل وزارة الداخلية، التي أوكلت إلى أحمد قنبر، ووزارة الدفاع، التي ذهبت إلى رشاد برمدا.

ولكن الدواليبي اصتدم مجدداً مع العسكر، تماماً كما فعل في فترة حكومته الأولى قبل عشر سنوات. في هذه المرة، كانت المواجهة مع العقيد عبد الكريم النحلاوي، قائد انقلاب الانفصال، الذي تحرك ضده بانقلاب جديد يوم 23 آذار 1962 وقام باعتقال كل من الرئيس القدسي والرئيس الدواليبي. وقد جاء في مُذكّرات الدواليبي أن انقلاب النحلاوي كان بدعم وتمويل من الرئيس جمال عبد الناصر، الذي أراد الاطاحة بحكام سورية الجدد، ووجد أن النلاوي كان على أتم الاستعداد للقيام بهذه المهمة، بعد أن كان الدواليبي قد أبعده عن دائرة صنع القرار منذ تسلمه رئاسة الحكومة.

ولكن فترة الاحتجاز لم تستمر وقام قائد الجيش اللواء عبد الكريم زهر الدين بالتمرد على النحلاوي يوم 1 نيسان 1962. أُطلق سراح الموقوفين وعاد القدسي إلى القصر الجمهوري والدواليبي إلى السراي الحكومي، حيث ظلّ رئيساً للحكومة حتى مطلع صيف عام 1962.

المواجهة مع عفلق

في 8 آذار 1963، وقع انقلاب جديد في سورية، قام به مجموعة من الضُبّاط الناصريين والبعثيين الموالين للرئيس عبد الناصر. اعتقلوا القدسي و الدواليبي مُجدداً، و شمولهم بقرار العزل المدني الصادر عن مجلس قيادة الثورة، بتهمة تأييد وشرعنة “جريمة الانفصال.”

أُطلق سراح الرئيس القدسي وبقى الدواليبي محتجزاً في سجن المزة حتى منتصف عام 1964، عندما تم الإفراج عنه بأمر من رئيس الدولة أمين الحافظ، الذي كان قد زاره في السجن وتعامل معه باحترام. وعند خروجه من المُعتقل، دُعي لزيارة الحافظ في القصر الجمهوري، في محاولة لاقامة صلح بينه وبين ميشيل عفلق، أمين عام حزب البعث. كانت علاقة الدواليبي بعفلق سيئة منذ أن عرفه مُدرّساً في ثانوية التجهيز الأولى بدمشق في منتصف الأربعينيات، وكان الخلاف بينهما عقائدياً وسياسياً وشخصياً.

رفض الدواليبي إلقاء التحية على عفلق، وقال لأمين الحافظ أنه وخلال فترة اعتقاله، طلب أن يأتيه مأمور السجن بنسخة من القرآن الكريم لكي يُصلي، فجاء بنسخة من كتاب عفلق الشهير في سبيل البعث وطلب منه أن يحفظها كنصٍ مُنزل ومُقدس. وعند هذا الحد، قال أمين الحافظ للدواليبي: “من الأفضل أن تترك هذا البلد.”(26)

المنفى الأخير

غادر معروف الدواليبي سورية وتوجه إلى لبنان، معلناً اعتزاله العمل السياسي في بلاده. وعندما عِلِم الملك فيصل بن عبد العزيز بأمره، دعاه إلى السعودية ليكون مُستشاراً خاصاً له، مُكلّفاً بتطوير ومراقبة عمل الديوان الملكي. وقد حلّ الدواليبي ضيفاً على السعودية وخدم الملك فيصل وأشقائه من بعده، الملك خالد ثمّ الملك فهد. وعَمِل رئيساً للمؤتمر الإسلامي وعضواً في المجلس الأعلى للمساجد في مكة المكرمة منذ عام 1975، كما كان رئيساً لمنظمة الإسلام والغرب، ومقرها مدينة جنيف السويسرية، منذ سنة 1989 وحتى عام 1984.

مذكرات الدواليبي

بدء معروف الدواليبي بتدوين مُذكّرات عبر حوارات مُنظمة مع الدكتور عبد القدوس أبو صالح، بدأت سنة 1987 وانتهت عام 1993. وتم جمعها في كتاب حمل عنوان مُذكّرات معروف الدواليبي، صدر في السعودية سنة 2005.

مؤلفاته

خلال حياته المديدة وضع معروف الدواليبي عدداً من الأبحاث القانونية والتاريخية والدينية، منها الوجيز في الحقوق الرومانية وتاريخها (دمشق 1961)، المدخل إلى أصول علم الفقه (بيروت 1965)، نظرات إسلامية في الاشتراكية الثورية (بيروت 1965) دراسات تاريخية عن أصل العرب وحضارتهم الإنسانية (بيروت 1971)، “الإسلام والسلام والمشكلات الإنسانية” (بيروت 1980)، و”الدولة والسلطة في الإسلام” (بيروت 1983).

الوفاة

توفي الدكتور معروف الدواليبي عن عمر ناهز 95 عاماً يوم كانون الثاني 2004 ودُفن في البقيع في المدينة المنورة.

المصدر
1. أبو صالح، عبد القدوس. مُذكّرات معروف الدواليبي (مكتبة العبيكان، السعودية 2005)، 132. نفس المصدر، 443. نفس المصدر، 52-534. نفس المصدر، 695. نفس المصدر، 736. نفس المصدر، 757. نفس المصدر، 76-778. نفس المصدر، 779. نفس المصدر، 9310. نفس المصدر، 10011. جورج فارس. من هم في العالم العربي (دمشق 1957)، 253-25412. أبو صالح، عبد القدوس. مُذكّرات معروف الدواليبي (مكتبة العبيكان، السعودية 2005)، 11013. نفس المصدر، 13114. عبد الغني العطري. أعلام ومبدعون (دار البشائر، دمشق 1999)، 4915. باتريك سيل. الصراع على سورية (باللغة الإنكليزية - لندن 1965)، 9216. عبد الغني العطري. أعلام ومبدعون (دار البشائر، دمشق 1999)، 4917. أسعد كوراني. ذكريات وخواطر مما رأيت وسمعت وفعلت ( دار رياض نجيب الريّس، بيروت 2000)، 24018. باتريك سيل. الصراع على سورية (باللغة الإنكليزية - لندن 1965)، 11519. نفس المصدر20. أبو صالح، عبد القدوس. مُذكّرات معروف الدواليبي (مكتبة العبيكان، السعودية 2005)، 15121. مطيع السمان. وطن وعسكر (مكتبة بيسان، بيروت 1995)، 4522. خالد العظم. مُذكّرات، الجزء الثالث (الدار المتحدة، بيروت 1972)، 22323. نفس المصدر، 22924. أبو صالح، عبد القدوس. مُذكّرات معروف الدواليبي (مكتبة العبيكان، السعودية 2005)، 15825. نفس المصدر26. نفس المصدر، 194

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!