أعلام وشخصياتضباط وقادة عسكريون

الأمير محمد باشا الجزائري

كبير ياوران السلطان عبد الحميد الثاني.

 

الأمير محمد باشا الجزائري
الأمير محمد باشا الجزائري

الأمير محمد باشا الجزائري (1839-1913)، وجيه سوري – جزائري وفريق في الجيش العثماني، كان كبير ياوران السلطان عبد الحميد الثاني وهو الابن الأكبر للأمير عبد القادر الجزائري. وضع عدة مؤلفات تاريخية هامة في حياته، كان أشهرها كتاب عن سيرة أبيه حمل عنوان تحفة الزائر في مآثر الأمير عبد القادر وأخبار الجزائر، الذي صدر في الإسكندرية سنة 1903.  عاش في دمشق خلال السنوات 1855-1879 ولعب دوراً هاماً مع أبيه في حماية مسيحي الشّام خلال فتنة عام 1860.

البداية

ولِد الأمير محمد الجزائري في قرية القيطنة القريبة من ولاية معسكر الجزائرية ودَرس الشريعة والقانون في إسطنبول كما تتلمذ على يد أبيه في الطرق الصوفية.(1) تم اعتقاله وهو في الثامنة من عمره، بعد إخماد ثورة أبيه ضد الاحتلال الفرنسي في الجزائر، ونقل معه إلى معتقل أمبواز الفرنسي، حيث تعرض لشتى أنواع التعذيب والاضطهاد.

ثم جاء قرار إطلاق سراحهم بأمر من الإمبراطور نابليون الثالث سنة 1855، ليتم نفي جميع أفراد الأسرة من بعدها إلى دمشق، وهي المدينة التي أختاره الأمير عبد القادر بنفسه.(2)

فتنة دمشق سنة 1860

قبل سفرهم إلى دمشق توجه الأمير عبد القادر ونجله إلى إسطنبول لمقابلة السلطان عبد العزيز، الذي أغدق عليهما أرفع الأوسمة والرتب العسكرية. في دمشق عمل الأمير محمد ساعداً أيمناً لأبيه وبيتاً لسره، وقد لعب دوراً هاماً في حماية أهالي المدينة خلال الفتنة الدامية التي حصلت سنة 1860، والتي أودت بحياة خمسة آلاف مسيحي من سكان باب توما وبعض حارات حيّ القيمرية.

كلفه أبيه بالتجول على الأحياء المنكوبة برفقة مجموعة من الجزائريين المسلحين من رجال الأمير عبد القادر، للبحث عن الأحياء من المسيحيين ونقلهم إلى قصر آل الجزائري في زقاق النقيب خلف الجامع الأموي، حيث وضعوا جميعاً تحت حماية الأمير عبد القادر، أو إلى قلعة دمشق. وعند وصل الغوغاء إلى دار الأمير عبد القادر وحاولوا اقتحامه، تولّى الأمير محمد مهمة الدفاع عن القصر وجميع سكانه.(3)

قاضي أدرنة

نال الأمير محمد إعجاب وثناء سلاطين بني عثمان، من عبد المجيد الأول وعبد العزيز وصولاً إلى السلطان عبد الحميد الثاني، الذي اعتلى عرش الدولة العثمانية سنة 1876. وفي عام 1879 عينه السلطان عبد الحميد قاضياً على أدرنة، فغادر دمشق وغاب عنها حتى سنة 1882، ليعود في مراحل مرض أبيه ويُشرف على علاجه حتى وفاة الأمير عبد القادر يوم 26 أيار 1883.

وعند تعيينه قاضياً في الدولة العثمانية، وصل فرمان تعيينه إلى أبيه وقد جاء فيها:

حضرة سيدي الجليل الحري بالتعظيم واللائق بالتكريم، من جمعت فيه المحامد والفضائل، ففاق الأكابر والأفاضل، الأمير عبد القادر أفندي، حفظه المعين المبدئ آمين .

بعد السؤال عن صحة ذلك الوجود المسعود، واستنفار الخاطر الشريف المحمود، ثم إن تفضلتم بالفحص عن حال هذا المحب القديم، فهو على ما تعهدوه من المحبة مستديم ، وقد سبق الإشعار من الجناب المهاب بترفيع رتبة حضرة المخدوم، من هو بالنجابة موسوم او تبديل طريقة العلية للرتبة الملكية ومع علمنا أنّه مقتدر على إيفاء وظائف كل جهة من تلك الطريقتين، واستعداده كاف لهاتين المنزلتين، إلا أنه بمقتضى حبنا وتعظيمنا للعلم الشريف رغبنا أن يكون فرع أصلكم النجيب سالكاً طريق حضرتكم .

فلهذا قد رفعنا رتبته العلمية رفعة ثلاث مراتب، وتُوّجَتْ لعدته مولوية بلاد خمس في المناصب ، وهي وإن كانت بالنسبة لشرفكم، وشرفه قليلة، لكن محافظتَنا  للأصول الشرعية أوقفتنا مؤقتاً عند حصول هذه الأمنية ، فبِمَنِّهِ تعالى بالعهد القريب يجري ترفيعه أيضاً لما تحب، ويرضيه، والفرامان مرسول طيه، فنرجو الإشعار عن وصوله، مع الإفادة ببقاء حسن توجهاتكم القلبية، وأدعيتكم المأثورة الخيرية، سلمكم الله تعالى، 28/ جمادى الأولى 1296هـ .

كتاب تحفة الزائر

كان الأمير محمد يحتفظ بكل أوراق ووثائق أبيه، من المرحلتين الجزائرية والسورية، فقد عمل على جمعها ووضعها في كتاب عن سيرة حياته، بدأ بكتابته سنة 1871 ولكنه لم ينتهي حتى سنة 1903. وعندما صدر كتاب تحفة الزائر في مصر، كان إهدائه للسلطان عبد الحميد الثاني.

ياوران السلطان عبد الحميد الثاني

قام السلطان عبد الحميد بنقله من السلك المدني إلى العسكري وأدخله في الجيش العثماني حيث وصل إلى رتبة فريق ونال الباشاوي عسكرياً. عُيّن محمد باشا الجزائري بعدها كبير ياوران السلطان عبد الحميد، وظلّ يعمل في معيته حتى وقوع انقلاب جمعية الاتحاد والترقي سنة 1908.

أُخبر السلطان عبد الحميد على التنازل عن معظم صلاحياته واستعادة مجلس المبعوثان المُنحل منذ سبعينيات القرن التاسع عشر، ومعه الدستور العثماني، فيما عُرف بعهد المشروطية الثانية. وفي نيسان 1909، أُجبر السلطان عبد الحميد على التنحي عن العرش لصالح شقيقه محمد رشاد أفندي، الذي عُرف بعدها بالسلطان محمد رشاد الخامس. عُزل على أثرها الأمير محمد باشا من منصبه وتمّت مصادرة كل أملاكه مع كافة نسخ كتاب تحفة الزائر بسبب الإهداء الذي حمله للسلطان عبد الحميد الثاني.

المؤلفات

إضافة لكتاب تحفة الزائر وهو الأشهر بين مؤلفات الأمير محمد باشا، قام بوضع كتاب عقد الأجياد في الصافنات الجياد الذي صدر في حياة والده وقد اطلع الأمير عبد القادر عليه وكتب في تقريظه:” قد اطلعت على هذا المجموع الحافل، الذي هو لكل ما يتعلق بالخيل كافل، وليس الخبر كالعيان، ولا يطلب على المشاهدات برهان.”

ثم جاء كتاب “نزهة الخاطر في قريض الأمير عبد القادر” وهو أول محاولة لجمع ما نظمه الأمير عبد القادر من الشعر في ديوان، وفيه ترجمة كاملة لسيرة حياته. بلغ عدد صفحاته 58 صفحة، وجاء في مقدمته: ” قد سنح بفكري أن أرتب ما عثرت عليه يدي من كلام سيدي ومولاي ناصر الدين الأمير عبد القادر بن محيي الدين، ولم أتعرض ما له من نظم في الحقيقة واللطائف، إذ إنّه قُدِّس سُّره أثبتها في كتابه المسمى بـ/ المواقف”.

ثم وضع كتاب مختصر بعنوان نخبة عقد الأجياد في الصافنات الجياد، تلاه كتاب “عقود الدرر في تلخيص سيرة سيد البشر،” وهو كتاب صغير مؤلف من 78 صفحة، كتب على غلافه: “جامعها الفريق محمد بن الأمير عبد القادر، ياور حرب حضرة أمير المؤمنين، طبع برخصة نظارات المعارف الجليلة في 13 ذي القعدة 1312هـ ، نومرو / 220 و 178 /، حقوق الطبع والترجمة محفوظة، طُبع في مطبعة العصر في إسلامبول المحمية.”

ومن رسائل الأمير محمد باشا “ذكرى ذوي الفضل في مطابقة أركان الإسلام للعقل، و”كشف النقاب عن أسرار الاحتجاب” و”الفاروق والترياق في تعدد الزوجات والطلاق.” وله مخطوط بعنوان “العقد الباهر في مديح الأمير عبد القادر،” حفظ في متحف الجيش الجزائري في الجزائر ومعه مخطوط ثاني بعنوان ” رسائل من كبار الفقهاء والعلماء بالشّام في مدح الأمير عبد القادر.”

الوفاة

قضى الأمير محمد باشا الجزائري أيامه الأخيرة تحت الإقامة الجبرية في إسطنبول، مراقباً من قبل جمعية الاتحاد والترقي حتى وفاته عن عمر ناهز 74 عاماً سنة 1913.

الأسرة

اشتهر الأمير كاظم الجزائري، أكبر أبناء الأمير محمد باشا، في الأوساط السياسية والاجتماعية في سورية تولّى عدة مناصب إدارية رفيعة، منها إدارة مكتب رئيس الحكومة الشّيخ تاج الدين الحسني في مطلع الأربعينيات. وقد تزوج الأمير كاظم من السيدة أمينة بنت رئيس الحكومة عطا الأيوبي. أما نجله الثاني الأمير زين العابدين الجزائري، فقد عمل في الشؤون الثقافية والفكرية وأنجب فتى يُدعي أحمد مختار الجزائري الذي تزوج من المناضلة السورية عادلة بيهم الجزائري.

 

المصدر
1. خير الدين الزركلي. الأعلام، الجزء السادس (دار العلم للملايين، بيروت 1997)، 213-2142. سامي مروان مبيّض. نكبة نصارى الشّام (دار رياض نجيب الريّس، بيروت 2021)، 141 3. نفس المصدر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!