أعلام وشخصياتحقوقيون وقضاةسياسيون ورجال دولة

فوزي الغزي

واضع دستور سورية الأول سنة 1928.

فوزي الغزي
فوزي الغزي

فوزي الغزي (1897-1929)، سياسي سورية من دمشق ورجل قانون، وضع الدستور الجمهوري الأول سنة 1928. كان أحد مؤسسي حزب الشعب مع عبد الرحمن الشهبندر سنة 1925 ومن قادة الكتلة الوطنية التي ظهرت بعد هزيمة الثورة السورية الكبرى. مات مسموماً وهو في الثانية والثلاثين من عمره، وكانت جريمة مقتله حدثاً كبيراً هزّ الوسط السياسي في سورية والعالم العربي.

البداية

ولِد فوزي الغزي في حيّ العقيبة بدمشق وكان والده إسماعيل الغزي قاضياً معروفاً. دَرَس الحقوق في المعهد الملكي في إسطنبول وخدم في الجيش العثماني، في القوقاز أولاً ثم في العراق، حيث أصيب برصاصة أفقدته جزءاً من أذنه.(1) بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، عمل الغزي مدرساً في معهد الحقوق العربي بدمشق، وكان أحد مؤسسي كلية الحقوق في الجامعة السورية سنة 1923.

الثورة السورية الكبرى 1925-1927

تعاون فوزي الغزي مع عبد الرحمن الشهبندر سنة 1925 في تأسيس حزب الشعب، وشارك في كتابة مبادئه الأساسية وأهدافه.(2) ولكن مسيرة الحزب لم تستمر إلا أسابيع محدودة فقط، فقد تم حلّه من قبل سلطة الانتداب الفرنسي وملاحقة أعضائه بسبب دعمهم للثورة السورية الكبرى التي انطلقت في تموز 1925. أُلقي القبض عليه وتم سجنه في قلعة أرواد قبل نفيه إلى مدينة الحسكة. تعرض لتعذيب شديد في المعتقل، تسبب بتراجع حاد في صحته على الرغم من صغر سنه، وتساقطت أسنانه من يومها وصار يعاني من عدة أمراض مزمنة.(3)

دستور عام 1928

بعد خروجه من المعتقل سنة 1928، عاد لممارسة عمله في الجامعة السورية وشارك في تأسيس الكتلة الوطنية مع هاشم الأتاسي التي كانت تُنادي بتحرير سورية عبر مفاوضات سياسية مع فرنسا، بعيداً عن السلاح والثورة. فاز الغزي سنة 1928 بعضوية الجمعية التأسيسية المكلفة بصياغة دستور سورية الجمهوري الأول. انتخب الغزي رئيساً ثانياً للجمعية التأسيسية، معاوناً للرئيس الأول هاشم الأتاسي.  تمكنت الجمعية من كتابة الدستور خلال مدة قياسية لم تتجاوز الأسبوعين، وفي 4 حزيران 1928، تم الإعلان عن الدستور الجديد، المستلهم من الدساتير الأوروبية العصرية. وقد جاء في خطاب الغزي أمام الجمعية التأسيسية: “الأمم لا تموت أيها السادة، إلا إذا أراد لها أبناؤها هذا الموت. والشعوب لا تفنى إلا إذا أراد لها الفناء أهلها. فامشوا أيها السادة على سنن الكون إذا أردتم الحياة واستسلموا إلى الخنوع والخضوع إذا أردتم الموت.”(4)

أسس الدستور الجديد لنظام حكم رئاسي وبرلماني في سورية، وانتخابات تشريعيّة ورئاسيّة. حُددت ولاية رئيس الجمهورية فيها بأربع سنوات، لا يجوز تجاوزها، وقد جاء في مسوّدة الدستور أنه يحق لرئيس الجمهورية أن يعود إلى الحكم ولكن بعد قضاء أربع سنوات خارج السلطة. وأصر الغزي على عدم ذكر الانتداب الفرنسي في أي مادة من مواد الدستور، لكي لا يُعطي فرنسا أي شرعية قانونية في سورية، كما حدد جغرافية الجمهورية سورية بحدودها الطبيعية، دون الاعتراف بالحدود المصطنعة التي فُرضت على المنطقة عبر اتفاقية سايكس بيكو. وأخيراً أعطى الدستور الجديد رئيس الجمهورية المُنتخب، لا المفوض السامي الفرنسي، حق إعلان السِلم والحرب وإبرام الاتفاقيات والمعاهدات الدولية باسم الدولة السورية.

اعترضت المفوضية الفرنسية العليا في بيروت على ست مواد وطالبت بتعديلها أو شطبها، ولكن فوزي الغزي رفض ذلك بشدة وقام بطرح مسودة الدستور على مجلس النواب لنيل الثقة، حيث وافق عليه النواب بالإجماع. غضب المفوض السامي من هذا التحدي، وقام بحلّ المجلس وتعطيل العمل بالدستور إلى أجل غير مُسمى. وقد فرض الدستور بنسخته المعدلة سنة 1930، مع ذكر صريح للانتداب الفرنسي، ولكن ذلك تم بعد وفاة فوزي الغزي.

مقتل الغزي

في 5 حزيران 1929، توفي فوزي الغزي بشكل مفاجئ، وخرجت له جنازة شعبية مهيبة، حمل فيها المشيعون لافتات كُتب عليها: “مات أبو الدستور، فليحيا الدستور!” رثاه زميله فارس الخوري بقصيدة طويلة جاء في مطلعها: “يبكيكَ أحرار سورية وأنت أخُ…ويبكيكَ دستور سورية وأنت أبُ.” وفي أولى جلسات المجلس النيابي بعد رحيله، طالب نائب دمشق فخري البارودي بالوقوف دقيقة صمت حداداً على روح فوزي الغزي وعلى دستور سورية الذي تم إجهاضه.

تبين خلال التحقيقات أن موت الغزي لم يكن صدفة بل كان مُدبراً من قبل زوجته الحمصية لطيفة اليافي، والتي كانت على علاقة عاطفية مع ابن أخيه رضا الغزي. قررت التخلص منه لكي تتمكن من الزواج من حبيبها، وقام رضا الغزي بشراء برشانتين من السم الزعاف من صيدلي في حيّ العمارة، قدمت للغزي على تواجده في مزرعته في غوطة دمشق.(5)

جرّبت الزوجة السمّ على كلب المزرعة للتأكد من فعاليته فمات فوراً. فقررت إعطاءه لزوجها الذي كان يشكو من إسهال شديد. طلب منها دواء فقدمت له البرشانة، ومات بعدها على الفور مُتأثراً بالسمّ. تم اعتقال الزوجة والعشيق مع الصيدلي الذي باعهم البرشانة، وحكم عليهم بالإعدام، ولكن المفوض السامي هنري بونسو تدخل في القضية وتم تخفيف الحكم إلى السجن المؤبد. وقد بقيت الزوجة في السجن حتى سنة 1949، عندما أُطلق سراحها بأمر من حسني الزعيم بعد وصوله إلى الحكم.(6)

تخليد ذكرى فوزي الغزي

أُطلق اسم فوزي الغزي على شارع رئيسي في حيّ أبو رمانة بدمشق، تكريماً له ولمنجزاته الوطنية.

المصدر
1. عبد الغني العطري. عبقريات وأعلام (دار البشائر، دمشق 1996)، 70-782. يوسف الحكيم. سورية والإنتداب الفرنسي (دار النهار، بيروت 1983)، 1063. عبد الغني العطري. عبقريات وأعلام (دار البشائر، دمشق 1996)، 70-784. نفس المصدر5. نفس المصدر6. أسعد كوراني. ذكريات وخواطر مما رأيت وسمعت وفعلت ( دار رياض نجيب الريّس، بيروت 2000)، 214

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!