أعلام وشخصياتسياسيون ورجال دولة

أحمد الشرباتي

وزير دفاع سورية (1946-1948).

أحمد الشرباتي
أحمد الشرباتي

أحمد الشرباتي (23 حزيران 1908 – 27 تشرين الثاني 1975)، سياسي سوري من دمشق، تولّى حقائب وزارية في عهد الرئيس شكري القوتلي وكان وزيراً للمعارف والاقتصاد ثمّ وزيراً للدفاع خلال المرحلة الأولى من حرب فلسطين سنة 1948. وهو أحد مؤسسي عصبة العمل القومي التي نشطت في سورية ولبنان في مطلع الثلاثينيات وكانت تهدف إلى تحرير البلاد العربية من الاستعمار الأجنبي.

البداية

ولِد أحمد الشرباتي في حيّ الصالحية بدمشق وكان والده الحاج عثمان الشرباتي من الأعيان، عمل في التجارة والصناعة وأسس أول مصنعاً للتبغ في سورية. وكان والده من زعماء الحركة الوطنية المناهضة للانتداب الفرنسي في سورية، حيث شارك في تمويل الثوار وتسليحهم خلال الثورة السورية الكبرى سنة 1925.

دَرَس أحمد الشرباتي في مدرسة الإنترناشونال كولدج في بيروت والتحق بعدها بجامعة بيروت الأميركية حيث أمضى عاماً دراسياً قبل سفره إلى الولايات المتحدة لدراسة الهندسة الميكانيكية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أحد أعرق المؤسسات التعليمية في العالم.

تخرج الشرباتي من معهد ماساتشوستس وتوجه بداية إلى مصر حيث أسس مصنعاً للمفروشات، واستثمر في بورصة الإسكندرية. ولكنه تعرض لهزة مالية كبيرة بسبب انهيار البورصة العالمية سنة 1929، فعاد إلى دمشق وعَمِل مع أبيه في مصنع التبغ والسجائر.(1)

مع عصبة العمل القومي

انتسب أحمد الشرباتي في شبابه إلى تنظيم سري يُدعى جمعية التحرير العربي، التي كان قد أسسها فريد زين الدين، صديقه من أيام الدراسة في بيروت.(2) ومنها انتقل الشرباتي إلى عصبة العمل القومي التي ولدت في قرية قرنايل بجبل لبنان مطلع شهر آب من العام 1933.

كانت عصبة العمل القومي عبارة عن تنظيم سياسي مناهض للاحتلال الأوروبي في الشرق الأوسط، وتسعى إلى تحرير كل من سورية ولبنان من الفرنسيين والعراق وفلسطين من الإنكليز. رفض أعضاؤها الاعتراف بحدود اتفاقية سايكس بيكو، واعتبروا أن الوطن العربي هو كيان سياسي وجغرافي واحد، غير قابل للتقسيم.(3)

ضمّت العصبة عدداً من السياسيين الشباب أمثال عبد الكريم الدندشي وصبري العسلي من سورية وتقيّ الدين الصلح من لبنان، ومعهم لفيف من المثقفين العرب أمثال قسطنطين زريق وأحمد منيف العائدي وزكي الأرسوزي. أصدروا “جريدة العمل القومي” لنشر أفكارهم المعادية للاستعمار، ومعها تنظيم شبه عسكري أطلقوا عليه اسم “أشبال العروبة.”

وقد لعبت العصبة دوراً ريادياً في السياسة الوطنية وكانت أول من حذّر من الهجرة اليهودية إلى فلسطين. وفي الشؤون الثقافية، استضافت الأديبة الفلسطينية مي زيادة في النادي العربي بدمشق.

ولكن العصبة عانت من الضيق في مواردها المالية ومن معارضة الكتلة الوطنية لنشاطها في سورية، التي رأت فيها منافساً على زعامة الشارع السوري. ثم جاءت وفاة الملك فيصل الأول سنة 1933، ليحرم العصبة من الدعم المطلوب عربياً، وتلاه وفاء رئيس العصبة عبد الكريم الدندشي في حادث أليم سنة 1935.

رفضت عصبة العمل القومي المشاركة في أي مفاوضات مع الفرنسيين، وعارضت ذهاب وفد من الكتلة الوطنية إلى باريس لمناقشة مستقبل سورية. ولكن الكتلة الوطنية نجحت في إبرام معاهدة مع الفرنسيين سنة 1936 أُعطت بموجبها البلاد السورية استقلالاً تدريجياً ومشروطاً. أُعجب الشرباتي بهذا الإنجاز واعتبره خرقاً في مسيرة النضال السياسي في سورية، فأصدر بياناً مؤيداً لمعاهدة عام 1936، مما أدى إلى فصله عن عصبة العمل القومي.(4)

سنوات المنفى

بعد إنهيار عصبة العمل القومي، انتقل الشرباتي إلى العمل السري ضد الانتداب الفرنسي، مما أدى إلى مداهمة منزله بدمشق. هرب إلى إمارة شرق الأردن وحصل على لجوء سياسي من الأمير عبد الله بن الحسين، وفي دمشق حُكم عليه غيابياً بالسجن أربعون سنة.(5)

عاش الشرباتي في العقبة مع أسرته في منزل صغير كان يسكنه الضابط البريطاني توماس لورانس (لورانس العرب) خلال الثورة العربية الكبرى، وعاد إلى سورية في منتصف الحرب العالمية الثانية سنة 1941، عند تحرير البلاد من حكم فيشي الموالي للزعيم النازي أدولف هتلر.(6)

الشرباتي وزيراً للمعارف

وقد تحالف أحمد الشرباتي مع الرئيس شكري القوتلي ودخل البرلمان السوري نائباً عن دمشق سنة 1943. سمّي وزيراً للمعارف والاقتصاد الوطني في حكومة الرئيس فارس الخوري من 7 نيسان وحتى 30 أيلول 1945، وكان  مكلفاً بتسيير حقيبة الاقتصاد الوطني. أسس مجلساً استشارياً لوزارة المعارف، فيه جميع الوزراء السابقين، وتعاقد مع مؤسس الوزارة ساطع الحصري لدراسة وإصلاح القطاع التربوي في سورية.(7)

كما جاء بخبراء من جامعة بيروت الأميركية ومن جامعة فؤاد الأول من مصر، كان أبرزهم وزير التربية المصري عبد الرزاق السنهوري. أدخلوا مواد عن القومية العربية على كافة مراحل التدريس في سورية وجعلوا اللغة الفرنسية في مرتبة ثانية بعد اللغة العربية.(8)

وقد ألغى الشرباتي منح الدراسات العليا إلى فرنسا واستبدلها ببلدان أكثر حياداً تجاه القضية السورية مثل سويسرا، التي أرسل إليها 29 طالباً، وبلجيكا (48 طالباً) ومصر (36 طالباً). كما حاول الشرباتي، بالتعاون مع الحصري والسنهوري، إلغاء نظام البكالوريا الفرنسية واستبداله بنظام تعليم ثانوي أقرب إلى النظم المتبعة في الولايات المتحدة.(9)

وعند جلاء القوات الفرنسية عن سورية، أُعيد تسميته وزيراً للمعارف في حكومة الرئيس سعد الله الجابري من 23 نيسان وحتى 27 كانون الأول 1946.

أحمد الشرباتي وزيراً للدفاع مع الرئيس شكري القوتلي سنة 1948.
أحمد الشرباتي وزيراً للدفاع مع الرئيس شكري القوتلي سنة 1948.

الشرباتي وزيراً للدفاع 1946-1948

وفي 28 كانون الأول 1946، سُمّي أحمد الشرباتي وزيراً للدفاع في حكومة الرئيس جميل مردم بك، وكان مُكلفاً بتجهيز الجيش السوري وتسليحه قبل دخول القوات العربية في حرب فلسطين.

كانت علاقة الشرباتي متوترة مع العديد من الضباط الذين رأى أنهم لا يصلحون لمناصب قيادية، وقدم تقريراً مفصلاً للرئيس شكري القوتلي، محذراً منهم ومطالباً بإقالتهم لسوء أمانتهم المالية والأخلاقية.

وكان ضمن القائمة قائد الشرطة العسكرية حسني الزعيم، الذي أعتبره أحمد الشرباتي متآمراً على سورية ونظامها الجمهوري، ومعه قائد الجيش اللواء عبد الله عطفة.(10)

ولكن الرئيس القوتلي رفض الأخذ بنصائح الشرباتي وأبقى على مناصب هؤلاء الضباط، كما قام بتعيينهم في مناصب قيادية على جبهات القتال في فلسطين. وقد كتب الشرباتي في مذكّراته: لأ أخاف على جنودي من الموت على جبهات القتال، فهذا واجبهم وهذا شرفهم، بل أخاف عليهم من الموت بسبب فساد وجهل قادتهم العسكريين.” (11)

على الرغم من الحظر المفروض على بيع السلاح للعرب، حاول الشرباتي شراء السلاح من دول أوروبا الشرقية وتركيا ومن الجنرال فرانثيسكو فرانكو في إسبانيا بواسطة شخصيات مدنية مثل الصناعي حنين صحناوي ونائب دمشق زكي الخطيب ونائب الجولان الأمير عادل أرسلان.(12)

وقد وضع ثروة أسرته الطائلة في خدمة المؤسسة العسكرية، وأسس مصنعاً لصواريخ قصيرة المدى بالقرب من دمشق، بالتعاون مع خبراء عراقيين.(13) جمعاً اقتنى أحمد الشرباتي 200 رشاش خفيف لصالح الجيش السوري و100 رشاش ثقيل، ومعهم 250 ألف طلقة و400 مسدس بقيمة 54 ألف دولار أمريكي.(14)

حرب فلسطين

وعندما بدأت حرب فلسطين في 15 أيار 1948، حقق الجيش السوري تقدماً ملحوظاً وقام باحتلال مستعمرة سمخ وتوجه نحو جسر بنات يعقوب، ولكنه تراجع بسبب سوء خطوط الإمداد وعدم قدرته على تعزيز قواته. وقد أدى هذا التراجع إلى خروج مظاهرات ضخمة في شوارع دمشق، تتهم الشرباتي بالتقصير في فلسطين. وقام المتظاهرين بالتهجم على صالة بيع سيارات جنرال موتورز في شارع العابد التي كان يملكها الشرباتي بصفته وكيلاً للشركة الأمريكية، وقاموا بإحراقها بالكامل.(15)

وفي 18 أيار 1948، قدم أحمد الشرباتي استقالته لرئيس الجمهورية شكري القوتلي، الذي قبلها في يوم 28 أيار. وقد عُيّن بدلاً عنه في وزارة الدفاع رئيس الحكومة جميل مردم بك وجاء الرئيس القوتلي بحسني الزعيم قائداً عاماً للجيش والقوات المسلحة، بدلاً من عبد الله عطفة.(16)

شُكّلت لجنة برلمانية للتحقيق مع الشرباتي، وتعرض لهجوم عنيف من داخل مجلس النواب، قاده نائب حلب عبد الرحمن كيالي ممثلاً عن الحزب الوطني ونائب حماة أكرم الحوراني ممثلاً عن الحزب العربي الاشتراكي.(17) ولكن التحقيق أثبت براءة الشرباتي من كل التهم الموجهة إليه، ومنها شراء السلاح الفاسد وعدم تجهيز الجيش للقتال في فلسطين. (18)

في عهد الانقلابات العسكرية

عند وقوع الانقلاب الأول في 29 آذار 1949، سافر أحمد الشرباتي إلى مصر، تجنباً للملاحقة من قبل حسني الزعيم الذي قام باعتقال رئيس الجمهورية شكري القوتلي ورئيس الحكومة خالد العظم. وقد تعرض لمحاولة اغتيال في بهو فندق شبرد في القاهرة، تبيّن لاحقاً أنها كانت مدبرة من قبل حسني الزعيم الذي لم يغفر للشرباتي محاولة إقصائه عن الجيش خلال وجوده في وزارة الدفاع.(19)

عاد أحمد الشرباتي إلى دمشق بعد الإطاحة بحسني الزعيم ومقتله في 14 آب 1949، ليتم اعتقاله سنة 1951 من قبل العقيد أديب الشيشكلي، مهندس الانقلاب الثالث في سورية. وكان جرمه عدم الاعتراف بشرعية حكم الشيشكلي والمطالبة بإسقاط النظام العسكري الذي تم فرضه على سورية. وعند سقوط الشيشكلي وسفره خارج البلاد سنة 1954، حاول أحمد الشرباتي إحياء عصبة العمل القومي في دمشق، ولكنه لم ينجح بسبب تشتت شمل قادتها المؤسسين.(20)

بين الوحدة والانفصال

وفي بداية عهد الوحدة السورية المصرية اعتقل أحمد الشرباتي للمرة الثالثة بأمر من مدير المخابرات السورية العقيد عبد الحميد السراج، لوصفه الرئيس جمال عبد الناصر وعهده بعبارة “علي بابا والأربعين حرامي.”(21)

كان الشرباتي معارضاً للطريقة التي أُقِيمت بها جمهورية الوحدة، وقد رفض مقابلة عبد الناصر خلال زيارة الرئيس المصري إلى دمشق في شباط 1958، محذّراً من خطورة النهج الاقتصادي الذي كان يريد أتباعه في سورية. وكان أخر نشاط سياسي لأحمد الشرباتي هو دعم انقلاب الانفصال الذي أطاح بالجمهورية العربية المتحدة في 28 أيلول 1961.

سارع لتأيد الضباط الدمشقيين الذين انقضوا على جمهورية الوحدة ودعا إلى اجتماع موسع في منزله الجديد في حيّ الروضة (مقر السفارة البابوية اليوم) في 2 تشرين الأول 1961، حضره عدداً كبيراً من السياسيين القدامى، الذين صدّروا بياناً داعماً لقادة الانقلاب ووصفوا عهد الوحدة بالعهد الديكتاتوري.(22)

الوفاة

ولكن الشرباتي غاب عن أي نشاط سياسي من بعدها وتفرغ للأعمال التجارية والهندسية في سورية والكويت والعراق والسعودية. وتوفي أحمد الشرباتي في بيروت يوم 25 تشرين الأول 1975 وتم نقل جثمانه إلى دمشق ليوارى الثرى في مدافن الأسرة.

عائلة الشرباتي

تزوج أحمد الشرباتي من سيدة ليتوانية تُدعى سكايدرا فابا، كان قد تعرّف عليها في قبرص سنة 1938. كان والدها ضابطاً متقاعداً في جيش القيصر الروسي، وكانت من عائلة مسيحية محافظة. قد أنجبت منه ثلاثة أولاد، عصام وعائدة ونورا، التي تزوجت بعد رحيل والدها بسنوات من الزعيم اللبناني وليد جنبلاط.

أوراق الشرباتي

عثرت عائلة الشرباتي على أوراق ويوميات أحمد الشرباتي التي كان قد وضعها خلال حرب فلسطين، وفيها الكثير من اللوم والعتب على رئيس الجمهورية شكري القوتلي لعدم أخذه بنصائحه والسماح لحسني الزعيم بأن يقوي ويتمدد داخل المؤسسة العسكرية. وقد تم تحويل هذه الأوراق إلى كتاب بعنوان صانعو سورية الحديثة، من تأليف الكاتب السوري سامي مروان مبيّض، صدر باللغة الإنكليزية في لندن سنة 2018.

 

 

المصدر
1. جورج فارس. من هم في العالم العربي (دمشق 1957)، 3332. فيليب خوري. سورية والانتداب الفرنسي (باللغة الإنكليزية - جامعة برينستون 1987)، 4023. نفس المصدر، 400-4074. خطار بوسعيد. عصبة العمل القومي ودورها في لبنان وسورية (مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2004)، 1045. سامي مروان مبيّض. صانعو سورية الحديثة (باللغة الإنكليزية، لندن 2018)، 756. نفس المصدر7. نفس المصدر، 1308. نفس المصدر.9. نفس المصدر. 10. نفس المصدر، 204.11. نفس المصدر، 177.12. نفس المصدر، 207.13. نفس المصدر، 208.14. نفس المصدر.15. نفس المصدر، 234.16. نفس المصدر، 221.17. نفس المصدر، 22518. نفس المصدر.19. نفس المصدر، 239.20. نفس المصدر، 62.21. نفس المصدر، 231.22. نفس المصدر، 255.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!