أعلام وشخصياتضباط وقادة عسكريون

أديب الشيشكلي

رئيس الجمهورية (تموز 1953 - شباط 1954)

الرئيس أديب الشيشكلي
الرئيس أديب الشيشكلي

أديب الشيشكلي (1909 – 27 أيلول 1964)، ضابط سوري من حماة، قاد انقلابين عسكريين وكان رئيساً للوزراء ورئيساً للجمهورية من 11 تموز 1953 حتى 25 شباط 1954. شارك في تأسيس الجيش السوري وقاتل في حرب فلسطين الأولى سنة 1948. شهد عهده نهضة اقتصادية وصناعية كبيرة، وتقارباً مع كل من السعودية ومصر.

تعرض إلى انقلاب عسكري أجبره على الاستقالة من منصبه سنة 1954، فسافر إلى لبنان أولاً ثم إلى السعودية، واستقر في أمريكا اللاتينية، حيث تم اغتياله في البرازيل سنة 1964.

البداية

ولِد أديب الشيشكلي في  حماة وهو سليل عائلة كبيرة من الملاكين والاغوات.

دَرَس في المدرسة الزراعية بمدينة السلمية والتحق بعدها بكلية حمص الحربية، وتخرج ضابطاً في جيش الشرق التابع يومها لسلطة الانتداب الفرنسي في سورية. عرف عنه النزعة القومية وشدة معارضته للانتداب الفرنسي، فقد أثر ذلك على ترفيعه وأدى إلى تعيينه في مناطق نائية، كريف الرقة وفي مدينة البوكمال.(1)

الانشقاق عن جيش الشرق

ساند ثورة رشيد علي الكيلاني ضد الإنكليز في العراق سنة 1941 ومن ثمّ أطلق ثورة محلية ضد الفرنسيين في حماة، وكان ذلك بعد انشقاقه عن جيش الشرق بسبب قصف الفرنسيين لمدينة دمشق يوم 29 أيار 1945. بالتعاون مع شقيقه صلاح الشيشكلي ومع صديقه أكرم الحوراني، تمكن الشيشكلي من احتلال قلعة حماة، وكان يخطط للزحف نحو دمشق لولا تدخل من الجيش البريطاني، أجبره على تسليم موقعه للفرنسيين.(2) وكان أديب الشيشكلي وفي هذه المرحلة من حياته شديد التأثر بفكر الحزب السوري القومي الاجتماعي ومؤسسه أنطون سعادة، وقد انضم إلى هذا الحزب وظلّ يعمل في صفوفه حتى وصوله إلى رئاسة الجمهورية سنة 1953.

الشيشكلي في حرب فلسطين سنة 1948.
الشيشكلي في حرب فلسطين سنة 1948.

الشيشكلي في جيش الإنقاذ

عند جلاء الفرنسيين عن سورية في 17 نيسان 1946 التحق أديب الشيشكلي بصفوف الجيش السوري وشارك في الاستعراض العسكري الذي أقيم في دمشق تحت رعاية وبحضور رئيس الجمهورية شكري القوتلي.

وفي تشرين الأول 1947 تطوع للجهاد في جيش الإنقاذ مع فوزي القاوقجي وسمّي قائداً لفوج اليرموك الثاني في فلسطين.(3)

خدم في شرقي الجليل الأعلى وحقق انتصارات ميدانية ضد العصابات الصهيونية، مما أدى إلى منحه أرفع الأوسمة الحربية من قبل الرئيس شكري القوتلي.

وخلال حرب فلسطين، تعرف الشيشكلي على قائد الجيش حسني الزعيم وولدت صداقة متينة بينهما. كان الزعيم ناقماً على الطبقة السياسية الحاكمة في دمشق وقد حمّلها وزر فشل الجيش السوري في فلسطين وتراجعه بعد تحقيق تقدم في قرية سمج وعند جسر بنات يعقوب. وكان الشيشكلي أحد الموقعين على معروض من ضباط الجيش إلى رئيس الجمهورية، يشكون فيه من كثرة التهجم عليهم من بعض النواب، وقد طالبوا بإحالتهم على القضاء بتهمة إثارة الفتن و والإساءة للمؤسسة العسكرية.(4) وعندما لم يستجيب الرئيس القوتلي إلى مطالبهم، قرر حسني الزعيم ورفاقه القيام بانقلاب عسكري في يوم 29 آذار 1949.

مع الانقلاب الأول: 29 آذار 1949

شارك المقدم أديب الشيشكلي في الانقلاب الأول وقاد وجدة مشاة ومدرعات تم سحبها من الجبهة السورية الإسرائيلية للتقدم نحو مدينة دمشق. نجح الانقلاب وتمكن حسني الزعيم من اعتقال الرئيس القوتلي ورئيس الحكومة خالد العظم، ليفرض نفسه حاكماً عسكرياً على سورية ابتداء من 1 نيسان 1949.

تسليم أنطون سعادة

عمل الشيشكلي في معيته وكان له الفضل في دعوة أنطون سعادة، مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي إلى دمشق، بعد صدور قرار اعتقال بحقه من قبل الحكومة اللبنانية. أقنع حسني الزعيم بمد يد العون إلى سعادة، وبأن يرعى ثورة عسكرية في لبنان تُطيح بحكم رئيس الجمهورية بشارة الخوري ورئيس الحكومة اللبنانية رياض الصلح.

كان الزعيم غاضباً من زعماء لبنان لرفضهم الاعتراف بشرعية انقلابه وحكمه في سورية. وكان سعادة يطمع لقلب نظام الحكم في لبنان، لتعارض استقلالية لبنان مع مشروع سورية الكبرى الذي كان ينادي به القوميين السوريين. ولكن حسني الزعيم نكث بوعده والأمان الذي كان قد أعطاه لأنطون سعادة، وقام بتسليمه إلى السلطات اللبنانية ليتم إعدامه في 8 تموز 1948.

غضب الشيشكلي من هذا التصرف وقال إن فيه خيانة للشرف العسكري الذي أقسم عليه حسني الزعيم يوم إعطائه الأمان لأنطون سعادة. ولشدة انتقاداته لحادثة تسليم سعادة، قام الزعيم بتسريحه من الجيش في 1 آب 1949، لينضم الشيشكلي فوراُ إلى صفوف الضباط الذين كانوا يخططون لانقلاب جديد بدمشق، ينهي حكم حسني الزعيم، وكان على رأسهم اللواء سامي الحناوي.

مع الانقلاب الثاني: 14 آب 1949

شارك أديب الشيشكلي في الانقلاب الثاني يوم 14 آب 1949، الذي أطاح بحسني الزعيم وأدى إلى إعدامه رمياً بالرصاص. وقد أخذ قميص حسني لزعيم الملطخ بالدم وقدمه إلى جوليت المير، أرملة أنطون سعادة المقيمة في دير سيدة صيدنايا، وقال لها: “إليك بالدليل على انتقامنا من الغادر، لقد غسلنا الدم بالدم.”(5)

فور نجاح الانقلاب الثاني تولّى سامي الحناوي رئاسة الأركان، خلفاً لحسني الزعيم، وأصدر قراراً بعودة الشيشكلي إلى الجيش مع تعيينه قائداً للواء الأول في بلدة قطنا القريبة من دمشق. ثم أعلن الحناوي عن عدم رغبته بتسلّم الحكم وتمّت دعوة رئيس الجمهورية الأسبق هاشم الأتاسي للخروج عن تقاعده والعودة إلى دمشق ليكون رئيساً للدولة. وقد طلب اللواء الحناوي من الرئيس الأتاسي الإشراف على انتخابات مؤتمر تأسيسي تكون مهمته صياغة دستور جديد للبلاد بدلاً من الدستور القديم الذي كان حسني الزعيم قد عطله قبل أشهر.

وقد فاز حزب الشعب، الموالي للمملكة العراقية، بغالبية مقاعد المؤتمر التأسيسي وأصبح ناظم القدسي رئيساً للحكومة، ورشدي الكيخيا رئيساً لمجلس النواب، وكلاهما من مؤسسي حزب الشعب. كان حزب الشعب يُنادي بتحقيق وحدة مع العراق، تكون تحت عرش الأسرة الهاشمية الحاكمة في بغداد منذ سنة 1921. لم يُرضي هذا التوجه طموحات وسياسات أديب الشيشكلي، الذي كان يرى في الهاشميين أداة في يد الإنكليز ويقول دوماً: “لن أقبل أن تُحكم سورية من بغداد.”

ولكن الأمور تسارعت وجاء الوصي على عرش العراق، الأمير عبد الإله بن علي، إلى دمشق للتفاوض على أسس الوحدة ودعا رئيس الحكومة ناظم القدسي إلى بغداد للتوقيع على ميثاقها. كانت هذه الوحدة مدعومة من قبل اللواء سامي الحناوي، فقرر الشيشكلي التخلص منه لكي ينهي أي دعم عسكري كان الهاشميون يعولون عليه لتحقيق آمالهم في سورية.

انقلاب الشيشكلي الأول: 19 كانون الأول 1949

في 19 كانون الأول 1949 قام الشيشكلي بانقلاب جديد، كان الثالث في أقل من عشرة أشهر، وأمر باعتقال سامي الحناوي الذي كان قد أعاده إلى الجيش، وزجه في سجن المزة. وقد جاء في البلاغ رقم واحد الذي أذيع باسم أديب الشيشكلي عبر إذاعة دمشق:

ثبت لدى الجيش أن رئيس الأركان العامة اللواء سامي الحناوي وعديله السيد أسعد طلس، وبعض ممتهني السياسة في البلاد، يتآمرون على سلامة الجيش وسلامة البلاد ونظامها الجمهوري مع بعض الجهات الأجنبية، وكان الجيش يعلم هذا الأمر منذ البداية وقد حاول ضباطه بشتى الطرق، بالامتناع تارة وبالتهديد تارة أخرى، أن يحولوا دون إتمام المؤامرة وأن يقنعوا المتآمرين بالرجوع عن غايتهم فلم يفلحوا، فاضطر الجيش حرصاً على سلامة البلاد وسلامته، وحفاظاً على النظام الجمهوري، أن يقصي هؤلاء المتآمرين، وليس للجيش أي غاية أخرى، وأنه يترك البلاد في يدي رجالها الشرعيين، ولا يتدخل إطلاقاً في القضايا السياسية، اللهم إلّا إذا كانت سلامة البلاد وكيانها يستدعيان ذلك.

وقد أعلن الشيشكلي أن الانقلاب لا يستهدف رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي، بل أنه مجرد حركة جراحية داخل الجيش، هدفها إجهاض مشروع الوحدة مع العراق ومن يقف خلفه من الضباط السوريين. جاء باللواء أنور بنود إلى رئيسة الأركان، وأبقى لنفسه منصب نائب رئيس الأركان الذي بدا وللوهلة الأولى وكأنه منصب متواضع، مع الاشتراط على الرئيس الأتاسي تعيين أحد أعوانه، وهو اللواء فوزي سلو، في حقيبة الدفاع في كل الحكومات المقبلة. وكان الهدف من هذا الشرط هو منع الوزراء المحسوبين على حزب الشعب من طرح فكرة الوحدة مجدداً من داخل السلطة التشريعية. قبِل الرئيس الأتاسي هذا الشرط وفي 24 كانون الأول 1949، سمّي فوزي سلو وزيراً للدفاع في حكومة الدكتور ناظم القدسي الجديدة.

اغتيال العقيد محمد ناصر

حكم الشيشكلي البلاد من خلف ستارة فوزي سلو، وقد اتهم في تموز 1950 باغتيال العقيد محمد ناصر، قائد القوى الجوية الذي كان يُعتبر من أقوى منافسيه داخل المؤسسة العسكرية. كان العقيد ناصر عضواً في مجلس العقداء الذين اجتمعوا على الإطاحة بسامي الحناوي وكان من ألمع ضباط الجيش وأكثرهم جرأة، وهو لم يُشارك بانقلاب الشيشكلي.

بعد اطلاق النار عليه وصل محمد ناصر إلى المستشفى العسكري حياً، وعند سؤاله من الجناة، أدخل أصبعه في فمه، حيث كان الدم يسيل منه بغزارة، وكتب على بنطاله اسم شخصين، كلاهما من أعوان الشيشكلي، وهما المقدم إبراهيم الحسيني والملازم عبد الغني قنوت. ولكن محكمة عسكرية قررت براءتهم من تهمة القتل، لعدم وجود دلائل كافية ضدهم.(6)

محاولة اغتيال الشيشكلي

تعرض أديب الشيشكلي لمحاولة اغتيال في 12 تشرين الأول 1950، وقف خلفها تنظيم سري يُدعى كتائب الفداء العربي. ضم التنظيم رجل مصري اسمه حسين توفيق، كان مدان بعملية اغتيال أمين عثمان، أحد وزراء الملك فاروق، وكان معه في كتائب الفداء كل من الدكتور جورج حبش (مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)، وجهاد ضاحي وهاني الهندي من سورية. كانت خطتهم تهدف للتخلص من الشيشكلي، وتبين أنهم حاولوا اغتيال مراسل جريدة التايمز في سورية، وقاموا بزرع قنابل في المدارس اليهودية وفي مقر المفوضية الأمريكية بدمشق. أحيلوا إلى المحاكمة ولكن الشيشكلي تدخل بنفسه وزار حسين توفيق في سجنه ثم أمر بإطلاق سراحه والعفو عنه.(7)

انقلاب الشيشكلي الثاني: 29 تشرين الثاني 1951

ظلّ الشيشكلي يحكم سورية من خلف الستار وحافظ على فوزي سلو في وزارة الدفاع في كل الحكومات المدنية التي تعاقبت على البلاد، إلى أن جاء الدكتور معروف الدواليبي رئيساً للحكومة في 28 تشرين الثاني 1951، وهو من أركان حزب الشعب. شكل الدواليبي حكومة ذهبت جميع حقائبها إلى حزب الشعب. وفي تحدي واضح للشيشكلي رفض تسمية فوزي سلو وزيراً، كما جرت العادة منذ نهاية عام 1949.

أديب الشيشكلي مع اللواء فوزي سلو سنة 1952.
أديب الشيشكلي مع اللواء فوزي سلو سنة 1952.

طلب منه الشيشكلي الاستقالة أو العدول عن موقفه، وعندما لم يفعل، قام بانقلاب جديد في صباح يوم 29 تشرين الثاني 1951، أعتقل فيه الرئيس الدواليبي وكل أعضاء حكومته، ومعهم رئيس مجلس النواب ناظم القدسي. حاول الرئيس الأتاسي تدارك الموقف وعندما لم يفلح، قدم استقالته إلى مجلس النواب بتاريخ 2 كانون الأول 1951.

على الفور أصدر الشيشكلي بلاغاً عسكرياً، استولى بموجبه على السلطة التنفيذية وعيّن بموجبه االلواء فوزي سلو رئيساً للدولة.

كما قام بحل مجلس النواب وأمر بتعطيل الدستور وفرض الأحكام العرفية، وشكل حكومة من الأمناء العامين في الوزارات، ليس فيها أي شخصية حزبية. وأخيراً قام بحل جميع الأحزاب في يوم 6 نيسان 1952، إلّا الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي ظلّ قريباً إلى قلب الشيشكلي وعقيدته السياسية.

السياسة الداخلية

كانت جمهورية الشيشكلي هي الأكثر صرامة وانضباط من أي عهد سبق في تاريخ سورية الحديث وكان يقول إن الدول مثل الجيوش الحديثة، لا تُحكم إلى بالانضباط والقوانين الصارمة.

في عهده فُرض على رجال الدين ارتداء اللباس الديني التقليدي، ومنعوا من الإفتاء وإلقاء الخطب دون أخذ موافقة الدولة. وضعت قوانين لمن يرغب بدخول سورية ورفعت سمة الدخول المجانية (الفيزا) التي كانت تُعطي للزائرين العرب في السابق، وطُلب من أي متقدم أن يُبرز شهادة مصرفية ودليل ملاءة مادية وذلك لمنع الفقراء والمتسولين من دخول الأراضي السورية.

ومنع الشيشكلي المؤسسات التعليمية الخاصة من تلقي المعونات المادية من الخارج، وطبق هذا الأمر على المدارس الأجنبية كافة وعلى جامعة دمشق.(8)

الرئيس الشيشكلي مع الرئيس محمد نجيب سنة 1952.
الرئيس الشيشكلي مع الرئيس محمد نجيب سنة 1952.

السياسة الإقليمية

اعترفت جميع الدول العربية بانقلاب الشيشكلي وجاء اعتراف مماثل من الولايات المتحدة وبريطانيا في 17 كانون الأول 1952.(9) قاد أديب الشيشكلي انفتاحاً على جميع دول الجوار إلّا العراق الهاشمي وفي عهده تم افتتاح أو سفارة أردنية بدمشق بعد زيارة رسمية قام بها الشيشكلي إلى مدينة عمّان للقاء الملك طلال بن عبد الله في 19 آذار 1952.

وكان هذا التقارب السوري الأردني ناتج عن اغتيال الملك عبد الله الأول في القدس سنة 1951، الذي كان الشيشكلي يتهمه بالعمالة ويحمله وزر هزيمة الجيوش العربية في حرب فلسطين.

وكانت نظرته مختلة تجاه الملك طلال، وكان الشيشكلي يعتبره عروبياً صادقاً لا علاقة له بتاريخ الأسرة الهاشمية وعلاقة رموزها مع بريطانيا.

وفي 8 نيسان 1952 زار الشيشكلي الرياض والتقى بالملك عبد العزيز آل سعود وبعدها توجه إلى القاهرة لتهنئة الضباط الأحرار على ثورتهم على الملك فاروق واجتمع مطولاً مع الرئيس محمد نجيب ووزير الداخلية جمال عبد الناصر، الذي كان قد عرفه منذ حرب فلسطين سنة 1948.

السياسة الاقتصادية

اقتصادياً اتبع الشيشكلي سياسة ليبرالية وفرض على مؤسسات الدولة عدم التدخل في الحياة الصناعية والتجارية، قائلاً إن دورهم يجب أن يختصر على جبي الضرائب فقط. وصل عدد الشركات المساهمة في عهده إلى سبعة وثلاثين شركة، مجموع رأس مالها سبعون مليون ليرة سورية، جميعها مستقلة استقلالاً تاماً عن الدولة.(10)

مصرف سورية المركزي

وقد ألغى الشيشكلي امتياز مصرف سورية ولبنان، القائم منذ زمن الانتداب الفرنسي، الذي كان يُصدر النقد السوري ويُعتبر العميل الحكومي الوحيد بموجب امتياز اعطي له سنة 1924. الغي هذا الامتياز بأمر من الشيشكلي وصدر قرار تأسيس مصرف سورية المركزي وسط ساحة السبع بحرات بدمشق. وخلال الفترة الانتقالية ما بين المصرفين الفرنسي والسوري، شُكّلت مؤسسة حكومية لإصدار النقد ونقلت إليها جميع ودائع الحزينة السورية.(11)

كما أصدر الشيشكلي قرار تنظيم عمل المصارف وأنشأ فريق اقتصادي مؤلف من وزير الاقتصاد منير دياب وحاكم المصرف المركزي الجديد الدكتور عزت طرابلسي  ونائبه الدكتور عوض بركات.(12) فرضوا على جميع البنوك ضرورة تعريف عملياتها المصرفية وتحديد الحد الأدنى لرأس مالها واحتياطها النقدي، مع شروط الانتساب إلى مجالس إدارتها والواجبات المترتبة عليها بتقديم البيانات والميزانيات لحماية ودائع الزبائن وحماية ملاءة المصارف وأموالها. كما أرسل الشيشكلي مستشاريه إلى فرنسا وبلجيكا وسويسرا للاستفادة من التجربة المصرفية في تلك الدول وتعاقد مع نائب حاكم مصرف فرنسا المركزي ليكون مستشاراً لصرف سورية المركزي خلال مرحلة التأسيس.(13)

ولكن مصرف سورية المركزي لم يفتح أبوابه إلّا بعد مغادرة الشيشكلي السلطة، وقد تم افتتاحه في عهد الرئيس شكري القوتلي سنة 1956. كما تم في عهده وضع أساسات معرض دمشق الدولي ولكنه لم يرى النور حتى شهر أيلول من العام 1954، أي بعد سبعة أشهر من سقوط حكم الشيشكلي في سورية.(14)

حركة التحرير العربي

وفي 24 تشرين الأول 1952 أشهر الشيشكلي حزبه الجديد، الذي أطلق عليه اسم حركة التحرير العربي وكان تدشينها في مهرجان خطابي كبير وسط دمشق في ساحة باتت تُعرف من يومها بساحة التحرير. خطب الشيشكلي بالجماهير المحتشدة وأعلن عن برنامجه السياسي المؤلف من 31 نقطة، منها السعي لتوحيد البلاد العربية وتحريرها من الهيمنة الأجنبية، مع ضمان حقوق الأقليات والمرأة. طالب بإعادة توزير أراضي الدولة على الفلاحين بإنشاء مدارس زراعية وصناعية مع جعل التجنيد العسكري إجبارياً لكل مواطن بلغ الثامنة عشرة من عمره.

كانت حركة التحرير العربي عبارة عن خليط بين القومية العربية ومبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي التي رافقت الشيشكلي منذ أن كان ضابطاً في جيش الشرق، وكان حزبه مفتوحاً أمام نساء سورية، عكس الأحزاب السياسية التقليدية، كالحزب الوطني وحزب الشعب، الذين كانوا مختصرين على الذكور فقط.

وفي 24 تشرين الأول 1952، افتتح فرح حركة التحرير العربي في حلب، معقل حزب الشعب، ودخل الشيشكلي على المدينة في استعراض كبير مؤلف من ألف سيارة ومركبة. وقد وصف الشيشكلي حزبه الجديد قائلاً:

كانت حركة التحرير العربي وليدة الانقلاب العسكري والضرورات الوطنية التي دعت إليه، فهي حركة انقلابية إصلاحية لا علاقة لها بأي حركة سابقة أو حزب قديم، ولكنها تفتح صدرها لجميع العناصر الطيبة دون تفريق أو تمييز. وهذا قلبي وهذه يدي، أمدهما للمواطنين الصادقين إذا أحبوا العمل لمصلحة سورية ومصلحة العروبة، وما على الرسول إلا البلاغ.(15)

وقد عيّن الشيشكلي الدكتور مأمون الكزبري، أحد أشهر أستاذة الحقوق في جامعة دمشق أميناً عاماً لحركة التحرير العربي واختار لنفسه لقب “الرئيس المؤسس.”

الانتخابات النيابية

دعا أديب الشيشكلي إلى انتخابات نيابية سنة 1953، بعد تقليص عدد مقاعد مجلس النواب من 114 إلى 82 مقعداً. وكانت هذه الانتخابات هي الأولى في تاريخ سورية التي تُشارك فيها المرأة السورية، وذلك عبر المدرسة ثريا الحافظ، التي ترشحت عن مدينة دمشق ولكنها لم تنجح. أجريت الانتخابات، في ظلّ مقاطعة شاملة من جميع الأحزاب التقليدية، وفازت حركة التحرير العربي بستون مقعداً من أصل 82 مقعد، وحصل الحزب السوري القومي الاجتماعي على مقعد واحد نظراً لتحالفه من الشيشكلي. وقد انتُخب مأمون الكزبري، أمين عام حركة التحرير العربي، رئيساً لمجلس النواب.

الرئيس أديب الشيشكلي يلقي القسم الرئاسي في 11 تموز 1953.
الرئيس أديب الشيشكلي يلقي القسم الرئاسي في 11 تموز 1953.

الشيشكلي رئيساً للجمهورية

وبعدها قام مجلس النواب الجديد بترشيح أديب الشيشكلي إلى رئاسة الجمهورية (من دون أي منافس)، وانتُخب رئيساً في 11 تموز 1953 بعد فوزه على 90% من أصوات الناخبين، الذين قدر عددهم بمليوني مواطن سوري.(16)

كما بدأ العمل بدستور جديد كان الرئيس الشيشكلي قد وضعه وصدّق عليه رئيس الدولة فوزي سلو في 16 حزيران 1953. وكان أبرز في جاء في دستور الشيشكلي فيما يتعلق بصلاحيات رئيس الجمهورية وطريقة انتخابه، فأصبح ينُتخب من الشعب مباشرة لا من مجلس النواب، كما جرت العادة منذ سنة 1932، وصار الوزراء مسؤولون أمامه فقط وليس أمام المجلس النيابي.(17)

حكومة الشيشكلي

تولّى الرئيس الشيشكلي رئاسة الحكومة، إضافة لمهامه في رئاسة الجمهورية، وشكّل حكومته الأولى من المستقلين التكنوقراط التي جاءت على الشكل التالي:

أديب الشيشكلي: رئيساً للجمهورية

خليل مردم بك: وزيراً للخارجية

نوي الإبيش: وزيراً للداخلية

اللواء رفعت خانكان: وزيراً للدفاع

الدكتور نظمي قباني: وزيراً للصحة

أنور إبراهيم باشا: وزيراً للمعارف

عون الله الجابري: وزيراً للاقتصاد

جورج شاهين: وزيراً للمالية

أسعد محاسن: وزيراً للعدل

عبد الرحمن الهنيدي: وزيراً للزراعة

فتح الله أسيون: وزيراً للأشغال العامة والمواصلات

مؤتمر حمص

خلت حومة الشيشكلي من جميع الأحزاب التقليدية التي اجتمعت على معارضتها تحت لواء الرئيس الأسبق هاشم الأتاسي، والذي نظّم جبهة معارضة لحكم الرئيس لشيشكلي ودعا إلى اجتماع كبير في داره بحمص في تموز 1953، حضره ممثلين عن الحزب الوطني وحزب الشعب وحزب البعث.

تقرر في هذا الاجتماع عدم الاعتراف بشرعية حكم الشيشكلي وبضرورة محاربته بكل الطرق القانونية. ومن مقره في جبل الدروز، أيد الزعيم سلطان باشا الأطرش مقررات مؤتمر حمص وأصدر بياناً وصف فيه الشيشكلي بالديكتاتور الذي يجب على السوريين إسقاطه. نظراً لتقدمهم بالسن ومكانتهم الرفيعة في المجتمع السوري، لم يستطع الشيشكلي من اعتقال هاشم الأتاسي وسلطان الأطرش، ولكنه أمر باعتقال نجليهما عدنان الأتاسي (وهو من أعضاء حزب الشعب) ومنصور الأطرش (وهو من قادة حزب البعث).

وقد اشتد الخلاف بين الشيشكلي والبعثيين، الذين كانوا قد ايدوه في بداية عهده، فقرر اعتقال ميشيل عفلق وصلاح البيطار ومعهم رئيس الحزب العربي الاشتراكي أكرم الحوراني، ابن حماة وصديق طفولة الشيشكلي. وفي شهر كانون الثاني 1953 فرّ ثلاثتهم إلى لبنان، وشكّلوا تحالفاً سياسياً ضد الشيشكلي أدى ألى دمج الحزبين في حزب واحد أطلق عليه اسم حزب البعث العربي الاشتراكي.

سقوط الشيشكلي

كانت عبارة الشيشكلي الشهيرة: “إن أعدائي يشبهون الأفعى، رأسها في جبل الدروز (معقل سلطان الأطرش) ومعدتها في حمص (مركز هاشم الأتاسي) ، أما ذيلها هو في حلب (مقر حزب الشعب). إذا سحقت الذيل ماتت الأفعى.”(18) وقد بدأ الشيشكلي بضرب خصومه في جبل الدروز بعد اكتشاف سلاح مهرب قد وصل إلى قرية القريا قادماً من الأردن والعراق، التي كانت تمول فصيل من المنشقين عن الجيش السوري، المعروفين بقوات سورية الحرة. وقد عثر على مناشير في السويداء تدعو إلى إسقاط الشيشكلي، مما جعل الرئيس يفرض الإقامة الجبرية على سلطان باشا الأطرش.

وفي كانون الأول 1953، انطلقت مظاهرات كبيرة ضد الحكم في حلب، رد عليها الشيشكلي باعتقال عدد من زعماء المدينة من قادة حزب الشعب وعلى رأسهم رئيس البرلمان الأسبق رشدي الكيخيا والوزير الأسبق الدكتور عبد الوهاب حومد. وقد شملت الاعتقالات الوزير الأسبق فيضي الأتاسي في حمص والأمير حسن الأطرش في جبل الدروز وأمين عام الحزب الوطني صبري العسلي في دمشق.

وفي 25 شباط 1954 قام النقيب مصطفى حمدون باحتلال إذاعة حلب، وهو من أنصار أكرم الحوراني، وطلب من الشيشكلي الاستقالة ومغادرة البلاد فوراً. اشترك معه في العصيان كل من المقدم فيصل الأتاسي (ضابط أركان اللواء الثاني) والعقيد أمين أبو عساف (قائد اللواء الثالث في دير الزور) وانضم إليهم المقدم عبد الجواد رسلان (قائد حامية الساحل الغربي في اللاذقية) والعقيد محمود شوكت (قائد المنطقة الوسطى) والعقيد عمر قباني (قائد حامية حوران).

دعا الرئيس الشيشكلي قادة أركانه إلى اجتماع عاجل في قصر الضيافة في شارع أبي رمانة، تقرر فيه تنحي الشيشكلي ومغادرته البلاد إلى السعودية، مروراً بالأراضي اللبنانية. وقد اتخذ هذا القرار على الرغم من أن الشيشكلي كان ما يزال قادراً على سحق التمرد عن الطريق الدبابات والمدافع الثقيلة التي بقيت تحت إمرته في قطنا والقابون، وعبر قوى الهجانة التي كانت بقيادة شقيقه صلاح الشيشكلي.

قبل مغادرته دمشق أذاع الشيشكلي البيان التالي:

رغبة مني في تجنب سفك دماء الشعب الذي أحب، والجيش الذي ضحيت بكل غال من أجله، والأمة العربية التي حاولت خدمتها بإخلاص صادق، أتقدم باستقالتي من رئاسة الجمهورية إلى الشعب السوري الذي انتخبني والذي أولاني ثقته آملاً أن تخدم مبادرتي هذه قضية وطني، وأبتهل من الله أن يحفظه من كل سوء وأن يوحده ويزيده منعة وأن يسير به إلى قمة المجد.

توجه الشيشكلي إلى بيروت، ومن بعدها إلى السعودية، وتولّى رئاسة الجمهورية بالوكالة رئيس مجلس النواب مأمون الكزبري من 26 شباط وحتى 1 آذار 1954. عاد يومها هاشم الأتاسي من حمص لإكمال ما تبقى من ولايته الدستورية التي كانت قد قُطعت إثر انقلاب الشيشكلي الثاني سنة 1951. وقد اعتبر أن مرحلة الشيشكلي لم تمر على سورية وفور دخوله القصر الجمهوري قام الرئيس الأتاسي بإبطالدستور الشيشكلي وبرلمان الشيشكلي ومعظم القرارات التي صدرت في عهده.

الشيشكلي في سنوات المنفى.
الشيشكلي في سنوات المنفى.

المؤامرة العراقية

بعد سنتين من خروجه من سورية وقع الاختيار على أديب الشيشكلي للقيام بانقلاب عسكري  ضد الرئيس شكري القوتلي الذي كان قد عاد إلى دمشق وتم انتخابه رئيساً للجمهورية سنة 1955.

الانقلاب الجديد كان بتخطيط وتمويل من الوصي على عرش العراق الأمير عبد الإله، عدو الأمس بالنسبة للشيشكلي الذي حاول توحيد سورية والعراق سنة 1949 ولكنه لم يفلح بسبب انقلاب الشيشكلي الأول على اللواء سامي الحناوي.

قرر الأمير عبد الإله تناسي ما حدث بينه وبين الشيشكلي في الماضي وتواصل معه عبر شقيقه صلاح الشيشكلي للقيام بانقلاب يُطيح برجال الدولة السورية المحسوبين على مصر والرئيس جمال عبد الناصر، ومنهم رئيس الجمهورية شكري القوتلي ورئيس مجلس النواب أكرم الحوراني ومدير المكتب الثاني العقيد عبد الحميد السراج.

اجتمع الشيشكلي بشقيقه بباريس في شهر نيسان من العام 1956 وطلب الاجتماع مع أحد الضباط العراقيين الكبار، ثم بالسفر إلى لبنان للقاء شخصيات سورية من حلقته الضيقة في الماضي القريب، يمكنه الاعتماد عليها في تنفيذ الانقلاب. وقد وصل الشيشكلي إلى بيروت في تموز 1956 متخفياً واجتمع مع ضباطه السابقين قبل أن يعدل عن فكرة الانقلاب خوفاً من عواقبها على أفراد أسرته في حماة، في حال أن الانقلاب لم ينجح.

بعد انسحاب الشيشكلي من المؤامرة العراقية قرر الأمير عبد الإله التعاون مع مجموعة من السياسيين للقيام بالانقلاب المطلوب، ولكن المؤامرة كشفت من قبل المخابرات السورية وتم اعتقال المشتركين بها من وزراء ونواب. مثلوا أمام القضاء العسكري في محكمة علنية على مدرج جامعة دمشق، غاب عنها الشيشكلي وحكم عليه فيها بالإعدام بتهمة الخيانة العظمى.

الوفاة

عاش أديب الشيشكلي سنواته الأخيرة في البرازيل، في منزل قريب من جسر نهر داس وفيه تم اغتياله على يد المواطن السوري نواف غزالة في الساعة الثالثة من عصر يوم 27 أيلول 1964.  وقال غزالة أنه قتل الشيشكلي انتقاماً لأهله وشهداء الدروز الذين قتلوا خلال حملة الشيشكلي على جبل الدروز سنة 1953.

 

 

المصدر
1. هاني الخيّر. أديب الشيشكلي: البداية والنهاية (دمشق 1994)، 202. نفس المصدر، 223. نفس المصدر4. نذير فنصة. أيام حسني الزعيم: 137 يوم هزت سورية (دار الآفاق الجديدة، دمشق 1983)، 215. نفس المصدر، 57.6. هاني الخيّر. أديب الشيشكلي: البداية والنهاية (دمشق 1994)، 777. نفس المصدر، 898. باتريك سيل. الصراع على سورية (باللغة الإنكليزية – مطبعة جامعة أوكسفورد 1965)، 180-181 9. نفس المصدر، 12210. سامي مروان مبيّض. عبد الناصر والتأميم (دار رياض نجيب الريّس، بيروت 2019)، 4511. نفس المصدر، 107-10812. نفس المصدر13. نفس المصدر14. مطيع السمان. وطن وعسكر (مكتبة بيسان، بيروت 1995)، 40415. هاني الخيّر. أديب الشيشكلي: البداية والنهاية (دمشق 1994)، 10616. نفس المصدر، 114.17. نفس االمصدر، 10918. باتريك سيل. الصراع على سورية (باللغة الإنكليزية – مطبعة جامعة أوكسفورد 1965)، 132

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!