أعلام وشخصياتسياسيون ورجال دولة

الأمير محمد سعيد الجزائري

حاكم مدينة دمشق سنة 1918.

الأمير محمد سعيد الجزائري
الأمير محمد سعيد الجزائري

الأمير محمّد سعيد الجزائري (1883-1970)، سياسي سوري من أصول جزائريّة، كان حاكماً على مدينة دمشق في الفترة الانتقالية ما بين سقوط الحكم العثمانية ودخول قوات الحلفاء نهاية الحرب العالمية الأولى، أي من 26 أيلول – 1 تشرين الأول 1918. وهو حفيد نزيل دمشق الأمير عبد القادر الجزائري.

البداية

ولد الأمير محمّد سعيد الجزائري في دمشق قبل أشهر قليلة من وفاة جدّه الأمير عبد القادر الجزائري. دَرَس في مدارس دمشق وإسطنبول وكان من الأعيان، وقد ظلّ موالياً للدولة العثمانية طوال سنوات الحرب العالمية الأولى، رافضاً الانضمام إلى الثورة العربية الكبرى التي أُطلقت من الصحراء العربية سنة 1916.

تحرير دمشق

عندما وصلت طلائع القوات العربية إلى مشارف مدينة دمشق استدعي الأمير محمّد سعيد إلى مقر الحاكم العثماني المؤقت في فندق فيكتوريا على ضفاف نهر بردى، وعُقد اجتماع بينه وبين جمال باشا المرسيني، الذي طلب منه تأمين خروج أمن للجنود العثمانيين.(1) كان الأمير سعيد يأتمر على قوة عسكرية من الجنود الجزائريين الموالين لأسرته، فأمرهم بتوفير الحماية للجنود الأتراك المنسحبين وللأحياء المنكوبة، ردعاً لأي عمليات سرقة أو تدمير.

المجموعة الأولى من رجاله نُشرت جنوب المدينة في حيّ الشاغور ووزعت الفرق الأخرى على الميدان، وباب شرقي، وباب توما، والقصاع، وحيّ الأكراد على سفح جبل قاسيون . وتوجهت مجموعة كبيرة من رجاله إلى أحياء الصالحية والمهاجرين، حيث منزل الحاكم العثماني ومعظم ضبّاطه، وذهبت مجموعة أخرى لحماية وسط المدينة، من باب الجابية وسوق مدحت باشا وسوق الحميدية مروراً بساحة المرجة حيث السراي الحكومي.(2)

حاكماً على دمشق

ذهب الأمير سعيد برفقة ثلاثة من أقربائه إلى مبنى السراي  ليجدوه خالياً تماماً من أي وجود عثماني. واتجه نحو مكتب الوالي في الطابق العلوي من البناء ووجد مقعد الحكم شاغراً، فجلس عليه عامداً، مُعلناً نفسه حاكماً عربياً مستقلاً على المدينة، قائلاً: “اعتبرت نفسي مسؤولاً عن دمشق.”(3)

أعلن الحكم باسم الشّريف حسين بن علي، قائد الثورة العربية الكبرى، بالرغم من أن الأمير سعيد لم يكن قد حصل على أي تكليف لتولّي الحكم، لا من الشّريف حسين أو من الحكومة البريطانية الداعمة له.

بدأ الأمير سعيد بترتيب البيت الداخلي واختيار فريق عمله لحكم العاصمة أولاً ومن ثمّ بقية المدن السورية، وطلب من صديقه الصحافي والروائي معروف الأرناؤوط إحضار راية الثورة العربية من منزله بحيّ العمارة، لرفعها فوق دار الحكومة وسط ساحة المرجة، بعد إنزال العلم العثماني.

وقد قيل يومها إن هذه الراية أعطيت لشقيقه الأمير عبد القادر الجزائري الحفيد من قبل الشّريف حسين لتُرفع فوق دار الحكومة بدمشق بعد خروج آخر جندي عثماني.(4) وفي اليوم التالي، أُقيمت الصلاة في الجامع الأموي باسم الشّريف حسين، وأمّ الأمير محمّد سعيد، بصفته وليّاً عن الأمة.

تضارب في التواريخ

اختلف المؤرخون وشهود العيان على تاريخ رفع العلم العربي في دمشق، فيقول الأمير محمد سعيد في مذكراته أنه رُفع بتاريخ 28 أيلول 1918، ولكن لورنس العرب قال أن ذلك حدث في 30 أيلول 1918. أمّا جريدة المقتبس الدمشقية فقد نفت كلتا الروايتين، وأكدت في عددها الصادر يوم 27 أيلول 1918، أن العلم العربي رفع في 26 من شهر أيلول.

حكومة الأمير المؤقتة

عُيّن معروف الأرناؤوط مديراً للبرق والبريد وطلب منه الأمير سعبد مخاطبة المدن السورية كافة، للإعلان عن تأسيس حكم وطني في دمشق تحت إمرته. جاء في نص البيان: “بناء على تسليمات الدولة التركية، فقد تأسست الحكومة العربية الهاشمية على دعائم الشرف. طمئنوا الجميع وأعلنوا الحكومة باسم الحكومة العربية.”(5) وقد وقِّعت الرسالة باسم “الأمير سعيد” دون تحديد نسبه وعائلته، نظراً لشهرته في سورية.

بعدها أمر الأمير بمصادرة ما تبقى من الأموال العثمانية ووضعها تحت مراقبة صديقه شكري التاجي، فقام الأخير بجرد الممتلكات العامة للدولة وسلمها بدوره للضابط ممدوح العابد.(6)

ثم عيّن  الضابط الدمشقي سعدي كحالة قائداً للدرك، والفلسطيني أمين التميمي مديراً للأمن العام، كما عيّن الوجيه اللبناني عمر بيهم حاكماً لمدينة بيروت، وأحمد مختار بيهم قائداً لأمنه.(7)

وشكّل الأمير سعيد حكومة مصغرة لإدارة شؤون البلاد، مؤلفة من خمسة وزراء من دون حقائب وهم فارس الخوري وعطا الأيوبي وشاكر الحنبلي وجميل الإلشي وبديع مؤيد العظم.

عزل الأمير سعيد 

إلا أن هذه الحكومة لم تدوم طويلاً، ففور وصول القوات البريطانية إلى دمشق، برفقة الأمير فيصل بن الحسين يوم 3 تشرين الأول 1918، قام الضابط توماس لورنس بعزل الأمير سعيد عن منصبه، وأمر باعتقال شقيقه الأمير عبد القادر الجزائري الحفيد، مُعتبراً أن في تسلمهم للحكم تجاوز صريح لمكانة بريطانيا ومخططاتها في الشرق الأوسط.

وقد عقد اجتماع في فندق فيكتورياا، بطلب من الكولونيل لورانس، حضره شكري باشا الأيوبي ورضا باشا الركابي من الضباط ومعهم نوري الشعلان والطبيب أحمد قدري، وجميعهم من رجال الأمير فيصل. خارج الفندق وقف عشرة فرسان من رجال آل الجزائري، حاملين البنادق والسيوف لحماية الأمير من أي أذى قد يتعرض له من قبل البريطانيين. نهض الأمير عبد القادر واستأذن من شقيقه الكلام قائلاً بصوت جهوري:

يا لورانس، أنت تهدد أبناء عبد القادر بالسجن مَسوقاً بدسائس الدساسين، وأنت تعلم أننا لا نخشى الحبس ولا الموت، بل لا نخشى أحداً سوى الله. نحن أتينا بهذا العلم (مشيراً إلى العلم المرفوع فوق الفندق) وقد استلمته من الملك حسين بن علي بعد أن طيف به حول الكعبة وصلى عليه أربعون ألف مسلم، وهو يخفق الآن فوق الرؤوس، ولن يتزحزح من مكانه حتى تراق آخر نقطة من دمائنا. إذا كان الخلاف على هذا الكرسي فنحن نرفسه بأرجلنا.(8)

ثم خاطب الجميع بالقول: “استلموا إذاً هذا الكرسي، والمفروض منا المحافظة عليه وعلى هذا العلم وعلى استقلال البلاد.”(9) سلّم بعدها الأمير سعيد مقاليد الحكم ومفاتيح السراي للورانس، منهياً بذلك أقصر فترة حكم عرفته مدينة دمشق في تاريخها المعاصر.

اعتقال الأمير

تم اعتقال الأمير سعيد لمدة وجيزة، قبل إطلاق سراحه من قبل الأمير فيصل ونفيه إلى مدينة حيفا في فلسطين. أمّا الأمير الثائر عبد القادر الحفيد، فقد تم قتله بما أشيع أنه جاء بأمر رضا الركابي، أول رئيس حكومة في عهد الملك فيصل. وقد بقي لورانس في دمشق ثلاثة أيام وغادرها بعد تثبيت حكم الأسرة الهاشمية في الرابع من تشرين الأول 1918. بايع الدمشقيون فيصل بن الحسين ملكاً عليهم في 8 آذار 1920، ولكن حكمه لم يستمر طويلاً وسقط في 24 تموز 1920، بعد هزيمة الجيش السوري في معركة ميسلون وفرض الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان.

في جمعية الخلافة الإسلامية

عاد الأمير سعيد إلى دمشق سنة 1924 ليؤسس جمعية الخلافة الإسلاميّة في دمشق، رداً على إلغاء منصب الخلافة في جمهورية مصطفى كمال أتاتورك العلمانية. وكانت الجمعية تهدف إلى إيجاد خليفة للمسلمين بدلاً من أخر خلفاء بني عثمان، عبد المجيد الثاني، الذي تم عزله في آذار 1924. (10)

تفرّغ الأمير لهذا الغرض، وكان يُريد أن يكون هو الخليفة المُنتظر، لكونه يُلبي شروط البيعة كافة، نطراً لنسبه الشريف. وقد جمع حوله من أيّد هذا التوجه، مثل وزيره السابق بديع مؤيد العظم، الذي بات رئيساً لمجلس الشورى في سورية، وأمين فتوى دمشق الشّيخ عبد المحسن الأسطواني ومفتي بلاد الشّام الشّيخ عطا الكسم. وقد اعترض على هذا الطرح كلّ من الشّريف حسين، الذي كان قد رشح نفسه لخلافة الأمة، والملك فؤاد الأول ملك مصر، الذي حصل على تزكية لهذا المنصب من شيخ الأزهر.

الأمير محمد سعيد مع صورة لجده الأمير عبد القادر الجزائري
الأمير محمد سعيد مع صورة لجده الأمير عبد القادر الجزائري

دوره في الثورة السورية الكبرى

وعندما قصف الفرنسيون مدينة دمشق في 18 تشرين الأول 1925، إبان الثورة السورية الكبرى، ظهر الأمير سعيد مجدداً وتوجه إلى حيّ باب توما المسيحي، الذي خيم الخوف على سكانه العُزّل بعد بث الفرنسيين إشاعة كاذبة مفادها أن الثّوار يريدون اقتحامه وقتل جميع سكّانه.

حاول الأمير سعيد استعادة دور جدّه الأمير عبد القادر، الذي حمى مسيحيي دمشق خلال فتنة عام 1860، وقام بفتح أبواب قصره لهم، كما فعل جدذه من قبله. وقد خاطب المسيحيين قائلاً: “أنتم بأمان، تماماً كما كان أجدادكم بأمان في رحاب هذا المنزل.”

ثم ذهب الأمير سعيد إلى بيروت لمقابلة المندوب السامي الفرنسي موريس ساراي، برفقة وفد من غرفة تجارة دمشق، مطالباً بوقف فوري لإطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانية إلى مدينة دمشق المنكوبة.(11)

تأسيس الكتلة الوطنية

في تشرين الأول 1927، شارك الأمير سعيد في الاجتماع الذي عُقد في بيروت وأدى إلى ولادة الكتلة الوطنية، أبرز تنظيم سياسي عرفته البلاد بعد إخماد الثّورة السورية الكبرى.(12) وكانت الكتلة الوطنية تهدف إلى إنهاء الانتداب بطرق سملية وقانونية، عبر المؤسسات الديمقراطية التي أدخلتها فرنسا على الحياة السياسيّة في سورية، منها الانتخابات البرلمانية والرئاسية. وبذلك يُعتبر الأمير سعيد من مؤسسي الكتلة مع كل من هاشم الأتاسي وإبراهيم هنانو  وغيرهم من الشخصيات الوطنية.

الحملة الوطنية لمقاطعة المصالح الفرنسية

بعدها قام الأمير سعيد بإطلاق الحملة الوطنية لمقاطعة شركة كهرباء دمشق البلجيكية عندما رفعت تعرفة ركوب الترامواي. هاجم رجاله حافلات الترامواي واضرموا النار بداخلها، ثم دخلوا المتاجر وأجبروا أصحابها على الإغلاق وعلى مقاطعة شركة الكهرباء برفضهم دفع التعرفة، باستخدام مصابيح الكاز مجدداً، في عصيان مدني ضد حكومة الانتداب. واستمر الإضراب بأمر من الأمير طوال صيف عام 1931 ونجح في إجبار الشركة الأجنبية على التراجع وتخفيض تعرفة الكهرباء وركوب الترامواي بقيمة قرش سوري.

وفي تشرين الأول عام 1931 ترأس الأمير سعيد تظاهرات حاشدة عمّت أرجاء المدينة، في الذكرى الأربعين لاستشهاد عمر المختار قائد المقاومة الليبية ضد الإيطاليين.

الأمير سعيد مع الرئيس بومدين
الأمير سعيد مع الرئيس بومدين

في عهد الاستقلال

غاب بعدها الأمير سعيد عن أي منصب رسمي واختصر ظهوره على حضور المناسبات الوطنية، وكان أبرزها عيد الجلاء الأول في 17 نيسان 1946.

وفي 14 آب 1949 دعاه اللواء سامي الحناوي إلى اجتماع تاريخي في مبنى الأركان العامة، بعد نجاح انقلابه على حسني الزعيم. وقد أيّد الأمير سعيد عودة الحياة المدنية وتولّي هاشم الأتاسي زمام الأمور ريثما يتم وضع دستور جديد للبلاد.

وفي الستينيات، أصبح الأمير سعيد يقضي معظم أوقاته متنقلاً بين دمشق والجزائر، بعد وصول الرئيس هواري بومدين إلى الحكم، الذي أحبه كثيراً وأكرمه.

قبل وفاته سنة 1970، دُعي الأمير محمّد سعيد إلى القصر الجمهوري بدمشق، بصفته حاكماً سابقاً على المدينة، حيث اجتمع مع رئيس الدولة أحمد الخطيب ورئيس الحكومة حافظ الأسد.(13)

مذكرات الأمير سعيد

وضع الأمير سعيد مذكراته في الجزائر سنة 1968، التي أُعيد طباعتها في دمشق سنة 2015 تحت إشراف الأمير جعفر طاهر الجزائري، أحد أحفاد الأمير عبد القادر من الجيل الرابع، وقد قدّم لها المؤرخ السوري سامي مروان مبيّض.

الوفاة

توفي الأمير محمد سعيد الجزائري عن عمر ناهز 87 عاماً في ولاية معسكر الجرائريّة سنة 1970، ودفن في مقبرة أجداده.

 

 

 

 

المصدر
1. محمد سعيد الجزائري. مذكراتي عن القضايا العربية والعالم الإسلامي (الجزائر، 1968)، 128-1292. سامي مروان مبيّض. تاريخ دمشق المنسي (دار رياض نجيب الريّيس، بيروت 2015)، 383. نفس المصدر، 364. نفس المصدر، 415. محمد سعيد الجزائري. مذكراتي عن القضايا العربية والعالم الإسلامي (الجزائر، 1968)، 1336. سامي مروان مبيّض. تاريخ دمشق المنسي (دار رياض نجيب الريّيس، بيروت 2015)، 477. نفس المصدر8. محمد سعيد الجزائري. مذكراتي عن القضايا العربية والعالم الإسلامي (الجزائر، 1968)، 1409. نفس المصدر10. نفس المصدر، 233-23411. فيليب خوري. سورية والانتداب الفرنسي (باللغة الإنكليزية - جامعة برينستون 1987)، 17812. نصوح بابيل. صحافة وسياسة: سورية في القرن العشرين (دار رياض نجيب الريّيس، لندن 1987)، 6913. سامي مروان مبيّض. تاريخ دمشق المنسي (دار رياض نجيب الريّيس، بيروت 2015)، 60

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!