الشهر: يناير 2021

  • رضا سعيد

    الأستاذ الدكتور رضا سعيد
    الأستاذ الدكتور رضا سعيد

    رضا سعيد الأيتوني (1876-1946)، طبيب سوري من دمشق كان مؤسساً لمعهد الطب العربي وأول رئيس للجامعة السورية عام 1923. كما عٌين وزيراً للمعارف ما بين 1924-1925.

    البداية

    ولِد رضا سعيد في دمشق ودرس في مدارسها الحكومية ثم في الكلية الطبية العسكرية في اسطنبول، حيث تخرّج عام 1902. درّس طب العيون وعَمل جراحاً في إسطنبول ثم في مستشفى أوتيل ديو في باريس، ومع بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914، أصبح مديراً للدائرة الطبية في الخط الحديدي الحجازي.(1)

    تعريب معهد الطب في دمشق

    بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وسحب القوات العثمانية من دمشق، شُكلت حكومة عربية برئاسة الأمير فيصل بن الحسين، نجل الشريف حسين بن علي، قائد الثورة العربية الكبرى.

    التقى الأمير بوفد من الأطباء السوريين، اللذين طلبوا منه إعادة فتح معهد الطب العثماني في حيّ البرامكة، بعد إقفاله بسبب ظروف الحرب. وافق فيصل على طلبهم، وأمر بإعادة فتح المعهد في 23 كانون الثاني 1919، بعد تغير اسمه ليصبح معهد الطب العربي.

    وشكلت لجنة مصغرة من الأطباء المرموقين، هدفها تعريب المناهج وتحويلها من اللغة التركية إلى العربية. ترأس رضا سعيد هذه اللجنة، التي ضمّت عبد الرحمن الشهبندر خريج الجامعة الأميركية في بيروت، والدكتور أحمد منيف العائدي، خريج معهد الطب العثماني في اسطنبول، والدكتور مرشد خاطر، خريج الجامعة اليسوعية في بيروت، والدكتور عبد القادر زهرة، أحد أطباء الشريف حسين، والدكتور محمود حمودة، وهو من الأطباء الدمشقيين البارزين في الحجاز.(2)

    عميداً لمعهد الطب العربي

    عيُن رضا سعيد عميداً لمعهد الطب العربي وكلف الحقوقي الفلسطيني عبد اللطيف صلاح بعمادة معهد الحقوق، الذي فتح أبوابه للطلاب السوريين في أيلول 1919، أي بعد سنة من جلاء القوات العثمانية عن دمشق. يوم توليه العمادة بحث الدكتور رضا سعيد عن أطباء محليين لملئ الفراغ في الكادر التعليمي، نظراً لسفر جميع الأطباء الأتراك فجاء بالدكتور مصطفى شوقي (الذي أصبح لاحقاً عميداً لكلية الطب) وعُينه مدرساً للأنسجة والتشريح، وكلّف صديقه الدكتور أحمد منيف العائدي بتدريس مادتي طب الأطفال والفيزيولوجيا، وأوكل إلى مرشد خاطر مادة عِلم الأمراض.

    أمّا الدكتور سامي الساطي (الذي أصبح أيضاً عميداً للكلية بعد سنوات) فقد قام بتدريس الطب الباطني، والدكتور إبراهيم الساطي أصبح مختصاً بالأمراض النسائية، وقام الدكتور جميل الخاني، خريج معهد الطب العثماني، بتدريس الأمراض الجلدية، في الوقت الذي عمل كل من الأستاذة عبد الوهاب القنواتي وشوكت الجراح على النهوض بقسم الكيمياء. ودرّس الدكتور ميشيل شمندي مادة طب الأعشاب، كما درّس الطبيب أحمد حمدي الخياط، خريج معهد لويس باستور الفرنسي، عِلم الأحياء المجهري.(3)

    النظام الأساسي لمعهد الطب العربي

    صدرت التعليمات التنفيذية وقوانين معهد الطب عام 1920، بتوقيع رضا سعيد نصّ القانون على أنّ لأي طالب حامل شهادة ثانوية رسمية من المدارس العثمانية حق الالتحاق بالمعاهد السورية من دون امتحان قبول، ومن لا يملك شهادة عثمانية مُعترف بها، فعليه التقدم لامتحان شفهي وكتابي، وعليه اختيار لغةً أجنبية ليمتحن بها، إمّا الفرنسية أو الإنكليزية.

    ولديه حق اختيار مواده العلمية، إما الجبر أو الكيمياء أو علم المثلثات أو الأحياء، وكذلك الأدبية، بين التاريخ والجغرافيا. ولا يحق لأي طالب لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره التقدم إلى معهد الطب العربي، وعلى جميع الطلاب إبراز شهادة صحية تثبت أنهم لا يعانون من أي مرض مزمن، جسدياً كان أو عقلياً، وعليهم أخذ لقاح ضد مرض الجدري، كما كان عليهم جلب ورقة حسن سلوك من مختار الحي الذي يقيمون فيه.

    منع القانون طلاب المعهد من دراسة فرعين علميين في الوقت ذاته، وكان عليهم الاختيار بين الطب أو الحقوق. ودخل النظام تفاصيل الحياة اليومية للطلاب والمدرسين، فكان التأخير مثلاً ممنوع، ولم يُسمح للطالب بدخول قاعة المحاضرات بعد مرور خمس دقائق على بدء المحاضرة، كما لم يحق للمدرس أن يتأخر أكثر من عشرة دقائق إلاّ في حال وجود عذر رسمي وكانت الأعذار المطلوبة من الطلاب والأساتذة في حال التأخير تقدم خطياً إلى لجنة يترأسها عميد المعهد.(4)

    وأبقت كلية الطب على برنامجها القديم، بخمس سنوات للتخصصات العلمية أمّا عن رسم التسجيل، فقد حدده رضا سعيد بثلاثة دنانير سورية، وقسط الفصل العلمي بتسعة دنانير تدفع على ثلاث مراحل والذي يتغيب عن الامتحان يجب أن يقدم عذراً رسمياً، وعليه دفع ستة دنانير تأخير لخزينة المعهد وعند التخرج، كان على الطالب تسديد عشر دنانير للحصول على الشهادة الجامعية وفي العام الأول بعد خروج الأتراك، سجل 21 طالباً جديداً في كلية الحقوق ووصل عدد طلاب كلية الطب إلى أربعين.(5)

    معركة الاعتراف بشهادة الطب السورية

    في تموز 1920، سقط العهد الفيصلي في سورية، وتم استبداله بنظام الإنتداب الفرنسي الذي دام حتى عام 1946. أولى القرارات الفرنسية كانت محاولة إغلاق معهد الطب العربي، بحجة أن لا داعي له لوجود معاهد مماثلة في بيروت، ولكن رضا سعيد قاد مقاومة شرسة ضد هذا القرار، ومفاوضات شاقة مع المفوض السامي هنري غورو، الذي كان يريد الإستيلاء على المعهد لصالح حكومة الانتداب.

    نجحت مساعيه ولكن تحدياته لم تتنتهي، فبعد معركة الإستمرار كانت معركة الاعتراف بشهادة الطب. الحكومة الفرنسية المنتدبة اعترفت بها على الفور، وقبلت عدداً من طلابها المتفوقين في باريس لإكمال اختصاصاتهم، مثل الدكتور حسني سبح الذي وصل العاصمة الفرنسية عام 1924، وأنسطاس شاهين الذي التحق بجامعة السوربون، وأحمد شوكت الشطي الذي قُبل في جامعة مونبيلييه.

    ولكن السلطة البريطانية الحاكمة في كل من فلسطين والعراق ومصر رفضت الاعتراف بهذه الشهادة، اولاً لتخوف الأطباء العراقيين والفلسطينيين والمصريين من مهارة وسمعة نظرائهم السوريين، الذين شكلو تهديداً حقيقياً لهم في سوق العمل، وثانياً بسبب نشاط الطلاب السوريين المعروفين في مناهضة الإستعمار الأوروبي في بلادهم.

    ففي عهد رضا سعيد، خرجت مظاهرات طلابية ضد زيارة وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور إلى دمشق عام 1925، ومنعته من قضاء ليلة واحدة في سورية، ومظاهرة أخرى خرجت احتفالاً بمقتل أحد المستوطنين الصهاينة في مدينة الخليل، في أيلول 1929، ترأسها طالب الحقوق سهيل فارس الخوري. رفض رضا سعيد معاقبة الطلاب أو فصلهم.

    وفي زمنه أيضاً، أقيم عرض مسرحي في الحرم الجامعي، للأديب المصري مصطفى لطفي المنفلوطي، فيه نقد لاذع للإنجليز. جاء ردهم برفض الاعتراف بشهادة دمشق، الذي لم تعترف بها بريطانية إلا بعد خروج رضا سعيد من منصبه عام 1936، وكان ذلك بواسطة قام بها الدكتور عبد الرحمن الشهبندر مع رئيس وزراء مصر في حينها مصطفى النحاس باشا.

    رئيساً للجامعة السورية

    في حزيران 1923، أصدر المندوب السامي الفرنسي ماكسيم ويغان قراراً بدمج كليتي الحقوق والطب في مؤسسة تعليمية جديدة يكون اسمها الجامعة السورية، والتي حافظت على هذا الاسم حتى قيام جمهورية الوحدة مع مصر عام 1958، ليصبح اسمها جامعة دمشق. فقدت الجامعة بموجب القانون الجديد، الاستقلالية الإدارية التي نعمت بها منذ عام 1919، وأصبحت منذ هذا التاريخ تابعة رسمياً لوزارة المعارف السورية.

    نصّ القانون الجديد على أن يتم انتخاب رئيس الجامعة من عمداء كليات الطب والحقوق ومجمع اللغة العربية التابع لوزارة المعارف، وأن تكون مدّة الرئاسة عاماً واحداً فقط يجدَّد بالإجماع. كما نص القانون على أن يصادق رئيس الدولة على هذه الانتخابات وأن يعين رئيس الجامعة بمرسوم.

    جرت الانتخابات الأولى برعاية فرنسية بين عميد كلية الطب رضا سعيد وعميد كلية الحقوق الأستاذ عبد القادر العظم ورئيس المجمع العلاّمة محمد كرد علي. فاز رضا سعيد بالرئاسة، وحافظ على منصبه من عام 1923 وحتى سنة 1936.

    منجزات رضا سعيد

    في الأول من تموز عام 1929، افتتح رضا سعيد المدرج الكبير في الجامعة السورية، وبعد عامين دشن مطبعة الجامعة الرسمية لإصدار المجلة الطبية ومجلات علمية أخرى، كما قام بتوسعة مكتبة الجامعة لتصل إلى 4500 كتاب عالمي باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية، وبدأ بتشجيع المواهب الفنية والرياضية لدى الطلاب.

    وعندما بدأ الطلاب لعب كرة المضرب مثلاً، أمر رئيس الجامعة بتخصيص مبلغ 100 ليرة سورية لدعم نشاطهم. في العام الدراسي 1930-1931، تم تسجيل 81 طالباً جديداً في الجامعة السورية، سبعة منهم من الدمشقيات، أبرزهن لويس ماهر، التي تخرجت من كلية الطب وظهرت في صورة تذكارية مع رضا سعيد وأعضاء الهيئة التدريسية وهي بكامل أناقتها من دون أي تمييز عنصري لها عن رفاقها الذكور أو من الأساتذة.

    رضا سعيد وزيراً للمعارف

    نظراً لسمعته الطيبة بين الناس وماضيه العلمي والوطني عُين رضا سعيد وزيراً للمعارف يوم 10 كانون الأول عام 1924، في المراحل الأخيرة من ما عرف يومها بالإتحاد السوري الفيدرالي، الذي كان يجمع بين دويلات دمشق وحلب واللاذقية، وكان برئاسة أحد الوجهاء من مدينة أنطاكيا السورية، صبحي بركات.

    بعد توليه المنصب بأيام معدودة، تم حل الاتحاد واستبداله بنظام الدولة السورية، الذي جمع بين الولايات الثلاث يوم 1 كانون الثاني عام 1925.

    جمع رضا سعيد بين مهامه في وزارة المعارف و رئاسته للجامعة السورية وعمادته لكلية الطب، ولكن فترته الحكومية لم تكن موفقة، بالمقارنة مع عمله الأكاديمي، بسبب اندلاع نيران الثورة السورية الكبرى، في صيف العام 1925.

    موقفه من العدوان الفرنسي على دمشق

    خلال تواجد رضا سعيد في المنصب، قصف الفرنسيون مدينة دمشق يوم 18 تشرين الأول عام 1925، وأحرقوا أسواقها التاريخية مثل سوق الحميدية والبزورية، ودمّروا قصر العظم.

    أمر رضا سعيد بإغلاق المدارس خلال العدوان الوحشي، ولكنه رفض إغلاق أبواب الجامعة، حتى مع ازدياد مظاهرات الطلاب الرافضين لحكم فرنسا في سورية، قائلاً: “كلما تعلمتم أكثر، خافوا منكم أكثر، اذهبوا إلى دروسكم، وتفوقوا بها، وذلك بحد ذاته تحدياً لفرنسا ومشاريعها في بلادنا.”

    التقاعد والوفاة

    بقي رضا سعيد في منصبه الحكومي حتى تاريخ 21 كانون الأول 1925، أي سنة كاملة، أكمل بعدها عمله في الجامعة حتى بلوغه سن التقاعد عام 1936. ثمّ غاب عن المشهد العام، حتى وافته المنية في دمشق عام 1946، أي قبل خروج المستعمر الفرنسي بأشهر معدودة.

    تخليد ذكرى رضا سعيد

    أطلق اسم رضا سعيد على قاعة رئيسية في جامعة دمشق وعلى شارع وسط المدينة. وقد صدر كتاب عن حياته بعنوان “رضا سعيد مؤسس الجامعة السورية” وضعه الدكتور صباح قباني سنة 2011. وكان سقيق المؤلف الشاعر نزار قباني قد قرأ مسودة الكتاب وكتب عنه قائلاً: “الإطار الروائي الذي أحاط به المؤلف حياة الدكتور رضا سعيد جعل منه بطلاً إغريقيًّا يصارع أقداره واحدًا بعد آخر، ولولا هذا الإطار الدرامي الذي اختاره لما اختلف الكتاب عن أي سيرة ذاتية عادية. كما أن المؤلف خلع على الدكتور سعيد عباءة من قصب الثقافة لم يكن ليخلعها عليه سواه.”

    عائلة رضا سعيد

    بعد وفاته بسنوات طويلة، اشتهر ابنه وفيق رضا سعيد في عالم المصارف والأعمال، وحقق نجاحاً كبيراً في السعودية وبريطانيا، كما موّل ترميم الجامعة السورية وأسس القاعة العلمية التي حملت اسم أبيه. وتسلّم أحد أحفاد رضا سعيد، واسمه رضا سعيد ايضاً، وزارة الصحة السورية عام 2007.

  • علي رضا باشا الركابي

    الرئيس علي رضا باشا الركابي
    الرئيس علي رضا باشا الركابي

    علي رضا باشا الركابي (1868 – 25 أيار 1942)، سياسي سوري من دمشق، كان ضابطاً في الجيش العثماني وشكّل أول حكومة عربية في عهد الملك فيصل، بعد استقلال سورية عن الدولة العثمانية. ثم أصبح رئيساً للوزراء في إمارة شرق الأردن خلال السنوات 1922-1923.

    البداية

    ولِد علي رضا الركابي في دمشق وهو سليل أُسرة دمشقية كبيرة وعريقة، عَمل أبناؤها بالتجارة. دَرَس في المدرسة الرشدية ثمّ في الكلية العسكرية في إسطنبول. وفور تخرجه التحق بالجيش العثماني وعُين قائداً عسكرياً ومحافظاً على مدينة القدس ثم على المدينة المنورة.

    نُقل بعدها إلى بغداد ومن ثمّ إلى البصرة، قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914.(1) كان مُعارضاً قرار دخول الحرب، وقالها صراحة أمام كبار الضباط العُثمانيين من جمعية الاتحاد والترقي، مُطالباً بحياد الجيش العُثماني في معارك أوروبا.(2)

    اعتبروه من الانهزاميين والجُبناء، فأصدروا أمراً بتسريحه وإحالته إلى التقاعد المُبكر، عِلماً أنه لم يكن قد تجاوز السادسة والأربعين من عمره بعد. عندما عاد الركابي إلى دمشق أراد جمال باشا الاستفادة من عِلمه وخبرته، فقام بتعيينه رئيساً لبلدية دمشق عام 1915.

    حاكماً عسكرياً على مدينة دمشق

    عشية سقوط دمشق بيد الحلفاء في 26 أيلول 1918، أمر قائد الثورة العربية الكبرى الشريف حسين بن علي بتسليم المدينة لرضا الركابي، الذي كُلف برفع علم الثورة العربية فوق دار الحكومة وسط ساحة المرجة. ولكن أحد الأعيان سبقه إلى ذلك، وهو الأمير محمّد سعيد الجزائري، الذي استغل الفوضى العارمة التي عصفت بدمشق ونصّب نفسه حاكماً على المدينة، دون أي تفويض لا من الشريف حسين أو من حلفائه الإنكليز الداعمين للثورة العربية.

    فور دخول الضابط البريطاني توماس لورنس إلى دمشق، قام بعزل الأمير الجزائري وبتعين رضا الركابي بدلاً عنه. أولى قرارات الركابي كانت اعتقال الأمير محمّد سعيد ونَصب المشانق وسط ساحة المرجة، لإرهاب اللصوص والمرتزقة الذين قاموا باستباحة الأحياء والمتاجر عشية انسحاب الجيش العثماني.(3)

    حاكماً عسكرياً على سورية

    بايع رضا الركابي الأمير فيصل بن الحسين حاكماً عربياً على دمشق في 3 تشرين الأول 1918، وقام الأخير بتعيينه رئيساً لمجلس حكم جديد مؤلف من ثلاثة نواب سابقين في مجلس المبعوثان، هم الأمير عادل أرسلان وبديع مؤيد العظم وفارس الخوري، ومعهم مُتصرّف مدينة اللاذقية الأسبق عطا الأيوبي والضابط العراقي ياسين باشا الهاشمي.

    حَكَم هذا المجلس سورية من تشرين الأول 1918 وحتى آب 1919، وخلال هذه الفترة تم تحرير مدينة حلب بشكل كامل من الحكم العُثماني، ولكن الساحل السوري وقع تحت احتلال الجيش الفرنسي الذي نزل فيه بعد أيام قليلة من تولي الركابي مهامه في دمشق. بعيداً عن أعيُن الناس وبسريّة مطلقة، قدم الركابي دعماً عسكرياً ولوجستياً لكل زعماء الثورات المُسلحة التي انطلقت ضد الفرنسيين في عهده، في الشمال والساحل وأنطاكية.

    كانت ثقة الأمير فيصل كبيرة جداً بالفريق رضا الركابي، منذ أن قابله لأول مرة خلال زيارته الأولى لدمشق عام 1915. يومها رُتب اجتماع بينهما في منزل الوجيه عطا البكري، وانتسب كل من فيصل والركابي إلى الجمعية العربية الفتاة، التي كانت تعمل في السر على إسقاط الحكم العُثماني في الولايات العربية.(4)

    وبعد الحرب، أعاد فيصل ترتيب اللجنة المركزية للجمعية، بعد ضمّ الركابي إلى صفوفها الأمامية، مع كلّ من الدكتور أحمد قدري، وهو من مؤسسي الفتاة، ونسيب البكري، نجل عطا البكري الذي كان صلة الوصل بين فيصل والركابي خلال سنوات الحرب.(5)

    مُنجزات الركابي

    أبرز إنجازات رضا الركابي كانت في تعريب كافة مؤسسات الدولة السورية، وإعادة فتح معهد الطب في منطقة البرامكة يوم 23 كانون الثاني 1919، بعد تكليف الطبيب رضا سعيد برئاسته. وفي 25 أيلول 1919، أشرف رضا الركابي على إعادة فتح معهد الحقوق، وعيّن القانوني الفلسطيني عبد اللطيف صلاح عميداً له.

    كما أسس الركابي صحيفة يومية ناطقة باسم الحكومة سُمّيت جريدة العاصمة، وعَين المفكر الإسلامي محبّ الدين الخطيب رئيساً لتحريرها. وأخيراً أمر بإلغاء كافة الألقاب العُثمانية داخل مؤسسات الدولة السورية، وإسقاط لقب “الباشا” الذي كان يتمتع به منذ ان كان ضابطاً في الجيش العثماني.(6)

    ترتيب البيت الداخلي

    اختار رضا الركابي أحد أستاذة الحقوق المرموقين، شاكر الحنبلي، ليكون مدير الرسائل في مكتبه (وهو المنصب الذي بات يُعرف لاحقاً بالأمين العام لرئاسة مجلس الوزراء) وعيّن الوجيه الحمصي علاء الدين الدروبي والياً على مدينة دمشق.(7)

    كما عَيّن الضابط الدمشقي شكري باشا الأيوبي حاكماً عسكرياً على مدينة بيروت وعند اعتراض الفرنسيين على ذلك، نقله حاكماً على حلب، واختار الوجيه الشاب رؤوف الأيوبي، خريج المعهد الملكي في اسطنبول، ليكون حاكماً على لواء الكرك، الذي ضمّ معظم مناطق شرق الأردن.

    وصل وفد من أعضاء مجلس الشورى، الذي شُكل على عجل في فترة الأمير سعيد الجزائري الانتقالية، لمقابلة الركابي في السراي الكبير وسط ساحة المرجة. عندما طلب منه أحد الأعضاء قرار تعينه حاكماً عسكرياً، للتأكد من شرعيته، صاح الركابي في وجهه قائلاً: “ألم تر عينك أني قرّة عيون المُجاهدين وجيوش الحليفة الظافرة؟ قل لي أولاً، ما هي صفتك التي تخولك هذا الطلب؟” أجاب الرجل أنه عضواً في مجلس الشورى، فقاطعه الركابي بالقول: “أنا الحاكم العسكري بأمر من القائد العام، وسأنظر في مهام مجلس الشورى!”(8)

    في اليوم التالي، أمر بحلّ المجلس وتشكيل مجلس جديد برئاسة عبد القادر مؤيد العظم وعضوية كل من أمين فتوى دمشق عبد المحسن الاسطواني، وفارس الخوري ممثلاً عن دمشق، وصفوة قسطاكي ممثلاً عن حمص،  وأسعد حيدر ممثلاً عن بعلبك، ونسيب الأطرش ممثلاً عن جبل الدروز، وجورج رزق الله ممثلاً عن بيروت، وأمين حشيمة، ممثلاً عن البقاع.(9)

    علاقة الركابي بالأقليات

    جال الركابي على كافة المدن السورية للاستماع إلى مطالب الأهالي وأبدى تعاطفاً ملحوظاً مع أبناء الطائفة الأرمنية المُقيمين في مدينتي دمشق وحلب والهاربين من مجازر الأتراك في زمن الحرب العالمية الأولى. فقد أصدر قراراً بإعفائهم من الضرائب وإعادة جدولة ديونهم للدولة، نظراً لظروفهم الاقتصادية الخاصة.(10)

    كما نزل إلى حارة اليهود في دمشق القديمة، للاستماع إلى مطالب الحاخام يعقوب الدانون، وسمّى أحد أبناء الطائفة عضواً في مجلس بلدية دمشق، الذي ضمّ اثني عشر شخصاً، عشرة من المُسلمين واثنان من المسيحيين (واحد من الطائفة الأورثوذوكسية وثاني من الكاثوليكية).

    رئيساً لحكومة المديرين 1919-1920

    في 4 أب 1919، كُلف رضا الركابي بتأسيس حكومة مديرين مؤلفة من ستة مدراء، ثلاثة منهم كانوا مسيحيين وهم مُدير العدلية القاضي إسكندر عمون (من دير القمر) ومُدير المالية سعيد شقير (من الشويفات) ومُدير الأمن العام جبرائيل حداد (من طرابلس الشّام). أما بقية الحقائب، فقد ذهبت مُديرية للمعارف للمؤرخ والفيلسوف ساطع الحصري والداخلية للزعيم الدرزي رشيد طليع، وقام الركابي بتعيين ياسين باشا الهاشمي مُديراً لمجلس الشورى العسكري.

    اختلف الرئيس الركابي مع الأمير فيصل، بسبب موقفه المهادن للضباط البريطانيين المحيطين به، وقبوله بقاء قواتهم العسكرية بعدة مواقع، منها رياق وبعلبك وشتورا وحوران والكرك. ووجه لهم نقداً لاذعاً من داخل مبنى النادي العربي، حيث كان يُعقد المؤتمر السوري العام، وتحدث خلاله الركابي عن إتفاقية سايكس بيكو الموقعة بين الحكومتين الفرنسية والبريطانية خلال الحرب، واصفاً إياها بأنها “مجحفة بحقوق البلاد ومخالفة لوعود الحلفاء.”(11) وفي نفس الخطاب، أعلن الركابي عن استقالته من رئاسة الحكومة يوم 22 تشرين الثاني 1919، أي بعد ثلاثة أشهر فقط من تأليفها.

    رئيساً للحكومة السورية (آذار-أيار 1920)

    في 8 آذار 1920، أعلن المؤتمر السوري العام عن استقلال سورية التام بحدودها الطبيعية وقام بتتويج فيصل ملكاً على البلاد، في تحد واضح لكافة المشاريع البريطانية والفرنسية في الشرق الأوسط. أثلج هذا الكلام صدر الرئيس الركابي، الذي كان حاضراً حفل التتويج في دار البلدية، فقبل دعوة الملك فيصل العدول عن الاستقالة، وقام بتشكيل حكومة جديدة يوم 9 آذار 1920. وقد شكلت حكومة الرئيس الركابي على الشكل التالي:

    رضا باشا الركابي: رئيساً للوزراء

    رضا الصلح: وزيراً للداخلية

    عبد الحميد باشا القلطقجي: وزيراً للدفاع

    سعيد الحسيني: وزيراً للخارجية

    فارس الخوري: وزيراً للمالية

    جلال زهدي: وزيراً للعدلية

    ساطع الحصري: وزيراً للمعارف

    يوسف الحكيم: وزيراً للتجارة والأشغال العامة والزراعة

    ولكن هذه الوزارة لم تدم طويلاً، بسبب تهديدات الفرنسيين وزحفهم تجاه مدينة دمشق لاحتلالها بالكامل، تنفيذاً لاتفاقية سايكس بيكو. كان موقف الركابي صارماً في رفضه لأي مواجهة عسكرية مع فرنسا، خوفاً على الجيش السوري من الهلاك. وقال مراراً لفيصل أن هذا الجيش غير قادر على مواجهة الفرنسيين، وأنه سيُسحق لو فعل، بسبب تفوقهم عليه عسكرياً وتنظيمياً. كما رفض مقترح تسليح الأهالي وتشكيل مقاومة شعبية ضد فرنسا، قائلاً: “إن اتباع هذه الخطة سيؤدي إلى الفشل. ليس لدينا سلاح يزيد عن حاجة الجيش فلا نستطيع التفريط به لتسليح العصابات.”(12)

    وبناء على هذا الموقف قدم استقالته مجدداً للملك يوم 3 أيار 1920، وتم تعيين رئيس المؤتمر السوري هاشم الأتاسي خلفاً له ليقود حكومة حرب ومواجهة عسكرية. في مُذكّراته، وصف القاضي يوسف الحكيم مرحله رضا الركابي قائلاً: “كان الحاكم العسكري الفريق رضا الركابي قائماً بكل ما يتطلبه مركزه الخطير وقد أجمعت الكلمة على حزمِه وعِلمه ونزاهته وحسن إدارته وأشادت إلى ذلك الصحف الوطنية والأجنبية على حد سواء.”(13)

    رئيساً لوزراء الأردن

    ثبتت صحة مخاوف رضا الركابي، فقد هُزم الجيش السوري في مواجهة الفرنسيين، وتم خلع الملك فيصل عن عرش الشّام بعد معركة ميسلون في 24 تموز 1920. رحل الركابي عن دمشق بعد صدور قرار فرنسي باعتقاله، وذهب أولاً إلى مصر ومن ثم إلى الحجاز ليضع نفسه تحت تصرف الشريف حسين بن علي مجدداً، الذي كلّفه بالذهاب إلى عمّان لمساعدة ابنه الشريف عبد الله بن الحسين في تأسيس إمارة شرق الأردن.(14)

    كانت علاقة الركابي بالأمير عبد الله جيدة، تعود إلى أيام الثورة العربية الكبرى. استفاد الأمير من خبرة الركابي وفي 10 آذار 1922، عينه رئيساً للوزراء، بعد استقالة مظهر رسلان، أحد أعيان مدينة حمص المقيمين في الأردن.

    عَمل الركابي على وضع قوانين الدولة الأردنية الحديثة، ولاسيما في نطاق الأنظمة المالية والجهاز الإداري. وفي 3 تشرين الأول 1922 دعاه الأمير عبد الله إلى مرافقته في رحلة إلى لندن، لعقد معاهدة بين الأردن وبريطانيا. في عمّان اصطدم الركابي مع ضابط الاستخبارات البريطاني جون فيلبي، المُقرب جداً من الأمير عبد الله، فقدم استقالته وعاد إلى دمشق في نيسان 1923، بعد صدور عفو عام في سورية.

    رئيساً لحزب الأمة الملكي

    من دمشق شارك الركابي في تأسيس حزباً سياسياً يدعى حزب الأمة الملكي، هدفه استعادة العرش الهاشمي وإعادة تتويج فيصل بن الحسين ملكاً على سورية. ضم الحزب عدد من رجالات فيصل القُدامى، مثل عارف باشا الإدلبي، أحد أركان الثورة العربية الكبرى والفريق تحسين باشا الفقير، قائد معركة ميسلون.

    انتخابات الاتحاد السوري الفيدرالي

    وفي عام 1923، رشح رضا الركابي نفسه لرئاسة الاتحاد السوري الفيدرالي، الذي ضمّ دويلات دمشق وحلب واللاذقية، وخاض معركة انتخابية ضد صبحي بركات وحقي العظم، حاكم دولة دمشق. نظراً لمواقفه القومية المعروفة وقربه من الملك فيصل، حرضت حكومة الانتداب الفرنسي ضده، كما فعل خصمه حقي العظم، المحسوب على التيار الموالي لفرنسا، خوفاً من شعبيته في الأوساط السياسية والتجارية الدمشقية.

    خسر الركابي المعركة وعلق بغضب: “سيدفعون ثمناً بالدم لتعاملهم معي بهذه الطريقة! أنا لن أنسى ولن أغفر أبداً.” (15)

    انتخابات رئاسة الجمهورية عام 1932

    الركابي بزي مدني خلال إنتخابات الرئاسة عام 1932
    الركابي بزي مدني خلال إنتخابات الرئاسة عام 1932

    في 11 كانون الثاني 1930، وصل إلى دمشق الملك علي بن الحسين، نجل الشريف حسين والشقيق الأكبر للملك فيصل. تباحث مع رضا الركابي في كيفية استنهاض المشروع الهاشمي في سورية، وما يحتاج له هذا المشروع من دعم مالي وسياسي.(16)

    بعدها بعامين، قدم الركابي ترشيحه لأول انتخابات رئاسية في سورية في حزيران 1932، مُرشحاً عن حزب الأمة الملكي ومدعوماً من قبل الأسرة الهاشمية الحاكمة في كل من بغداد وعمّان.

    خاض معركة انتخابية داخل المجلس النيابي السوري، ضد هاشم الأتاسي، المُرشح من قبل الكتلة الوطنية، والشّيخ تاج الدين الحسني، ممثلاً التيار المحسوب على فرنسا، وخصومه في الانتخابات الماضية حقي العظم وصبحي بركات، إضافة للمرشح المستقل محمّد علي العابد، سفير الدولة العثمانية السابق في واشنطن.(17)

    خسر الرئيس الركابي الانتخابات مجدداً واعتزل بعدها العمل السياسي بشكل كامل، بعد مباركة فوز خصمه محمّد علي العابد برئاسة الجمهورية السورية.

    الوفاة

    أصيب رضا الركابي بجلطة أدت إلى شلل مُزمن في نهاية حياته وتوفي في دمشق عن عمر ناهز 74 عاماً يوم 25 أيار 1942. وقد أشتهر من بعده نجله أكرم الركابي، الذي تولى الأمانة العامة لوزارة الزراعة السورية في مطلع عهد الاستقلال.

  • راشد باشا مردم بك

    راشد باشا مردم بك
    راشد باشا مردم بك

    راشد باشا مردم بك (1870-1947)، قاضي ووجيه دمشقي كان عضواً في مجلس الشورى في عهد الملك فيصل الأول وهو والد الزوجة الأولى للرئيس خالد العظم، التي توفيت سنة 1918.

    البداية

    ولِد راشد مردم بك في دمشق وهو سليل أُسرة ثرية وعريقة، عَمِل أبناؤها بالتجارة والسّياسة في زمن الحكم العُثماني.

    دَرس القانون في معهد الحقوق في إسطنبول وتزّوج من ابنة الشّيخ محمّد المنيني، مفتي دمشق في نهاية القرن التاسع عشر.

    انتُخب مردم بك عضواً في مجلس دمشق البلدي وقاضياً في محكمة الاستئناف ثمّ في محكمة الصلح.(1)

    في فترة حكم الملك فيصل الأول

    في نهاية أيلول 1918، انسحب الجيش العُثماني من دمشق، بعد هزيمته في الحرب العالمية الأولى، وشُكلت أول حكومة عربية في المدينة، تحت راية الشريف حسين بن علي، قائد الثورة العربية الكبرى ضد الدولة العُثمانية. بايع السوريون الأمير فيصل بن الحسين حاكماً عربياً عليهم وتوجوه ملكاً على سورية في 8 آذار 1920.

    عَمِل راشد مردم بك مع عبد الرحمن باشا اليوسف على تأسيس حزب سياسي عُرف باسم الحزب الوطني السوري، هَدف إلى توحيد البلاد السورية وتأسيس نظام حكم ملكي دستوري.(2) ولكنّ فترة حكم فيصل الأول لم تدم طويلاً، وفي صيف عام 1920 سقط عهده بعد معركة ميسلون وتم استبداله بنظام الانتداب الفرنسي في كلّ من سورية ولبنان.

    قبل مغادرته دمشق متجهاً إلى حيفا ومن ثمّ إلى أوروبا، شكل الملك فيصل آخر حكوماته وذهبت رئاسة مجلس الشورى إلى عبد الرحمن باشا اليوسف، الذي عيّن راشد مردم بك عضواً فيه، مُمثلاً عن مدينة دمشق. وفي مطلع أيام الانتداب الفرنسي، تسلّم راشد مردم بك رئاسة مصلحة الأوقاف في دولة دمشق، التابعة في حينها لمكتب حاكم الدولة حقي العظم، قبل أن تكون وزارة مُستقلة.

    في جمعية الخلافة السورية

    في آذار 1924، شارك راشد مردم بك في تأسيس جمعية الخلافة السورية، التي ظهرت في دمشق بعد إلغاء منصب الخلافة الإسلامية في إسطنبول. هدفت الجمعية لإيجاد خليفة صالح للأمة الإسلامية لكي لا يبقى المنصب شاغراً بعد تخلي الجمهورية التركية عنه، وضمت عدداً من الأعيان، مثل مُفتي دمشق الشّيخ عطا الله الكسم والوزير بديع مؤيد العظم ونقيب الأشراف الشيخ أحمد الحسيبي والأمير محمد سعيد الجزائري.(3)

    الوفاة

    في نهاية العشرينيات، اعتزل راشد مردم بك العمل السّياسي وتفرغ للعمل القضائي وإدارة أملاك أسرته، التي كان هو ناظراً عليها، حتى وفاته في دمشق عن عمر ناهز 76 عاماً سنة 1946. وقد وُري الثرى في مدافن الأسرة المردمية في مقبرة الباب الصغير بدمشق.

     

  • حيدر مردم بك

    السفير حيدر مردم بك
    السفير حيدر مردم بك

    حيدر مردم بك (1894-1981)، دبلوماسي سوري من مدينة دمشق، كان مُحافظاً على منطقة الجزيرة ثم في حوران، وعُيّن وزيراً مفوضاً في كلّ من السعودية والعراق قبل قيام الوحدة مع مصر سنة 1958. وفي سنوات الحكم الفيصلي (1918-1920) كان كاتباً في بلاط الملك فيصل الأول.

    البداية

    ولِد حيدر مردم بك في دمشق وهو سليل أُسرة سياسية عريقة. كان والده سامي باشا مردم بك أحد أعيان دمشق في الدولة العُثمانية الذي انتُخب نائباً عن مدينته في مجلس المبعوثان (البرلمان العُثماني) عام 1914.(1) دَرس في مدرسة مكتب عنبر ثم في الجامعة السورية، قبل التحاقه بجامعة السوربون في باريس، لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الروماني.

    كاتباً في البلاط الملكي

    في أيلول 1918 ومع نهايات الحرب العالمية الأولى، انسحب الجيش العُثماني عن مدينة دمشق وأُعلن عن تأسيس أول حكومة عربية تحت راية الشريف حسين بن علي، أمير مكة المكرمة وقائد الثورة العربية ضد الدولة العُثمانية.

    بعدها بأيام قليلة، دخل الأمير فيصل بن الحسين دمشق يوم 3 تشرين الأول 1918، مُعلناً تحريرها بالكامل من الحكم العُثماني. بايعه أهالي دمشق وأعيانها حاكماً عليهم، وكان من طليعتهم سامي مردم بك وابنه حيدر، مع عدد من أفراد الأسرة المردمية.

    تعاون الأمير فيصل مع شباب المدينة، وتحديداً مع أبناء الأسر العريقة، فقام بتعيين الشّيخ تاج الدين الحسني، نجل كبير علماء دمشق الشّيخ بدر الدين الحسني، مُديراً على قصره، واختار جميل مردم بك، خريج معهد العلوم السياسية في باريس، مُترجماً خاصاً له. كان حيدر مردم بك يعمل يومها في المكتب الفني للمواصلات العسكرية، وقد اختاره الأمير فيصل ليكون كاتباً في البلاط الملكي.(2)

    لازم حيدر مردم بك الأمير فيصل في قصره المُطل على العاصمة السورية من مطلع 1919 وحتى صيف عام 1920، وكان شاهداً على كل المباحثات السّياسية التي تمت بينه وبين الحكومة الفرنسية، التي أرادت فرض نظام الانتداب على سورية، تماشياً مع اتفاقية سايكس بيكو.

    شارك حيدر مردم بك بمراسيم تتويج الأمير فيصل ملكاً على البلاد يوم 8 آذار 1920، قبل أشهر معدودة من سقوط العهد إثر معركة ميسلون يوم 24 تموز 1920. هُزم الجيش السوري يومها وخُلع فيصل الأول عن عرش الشّام، فخرج إلى فلسطين ثم إلى بريطانيا، شاكياً تعامل الفرنسيين معه. رفض مردم بك مرافقة الملك فيصل إلى أوروبا وفضّل التوجه إلى فرنسا لإكمال دراسته الجامعية.

    محافظاً للجزيرة في زمن الاحتلال الفرنسي

    بعد تخرجه وعودته إلى سورية، عُيّن أميناً للسر في أمانة العاصمة (محافظة دمشق) سنة 1929 وبعدها بأشهر قليلة، قائم مقام معرة النعمان. وكان ذلك في عهد صديقه الشّيخ تاج الدين الحسني، رئيس الحكومة السورية في حينها.

    بعد وصول الكتلة الوطنية إلى الحكم نهاية عام 1936، عُين مُحافظاً على منطقة الجزيرة، في عهد الرئيس هاشم الأتاسي. ولكنه استقال من منصبه في صيف عام 1939، بعد استقالة الرئيس الأتاسي اعتراضاً على سلخ لواء إسكندرون وضمه إلى تركيا لضمان حيادها في الحرب التي اندلعت نيرانها في أيلول 1939.

    عاد حيدر مردم بك إلى العمل الحكومي مع عودة الكتلة الوطنية إلى الحكم عام 1943، وعُين محافظاً على حوران من قبل الرئيس شكري القوتلي وقد ظلّ في هذا المنصب حتى جلاء القوات الفرنسية عن سورية في 17 نيسان 1946.(3)

    وزيراً مفوضاً في السعودية ثم في العراق

    أحب الرئيس القوتلي حيدر مردم بك ووثق به كثيراً، فقام بتعيينه وزيراً مفوضاً إلى المملكة العربية السعودية عام 1947. كانت العلاقات السورية السعودية في أفضل مراحلها يومئذ، بسبب الصداقة الشخصية بين الرئيس القوتلي والملك عبد العزيز آل سعود. وقد لعِب حيدر مردم بك دوراً محورياً في تطوير تلك العلاقة، وكان صلة الوصل بين دمشق والرياض خلال حرب فلسطين سنة 1948.

    أُقيل السفير حيدر مردم بك من منصبه في نيسان 1949 بعد وقوع انقلاب عسكري في سورية، أطاح بحكم الرئيس القوتلي. ولكنه عاد إلى وزارة الخارجية بعد سقوط حكم العسكر وعُيّن وزيراً مفوضاً في بغداد يوم 11 حزيران 1951، بتكليف من الرئيس هاشم الأتاسي. وقد حافظ على منصبه حتى قيام جمهورية الوحدة مع مصر في شباط 1958.

    الوفاة

    تقاعد بعدها حيدر مردم بك من الشأن العام وتوفي في دمشق عن عمر ناهز 87 عاماً سنة 1981.

  • حسن الحكيم

    الرئيس حسن الحكيم
    الرئيس حسن الحكيم

    حسن الحكيم (1886-1982)، زعيم سوري من دمشق، تسلّم رئاسة الحكومة خلال الحرب العالمية الثانية وفي منتصف الخمسينيات، وهو من الآباء المؤسسين للجمهورية السورية وأحد واضعي دستور سورية عام 1950. وفي عهده الأول تم الإعلان عن استقلال سورية من الانتداب الفرنسي في أيلول عام 1941.

    البداية

    ولِد حسن الحكيم في إحدى أكبر وأعرق الأُسر السورية في حيّ الميدان الدمشقي ودَرس العلوم الإدارية  في المعهد الملكي باسطنبول. عَمل في الوظائف الحكومية ووصل إلى منصب مدير الشعبة الثانية لمكتب اللوازم العسكرية عشية انسحاب الجيش العثماني من دمشق في 26 أيلول 1918.(1)

    بايع الأمير فيصل بن الحسين حاكماً عربياً على البلاد وتم تعيينه مفتشاً مالياً على كافة أرجاء سورية، مسؤولاً عن حماية مخزون البلاد من الذهب والعملات الأجنبية.

    وفي عام 1920 عُيّن حسن الحكيم مديراً عاماً للبرق والبريد وقد أصدر طابعاً شهيراً يُعد الأندر بين مجموعة الطوابع السورية، موشحاً بماء الذهب بمناسبة تتويج الأمير فيصل ملكاً على البلاد يوم 8 آذار 1920.

    قضية تأخُر البرقية

    وبعدها بأشهر قليلة، صدر إنذار من الجنرال هنري غورو، مندوب فرنسا في سورية ولبنان، يطالب فيه الملك فيصل الأول بحل الجيش السوري وتسليم البلاد إلى فرنسا لكي تتمكن من فرض نظام الانتداب بموجب اتفاقية سايكس بيكو الموقعة خلال الحرب العالمية الأولى بين حكومتي باريس ولندن.

    قَبِل الملك فيصل الشروط الفرنسية وبعث ببرقية تنص على ذلك إلى الجنرال غورو، الذي ادّعى أنها لم تصله ضمن المدة الزمنية المحددة لقبول الإنذار. وبذلك، بدأ بالزحف الفرنسي تجاه مدينة دمشق لاحتلالها بالكامل. وقعت مواجهة عسكرية في معركة ميسلون يوم 24 تموز 1920، أدت إلى هزيمة الجيش السوري ومقتل وزير الحربية يوسف العظمة، وبعدها، دخل الفرنسيون دمشق وقاموا بخلع الملك فيصل عن عرش سورية.

    وُجهت اتهامات إلى حسن الحكيم أنه أخّر إرسال البرقية عن سابق قصد وتعمد، وشُكل مجلس عرفي لمحاكمته يوم 1 آب 1920، برئاسة القائم مقام محمد علي النقشبندي.(2) علق على هذه الحادثة قائلاً:

    تأخير البرقية لو كان بأمر مني لكان ذلك عمل يشرفني ويدل دلالة قاطعة على صدق وطنيتي لخوفي من أن يحتل الإفرنسيون البلاد بإرادتنا ورضانا دون أن ندخل معهم ولو في معركة واحدة تساعدنا على حفظ شرفنا العسكري على الأقل. ولكن وجداني يأبى عليّ أن أدعي ما ليس لي به علم، كما أنه لا يمكنني أساساً أن أتحمل مسؤولية كبرى مثل هذه المسؤولية مهما كنت متطرفاً في وطنيتي.(3)

    سنوات المنفى الأولى

    سافر بعدها حسن الحكيم إلى مصر، حيث عمل مع صديقه الزعيم الوطني عبد الرحمن الشهبندر على تأسيس المؤتمر السوري الفلسطيني كأول تنظيم سياسي معارض لحكم فرنسا في سورية وبريطانيا في فلسطين.

    وفي عام 1921، اتجه إلى إمارة شرق الأردن ليعمل مستشاراً للأمير عبد الله بن الحسين، الذي عَرض عليه لقب “الباشوية” ولكنه رفض بإصرار.(4) وقد حافظ الحكيم على صداقته المتينة مع الأُسرة الهاشمية الحاكمة في كلّ من بغداد وعمّان، وظل طوال حياته يطالب بتوحيد تلك المدن في دولة عربية واحدة، يكون العرش فيها إما للشريف حسين بن على، قائد الثورة العربية الكبرى، أو لأحد أولاده.

    الاعتقال في زمن فرنسا

    شمل حسن الحكيم العفو الفرنسي الأول عام 1922 فعاد إلى دمشق مع الدكتور عبد الرحمن الشهبندر ليشارك في ترتيب زيارة الدبلوماسي الأميركي شارل كراين إلى سورية، مما أثار حفيظة الفرنسيين الذين ألقوا القبض عليه وساقوه مكبلاً إلى سجن قلعة دمشق مع الشهبندر، بتهمة تقاضي أموال من الحكومة الأميركية لضرب المصالح الفرنسية في سورية. حُكم عليه بالسجن مدة عشر سنوات، قضى منها الحكيم تسعة عشر شهراً بين معتقلات جزيرة أرواد ودمشق.

    تأسيس حزب الشعب

    وفي صيف عام 1925، تشارك حسن الحكيم مع عبد الرحمن الشهبندر تأسيس أول حزب سياسي عرفته البلاد في ظل الانتداب الفرنسي، وهو حزب الشعب. اُنتُخب الشهبندر رئيساً للحزب وبات حسن الحكيم أميناً عاماً، مشرفاً على تنفيذ سياسته الرامية إلى تحرير البلاد من الهيمنة أوروبية وتأسيس نظام حكم ملكي دستوري.(5) وقد ضم الحزب شخصيات سياسية بارزة مثل فارس الخوري وجميل مردم بك ولطفي الحفار.

    المنفى الثاني بين فلسطين والعراق

    ولكن نشاط الحزب لم يستمر بسبب دعم الشهبندر والحكيم للثورة السورية الكبرى ومشاركتهم قائدها العام سلطان باشا الأطرش في نقل المعارك من جبل الدروز إلى غوطة دمشق. حُكم على حسن الحكيم بالإعدام، فهرب إلى فلسطين، حيث أصبح مديراً للبنك العربي في يافا، ومن ثمّ إلى بغداد ليلتحق بالملك فيصل الأول الذي توّج من قبل الإنكليز ملكاً على العراق. وفي بغداد قام بتأسيس المصرف الزراعي والصناعي العراقي حتى وصول الكتلة الوطنية إلى الحكم في سورية عام 1936.

    الحكيم وزيراً في عهد الأتاسي

    عند انتخاب هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية، صدر قرار عفو عام عن كافة المبعدين السياسيين وعاد حسن الحكيم إلى دمشق ليتم تعينه مديراً عاماً للأوقاف الإسلامية وأصبح بعدها مديراً للمصرف الزراعي في سورية ثمّ وزيراً للمعارف في حكومة الرئيس نصوحي البخاري ما بين نيسان وتموز 1939.

    مقتل الشهبندر

    وفي صيف عام 1940 اغتيل صديقه الدكتور عبد الرحمن الشهبندر في عيادته الطبية بدمشق وأشرف حسن الحكيم على تشكيل فريق من المحامين لمتابعة القضية، نيابة عن أُسرة الشهبندر التي كانت تثق به كثيراً. لم يرضَ حسن الحكيم عن نتائج المحكمة الاستثنائية التي شُكلت للتحقيق في الجريمة وظل يحاول إعادة فتح الملف بالرغم من معارضة حكومة الانتداب.

    حكومة الحكيم الأولى

    وخلال الحرب العالمية الثانية وقع الخيار على حسن الحكيم لتأليف حكومة وحدة وطنية في عهد الرئيس تاج الدين الحسني. كان الشيخ تاج مُعيناً من قبل الجنرال شارل ديغول ولا يملك أي شرعية دستورية فقرر التعاون مع الحكيم لإضفاء الشرعية على حُكمه. قبِل حسن الحكيم التكليف وشكل وزارته الأولى يوم 20 أيلول 1941.

    أبقى لنفسه حقيبة المالية، إضافة لرئاسة الحكومة، وتعاون مع رجل القانون فايز الخوري، الذي أصبح وزيراً للخارجية في عهده وهو شقيق الرئيس فارس الخوري، أحد أركان الكتلة الوطنية. كما جاء بأحد مناصري الشهبندر القدامى، المحامي زكي الخطيب وزيراً للعدل وبعبد الغفار باشا الأطرش من قادة الثورة السورية الكبرى، وزيراً للدفاع وهي المرة الاولى التي يصل بها أحد أبناء الطائفة الدرزية إلى منصب حكومة في سورية.

    كما مد يده للعلويين وعيّن أحد أبنائهم منير العباس وزيراً للأشغال العامة، وهي سابقة أخرى في تاريخ سورية، كما أسند وزارة الاقتصاد إلى محمّد العايش، أحد أعيان مدينة دير الزور. وأخيراً جاء بفيضي الأتاسي من حمص، وهو من أركان الحركة الوطنية، وزيراً للمعارف وكلّف حكمت الحراكي من زعماء معرة النعمان بحقيبة الإعاشة.

    الرئيس الحكيم مع رئيس الجمهورية تاج الدين الحسني سنة 1941
    الرئيس الحكيم مع رئيس الجمهورية تاج الدين الحسني سنة 1941

    وفي الأيام الأولى لحكومة الحكيم، نالت سورية استقلالها من الانتداب الفرنسي، وتم ذلك في حفل كبير أقيم في السراي الحكومي بساحة المرجة يوم 27 أيلول 1941، حضره رئيس الجمهورية وسفراء بريطانيا وإيطاليا وبلجيكا والسعودية ومصر. وافقت فرنسا على منح سورية الاستقلال وعلى توحيد دولتي العلويين والدروز مع بقية المدن سورية، ولكنها اشترطت عدم سحب الجيش الفرنسي حتى انتهاء معارك الحرب العالمية الثاني في أوروبا.(6) استمرت حكومة الحكيم في العمل حتى 17 نيسان 1942، عندما قَدمت استقالتها احتجاجاً على تدخلات رئيس الجمهورية المتكررة في عمل رئيس الحكومة والوزراء.

    الحكيم ودستور عام 1950

    وفي عهد الاستقلال، حافظ حسن الحكيم على مكانته السياسية والفكرية بالرغم من معارضته الشديدة لحكم العسكر، بداية بالزعيم حسني الزعيم ومروراً باللواء سامي الحناوي وصولاً للعقيد أديب الشيشكلي. بعد انهيار حكم الزعيم في آب 1949 انتخب حسن الحكيم مُشرعاً في المؤتمر التأسيسي المُكلّف بوضع دستور جديد للبلاد، يعطي صلاحيات أوسع لرئيس الحكومة على حساب رئاسة الجمهورية. كما شارك في صياغة القسم الرئاسي الجديد، الذي خلا من أي إشارة إلى النظام الجمهوري، مما اعتبره البعض تمادياً هاشمياً على سورية تمهيداً لضم سورية إلى العراق ووضعها تحت عرش الأسرة الهاشمية الحاكمة في بغداد.(7) وبعد الانتهاء من العمل على الدستور الجديد، تحول المجلس الدستوري إلى برلمان مُنتخب، وكان حسن الحكيم فيه ممثلاً عن دمشق. وفي هذا العهد، عُيّن وزيراً للدولة في حكومة الرئيس ناظم القدسي من أيلول 1950 وحتى آذار 1951.

    الحكومة الثانية

    وفي صيف عام 1951، تم تكليفه مجدداً بتشكيل الحكومة السورية من قبل رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي. شُكلت حكومة حسن الحكيم الثانية والأخيرة على الشكل التالي: فيضي الأتاسي للخارجية، فتح الله أسيون للصحة، شاكر العاص للاقتصاد، فوزي سلو للدفاع، رشاد برمدا للدفاع، حامد الخوجة للأشغال العامة والمواصلات، عبد الوهاب حومد للمعارف، عبد العزيز حسن للعدل ومحمّد مبارك للزراعة.

    معظم الوزراء كانوا من المحسوبين على التيار الهاشمي المنادي بوحدة سورية عراقية. ومع ذلك، لم يشر حسن الحكيم في برنامج حكومته إلى أي مشروع وحدوي لا مع العراق ولا مع الأردن، واكتفى فقط بالمطالبة بعلاقات متينة مع دول الجوار كافة.

    الرئيس حسن الحكيم أمام مجلس النواب سنة 1951
    الرئيس حسن الحكيم أمام مجلس النواب سنة 1951

    واجهت حكومته تحديات كبيرة، كان أولها النقص الحاد في الحبوب والمؤن، الذي تمت معالجته باستيراد 50 ألف طن من القمح من تركيا. وشهدت فترة حكمه مظاهرات عارمة لموظفي القطاع العام المطالبين بزيادة في رواتبهم، ولكن حسن الحكيم رفض الاستجابة بسبب عجز كبير في الموازنة العامة قائلاً: “لا يمكن إعطاؤكم ما لا أملكه، فأنا مسؤول أمامكم وأمام المكلفين ضريبياً ولا أستطيع فرض أي ضريبة جديدة على الناس لتأمين كتلة مالية لرفع الرواتب.”(8)

    وفي 28 تشرين الثاني 1951 قدم حسن الحكيم استقالة حكومته وغاب عن أي نشاط سياسي من بعدها، باستثناء ظهور لافت في منزل وزير الدفاع السابق أحمد الشرباتي عام 1961 لتأييد انقلاب الانفصال الذي أطاح بالوحدة السورية المصرية. وفي عهد الانفصال، ظلّ ينشر مقالاً أسبوعياً في جريدة الأيام وآخر في مجلّة الدنيا، ليتفرغ من بعدها لكتابة المؤلفات والمذكّرات.

    مؤلفاته

    في سنواته الأخيرة وضع حسن الحكيم عدداً من الكتب القيّمة والتي تُعد حجر أساس في مكتبة التاريخ السوري المعاصر. ومن تلك المؤلفات “مُذكّراتي” (بيروت 1965)، “الوثائق التاريخية المتعلقة بالقضية السورية في العهدين العربي الفيصلي والانتداب الفرنسي” (بيروت 1974)، وكتاب ” خبراتي في الحكم” (دمشق 1978).

    آخر مؤلفاته كان كتاباً عن صديق العمر عبد الرحمن الشهبندر صدر في منتصف الثمانينيات. وقد أهدى مكتبته العامرة إلى مكتبة المتحف الوطني بدمشق ودار الوثائق التاريخية ومكتبة جامعة دمشق وجمعية المقاصد الخيرية في بيروت.(9)

    أما القسم الأخير من المكتبة المتعلق بتاريخ سورية فقد بقي مع ابنه قبل أن تنتقل ملكيته إلى حفيده الدكتور وسيم هاني الحكيم، عميد كلية الزراعة في جامعة دمشق. وقد عَمل الحكيم الحفيد مع المؤرخ السوري سامي المبيّض على جمع الرسائل المتبادلة بين جده وعبد الرحمن الشهبندر والتي صدرت في كتاب حمل عنوان “الرسائل المفقودة” (دمشق 2015).

  • تحسين باشا الفقير

    تحسين باشا الفقير
    تحسين باشا الفقير

    تحسين باشا الفقير (1880-1948)، ضابط سوري من دمشق، قاد معركة ميسلون ضد جيش الاحتلال الفرنسي وتسلّم وزارة الحربية في مملكة الحجاز.

    البداية

    ولِد تحسين الفقير في حي الشاغور بدمشق ودَرَس العلوم العسكرية في الكلية الحربية في إسطنبول، وعند تخرجه برتبة ملازم ثانٍ عام 1905، عُين أستاذاً في هيئتها التدريسية. وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914 نُقل إلى أوروبا وعُين قائداً للجبهة العثمانية في رومانيا. بعد انتهاء الحرب سنة 1918، عاد إلى دمشق وبايع الأمير فيصل بن الحسين حاكماً على البلاد، والذي كلفه بقيادة لواء المشاة الرابع في عمّان، ثم الفرقة الأولى المخصصة لحماية العاصمة دمشق.(1)

    إنذار غورو

    في 8 آذار 1920، بايع السوريون الأمير فيصل ملكاً عليهم، والذي صار يُعرف من ذلك التاريخ بلقبه الجديد الملك فيصل الأول. بعدها بأربعة أشهر، أرسلت الحكومة الفرنسية إنذاراً شهيراً للملك، تطالبه فيه بحل الجيش السوري وبتسليم سكة حديد رياق حلب، ومصادرة السلاح من الأهالي تمهيداً لفرض الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان، تنفيذاً لما جاء في اتفاقية سايكس بيكو الموقّعة خلال الحرب بين حكومتي فرنسا وبريطانيا.

    حَمل الإنذار توقيع الجنرال هنري غورو، مندوب فرنسا في سورية ولبنان. وصلت برقيته إلى العاصمة دمشق يوم 14 تموز 1920 وأُعطي الملك فيصل مهلة محددة للقبول أو الرفض، تنتهي يوم 21 تموز 1920. وافق فيصل على الشروط الفرنسية وبدأ فعلاً بتسريح كامل قطعات الجيش السوري، ولكن الجنرال غورو رفض ذلك مدّعياً أن رسالة الملك وصلت متأخرة. وأعلن زحف قواته البرية باتجاه العاصمة السورية، تمهيداً لاحتلال مدينة دمشق.

    الطريق إلى ميسلون

    طَلَب الملك فيصل من تحسين باشا الفقير جمع القوات المبعثرة بسبب قرار التسريح، الذي لم يكن الفقير مؤيداً له، ثم ترتيب عرض عسكري في شارع النصر وسط مدينة دمشق، تشارك فيه قوات الجيش السوري كافة، هدفه شدّ عزيمة الناس لمواجهة فرنسا. اعترض الفقير قائلاً إن مثل هذا العرض سيكشف للعدو تعداد الجيش وقدراته القتالية، لكن فيصل أصر على موقفه.(2)

    ما كان بوسع الفقير إلا تنفيذ أوامر الملك، وحصل العرض العسكري في التاريخ المطلوب بحضور فيصل ومشاركة لواء المدفعية، بقيادة العقيد محمد علي المدفعي، ولواء الخيّالة الهاشمي، بقيادة المقدم اسماعيل نامق.  كان عدد قوات الجيش السوري يومها، كما أوردها الفقير في مذكراته: 3800 جندي نظامي، ومعه 48 مدفعاً وثماني رشاشات فقط لا غير. بعد العرض، اجتمع وزير الحربية يوسف العظمة مع الفقير في حديقة المشيرية المجاورة وقال له: “هل أنت مستعد للحرب يا تحسين؟” أجابه الفقير بنعم، وبدأت الترتيبات العسكرية لمعركة ميسلون، على طريق دمشق بيروت، الذي عُين الفقير قائداً عاماً لها.

    المجلس الحربي

    شُكّل مجلس حربي مؤلف من العظمة والفقير، ومعهما رئيس أركان الجيش ياسين باشا الهاشمي، والعقيد أحمد اللحام والمقدم مصطفى وصفي والمقدم شريف الحجّار والمقدم حسن يحيى الصبان والعقيد عارف التوّام، مدير تسليح الجيش. عندما طلب الملك من ضباطه إبداء الرأي عن جاهزية الجيش، قالوا إن القوات السورية، وفي حال حصولها على تعزيزات عسكرية وبشرية من الأهالي والبدو، قادرة على الصمود في وجه فرنسا لمدة أسابيع. ولو لم يحصل ذلك، فلا يمكنها الصمود أكثر من “ساعة واحدة فقط.(3)”

    على الفور، تم إرسال اللواء الثاني مشاة إلى قرية مجدل عنجر في سهل البقاع، بقيادة المقدم توفيق عاقل، واللواء الرابع إلى حاصبيا وراشيا، وأُبقي الفوج الثاني من اللواء الأول في محيط العاصمة للدفاع عن دمشق تحسباً لأي طارئ، بقيادة المقدم اسماعيل زهدي. قام الفقير بالإشراف على حفر الخنادق وإقامة المتاريس، وأحضر مدافع جبلية وضعهما بين الأشجار في مكان مستور مشرف على قواعد الفرنسيين. كما أقام مركزاً لقيادته العسكرية في قلعة مجدل عنجر، المطلة على سهل البقاع، وأمر قواته بنسف جسور رياق الواصلة مع بلدة جب جنين على نهر الليطاني، والخط الحديدي في سرغايا. كما قام بتلغيم جسور بر الياس ودير زنون، ولكنه أمر بعدم نسفهما إلا في حالات الضرورة القصوى. عُين رئيس الأركان ياسين الهاشمي قائداً لجبهة دمشق، والزعيم الركن يحيى حياتي بك قائداً لجبهة حمص، والعقيد الركن اسماعيل الطباخ قائداً لجبهة حلب في شمال البلاد.

    عدد القوات الفرنسية

    كان الجيش الفرنسي في ميسلون مؤلفاً من أربعة ألوية مشاة ولواء خيالة واثنتي عشرة بطارية من المدفعية، معها خمس مدافع ميدان سريعة وخمس مدافع جبلية، إضافة لخمس عشرة دبابة وخمس طائرات حربية و100 رشاش.(4)

    عدد القوات السورية

    فُتح باب التطوع في الجيش السوري وتقدم 1700 مدني طالبين الجهاد ضد فرنسا، ولكن وبعد تسلمهم قطع السلاح، فرّ معظمهم ولم يبق من أصل 1700 إلا 300 متطوع فقط، إضافة لـ 115 خيالاً قدموا لمساندة الجيش من حيّ الميدان الدمشقي. وصل عدد القوات السورية يومها إلى 850 شخصاً، بين جندي نظامي ومتطوع، 647 منهم لا يحملون أي سلاح. وشاركت في المعركة سرية الحرس الملكي، بقيادة الرئيس محمد علي العجلوني، وسرية الهجانة، بقيادة المقدم مرزوق التخيمي، و60 خيالاً نظامياً وسرية رشاش بقيادة الرئيس هاشم الزين.(5)

    بعد ميسلون، في الأردن والحجاز

    تحسين الفقير في المرحلة الحجازية
    تحسين الفقير في المرحلة الحجازية

    ولكن وبالرغم من كل هذه التحضيرات العسكرية، هُزم الجيش السوري في ميسلون، يوم 24 تموز 1920، واستشهد وزير الحربية يوسف العظمة. هَرب الملك فيصل من قصره، متوجهاً إلى سهل حوران ثم إلى فلسطين، وبعدها إلى أوروبا، وشُكلت محاكم عسكرية لمحاكمة أعوانه ورجاله في دمشق.

    حاول رئيس الحكومة الجديدة علاء الدين الدروبي إلقاء القبض على تحسين الفقير، الذي توجه إلى إمارة شرق الأردن، وتمت محاكمته غيابياً في سورية وحكم عليه بالسجن لمدة سبع سنوات عقاباً على دوره في معركة ميسلون.

    في عمّان عمل مستشاراً عسكرياً للأمير عبد الله بن الحسين، شقيق الملك فيصل، وشارك بتأسيس الجيش الأردني. رفّعه الأمير عبد الله إلى رتبة “فريق” وأعطاه لقب “الباشا” عسكرياً، بعد تعيينه قائداً على مدينة معان.

    ولكن وفي عام 1922، حصل صدام بين الفقير والضابط البريطاني غلوب باشا، قائد الجيش الأردني في حينها، سببه موقف الفقير الناقم على الإنكليز والفرنسيين، وعلاقته بالثوار في بلاده. تفادياً لأي قلاقل داخل المؤسسة العسكرية، تم إبعاده عن الأردن وإرساله إلى مملكة الحجاز، ليكون مستشاراً عسكرياً لكل من الشريف حسين بن علي ونجله الأكبر، الأمير علي بن الحسين. قام الفقير بتأسيس قوة عسكرية، سُميت بسرايا الملح، لمواجهة القوات الوهابية التابعة للأمير عبد العزيز آل سعود، وتم تعينه وزيراً للحربية في مملكة الحجاز حتى عام 1925.

    في اليمن

    بعد سقوط عرش الشريف حسين في مكة وإنشاء الممكلة العربية السعودية، غادر الفقير مجدداً وتوجه إلى اليمن، ليعمل مستشاراً عسكرياً للأمير يحيى حميد الدين من العام 1930 وحتى 1944.

    العودة إلى دمشق

    عند جلاء القوات الفرنسية عن سورية في نيسان 1946، عاد تحسين الفقير إلى مسقط رأسه بدمشق، بدعوة رسمية من رئيس الجمهورية شكري القوتلي، للمشاركة بعيد الجلاء الأول. وفي 28 أيلول 1946 قدم لوزير الدفاع أحمد الشرباتي راية الجيش السوري التي كان قد أنقذها من يد الفرنسيين في معركة ميسلون، وظلّت محفوطة بين ممتلكاته الشخصية طوال سنوات المنفى وتنقلت معه بين الأردن والحجاز واليمن. أقيم حفل رسمي لاستلام العلم أمام المتحف الوطني بدمشق، ناب فيه وزير الدفاع عن رئيس الجمهورية.

    مستشاراً في جيش الإنقاذ

    وعند صدور قرار تقسيم فلسطين في نهاية شهر تشرين الثاني عام 1947، شُكل جيش الإنقاذ لمحاربة العصابات الصهيونية، بتمويل من جامعة الدول العربية وقيادة فوزي القاوقجي، الذي طَلَب من تحسين الفقير أن يكون مستشاراً عسكرياً له. توفي الفقير قبل أن تضع حرب فلسطين أوزارها، يوم 21 تموز 1948. أقامت له الحكومة السورية جنازة عسكرية، حضرها ممثل عن رئيس الجمهورية، وتمت الصلاة عليه في الجامع الأموي ثمّ دفنه في مقبرة باب الصغير بدمشق.

    مذكرات تحسين باشا الفقير

    نشر تحسين باشا الفقير جزءاً من مذكراته في مجلة الجندي السورية عام 1946، وقام أفراد من أسرته بنشر بقية الأوراق على مراحل في جريدة البعث، يومي 23-24 تموز 1986، وفي 17 نيسان 1996. وفي عام 2004، جمعوا كل ما كَتب الفقير عن معركة ميسلون في كتاب حمل عنوان: “الانتداب الفرنسي الغاشم على سورية: أحداث ما قبل ومجرى وقائع معركة ميسلون وفرض الإنتداب الفرنسي إلى أن تم الجلاء في 17 نيسان 1946.”

  • حزب الشعب (دمشق)

    حزب الشعب هو أول حزب سياسي ظهر في سورية بعد خمس سنوات من فرض الانتداب الفرنسي سنة 1920. أسسه الدكتور عبد الرحمن الشهبندر ولكن فترة نشاطه كانت قصيرة للغاية بسبب تأييد زعمائه للثورة السورية الكبرى التي انطلقت عام 1925.

    أدى هذا الموقف إلى حظر الحزب وإغلاق مكاتبه كافة بعد مصادرة كلّ أوراقه الرسمية من قبل المخابرات الفرنسية، ومن ثم إلى نُفي الشهبندر خارج البلاد.

    وقد ظهر حزب ثاني يحمل نفس الاسم في مدينة حلب سنة 1947، برئاسة ناظم القدسي ورشدي الكيخيا، ولكن لا علاقة له بحزب الشعب الدمشقي الذي إنتهى دوره في منتصف صيف عام 1925.

    التأسيس

    بعد أشهر من التحضير افتتحت أعمال الحزب رسمياً في أوبيرا العباسية بدمشق يوم 5 حزيران 1925 بحضور مئتي شخصية سورية، يترأسهم الرئيس المؤسس عبد الرحمن الشهبندر، وزير خارجية سورية الأسبق.(1)

    إنتُخب فارس الخوري نائباً لرئيس الحزب مع  لجنة إدارية مؤلفة من اثني عشر عضواً ضمّت المحامي فوزي الغزي والسياسيين جميل مردم بك وفخري البارودي وحسن الحكيم ولطفي الحفار وإحسان الشريف، الذي أصبح  أميناً للسر.(2)

    نادى الحزب بوحدة الأراضي السورية واستقلالها التام وغير المشروط عن الإنتداب الفرنسي، وطالب بانضمام سورية إلى عصبة الأمم ووضع دستور للبلاد وانتخاب مجلس نواب يُمثل طموحات الشعب السوري. وخلال أسابيع قليلة، تم افتتاح فروع للحزب في كل من حمص وحماة وحلب واللاذقية.

    النشاط

    أشهر أعمال الحزب كانت في المرحلة التي سبقت التأسيس الرسمي، يوم أضربت مدينة دمشق بإيعاز احتجاجاً على زيارة اللورد جيمس بلفور إلى سورية يوم 8 نيسان 1925.

    وقد نظّم زعماء الحزب مظاهرات حاشدة ضد الزائر البريطاني وهددوا يقتله لو مكث ليلة واحدة في دمشق. وبعدها بأسابيع، نظموا مظاهرات جديدة ضد الانتداب الفرنسي، امتدت من مكتب عنبر حتى الجامع الأموي.

    وعند إندلاع الثورة السورية الكبرى انضم عبد الرحمن الشهبندر إلى صفوفها فردت فرنسا بإلغاء ترخيص الحزب وإغلاق مكاتبه كافة قبل الحكم على الشهبندر بالإعدام. وقد تفرق أعضاء الحزب ليجتمعوا مجدداً في الكتلة الوطنية سنة 1927، ولكن من دون الشهبندر الذي إنتقل إلى مصر وظلّ مقيماً في القاهرة طوال عشر سنوات.

  • حبيب كحّالة

    حبيب كحّالة
    حبيب كحّالة

    حبيب كحّالة (1898-1965)، صحفي سوري من دمشق ومؤسس الصحافة الهزلية في الشرق الأوسط. وهو صاحب ورئيس تحرير مجلة المضحك المبكي التي كانت تصدر في سورية ما بين 1929-1966.

    البداية

    ولِد حبيب كحّالة في أُسرة مسيحية دمشقية معروفة ودَرَس الاقتصاد في الجامعة الأميركية في بيروت. عَمِل في الصحافة فور تخرجه وأسس جريدة يومية في دمشق تُدعى سورية الجديدة والتي صدر عددها الأول يوم 27 كانون الأول 1918. كان ذلك بعد شهرين فقط من سقوط الحكم العثماني في سورية وكان خط الجريدة داعماً للملك فيصل الأول، الذي نُصّب حاكماً على سورية بعد العثمانيين وخُلع عن عرشه في تموز 1920.

    ظلّت جريدة سورية الجديدة تصدر حتى منتصف العشرينيات إلى أن تم إغلاقها من قبل السلطات الفرنسية بسبب دعمها للثورة السورية الكبرى ومناصرتها لقائدها العام سلطان باشا الأطرش.

    المضحك المبكي

    بعد انتهاء الثورة بنحو عامين، أطلق حبيب كحّالة مجلّة سياسيّة كاريكاتوريّة أسبوعيّة سميت المضحك المبكي، والتي صارت حديث الشارع السوري في زمن الانتداب الفرنسي، وكانت تتناولها أيدي القُرّاء من حُكّام وبسطاء. كان حبيب كحّالة سبّاقاً في ترسيخ فنّ الكاريكاتير في سورية الذي خصص له عدداً من صفحات مجلّته وطلب من الرسام الرائد في هذا المجال توفيق طارق أن يرسم صور الغلاف الأول والأخير. كما تعاون من الفنان خليل درويش الأشقر، الذي كان يوقع رسوماته الساخرة باسم “جوليان” المستعار، قبل أن ينتقل إلى لبنان للعمل في مجلة الدبور وثمّ في مجلّة الصيّاد مع الصحفي سعيد فريحة.(1)

    جاء في العدد الأول من المضحك المبكي تعريف عام عن سياسة المجلّة، كتبه حبيب كحّالة بنفسه: “أما خطتنا فإننا نعاهد القارئ أن تكون المجلة صريحة، صادقة، ولو أغضبت البعض. ولا نجعل موقفنا موقف الأحنف الذي كان يسمع مدح الشعراء ليزيد بن معاوية وهو ساكت. فلما سأله معاوية: مالك ساكت يا أبا بحر؟” قال إنني أخاف الله تعالى إذا كذبت، وأخافك إذا صدقت! فنحن سنسعى إلى أن نخاف الله في صراحتنا، وأما عبيد الله، فإذا غضبوا ونحن نقول الحقيقة، فليشربوا البحر.”

    كانت مقالات المضحك المبكي مزيجاً بين اللغة العامية والفصحى، وفيها أبواب فكاهية متنوعة نالت إعجاب القراء على مدى السنوات الطويلة، ومنها:

    “حديث سياسي حشاش” الذي ينتقل فيه المحرر من موضوع إلى آخر دون أي ارتباط بينهما، ويقدم لسعات ناقدة للوزراء والنواب.

    “على التلفون” حيث يتصل المحرر بوزير ويحاوره سريعاً عن موضوع شائك في البلاد.

    “إعراب المضحك المبكي” حيث يقوم المحرر بإعراب بيت من الشعر قبل أن ينتقل إلى حديث عميق في السّياسة.

    “محكمة المضحك المبكي” حيث يتم وضع مسؤول في قفص الاتهام في موضوع معين وتقوم أسرة المضحك المبكي بالحكم عليه إما بالبراءة أو الإدانة.

    “قالوا وقلنا” وهو باب يعلّق فيه المحرر على أقوال المسؤولين.

    كما ضمّت المضحك المبكي أبواباً أخرى مثل “موال الأسبوع” و”زغلوطة” والزجل القرّادي.” وفي بداية الثلاثينيات، أنشأ حبيب كحّالة مطبعة خاصة بمجلّته كان مقرها في شارع الملك فؤاد الأول وسط دمشق.

    مواجهة الرقابة

    أُغلقت المضحك المبكي مراراً، وتعرض صاحبها للملاحقة القانونية والاعتقال أيام الانتداب الفرنسي. كان الحجب الأول لمدة ثلاثة أشهر عام 1930، عندما نَشر حبيب كحّالة رسماً كاريكاتورياً لوزراء الحكومة السورية في زمن الشّيخ تاج الدين الحسني وهم ينشدون النشيد الوطني الفرنسي. بعد انتهاء مدة الحجب، وضع رسماً كاريكاتورياً لنفسه وهو خارج من القبر، وحوله الوزراء ذاتهم وهم يصرخون: “ولي على هالعمر…رجعنا للمضحك المبكي!”

    وكان الحجب الثاني لمدة ثلاثة أشهر أيضاً في شهر نيسان من عام 1932، بسبب انتقاد المضحك المبكي رئيسَ الحكومة تاج الدين الحسني، ولكن حبيب كحّالة تحدى الرقابة هذه المرة وأصدر مجلّته بتاريخها المحدد ولكن باسم جديد وهو “ماشي الحال،” قائلاً إن الحظر ينطبق على مجلّة المضحك المبكي وليس على مجلّة “ماشي الحال.”  وفي المرة الثالثة أُغلقت المضحك المبكي عند نشرها رسماً كاريكاتورياً للحكم الدستوري في سورية وهو طريح فراش المرض والوزراء يسألونه عن صحته فيجيب: “زفت!”

    أعمال اخرى في الصحافة والسياسة

    كان حبيب كحّالة نشيطاً في حياته السياسية والمهنية فقد شارك بتأسيس نقابة الصحفيين السوريين وفي عام 1936، أصدر مجلة مصورة تدعى “المصور” ولكنها لم تلاقِ نفس نجاح المضحك المبكي. كما حاول إطلاق جريدة يومية سياسية تدعى “دمشق” في مطلع عهد الاستقلال، ولكنها أيضاً لم تنجح ولم تستمر طويلاً. وفي عام 1947، انتخب نائباً عن دمشق في البرلمان السوري، ممثلاً الحزب الوطني في أول انتخابات جرت في البلاد بعد جلاء الفرنسيين عن سورية، وحافظ على مقعده النيابي حتى وقوع الانقلاب الأول سنة 1949. كما تم انتخابه عضواً في المجلس الملّي لطائفة الروم الأورثودوكس.(2)

    الحجب الطوعي عام 1956

    توقف حبيب كحّالة عن إصدار المضحك المبكي سنة 1956، في ظلّ تنامي نفوذ المباحث في عهد العقيد عبد الحميد السراج، ولم يعاود النشر طوال سنوات الوحدة السورية المصرية في زمن الرئيس جمال عبد الناصر. ولكنه عاد إلى جمهوره الواسع في عهد الانفصال سنة 1962، وكتب افتتاحية جاء فيها: “تعود هذه المجلّة إلى الصدور بعد غياب طويل، لا أتهم به أحداً ولا أرجعه لأحد، وإنما قصدته بملء إرادتي ومحض مشيئتي، لأني لم أستطع أن أكتب ما أريد، ولا أقبل أن أحمَل على كتابة ما لا أريد، فكسرت القلم واعتزلت، لأن العبد الحقيقي، كما يقول أوسكار وايلد، هو الذي لا يستطيع أن يعبر عن رأيه بحرية.”(3)

    وفي عهد الانفصال قامت المضحك المبكي بنشر بعض أوراق رئيس الحكومة الأسبق فارس الخوري عند رحيله، الذي قدم لها حبيب كحّالة بالقول: “إذا كانت قيمة المذكرات السياسية تقاس بقيمة أصحابها فإن مذكرات المغفور له أستاذنا الكبير فارس

    الخوري  تعد أثمن مذكرات في البلاد العربية.” [1] يذكر أن شقيقة حبيب كحّالة كانت متزوجة من سهيل الخوري، نجل فارس الخوري.

    حبيب كحّالة مع الرئيس فارس الخوري
    حبيب كحّالة مع الرئيس فارس الخوري

    مؤلفاته

    إضافة لعمله الصحفي وضع حبيب كحّالة عدداً من المؤلفات في حياته، أبرزها “ذكريات نائب” و”قصة خاطئة” و”كشكول المضحك المبكي” الذي جمع فيه نوادر مجلته.

    بعد 8 آذار 1963

    كانت مجلة المضحك المبكي هي وحدها بين كافة الصحف السورية التي لم يطلها المرسوم العسكري رقم 4 الصادر عن مجلس قيادة الثورة، الذي عُلّق بموجبه العمل بالصحافة الحرّة في البلاد بعد وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963. وكان سبب استمرار المضحك المبكي هو موقف حبيب كحّالة الداعم لجريدة البعث في زمن الانفصال، حيث عارض منعها عن الصدور بسبب موقفها الداعم للرئيس جمال عبد الناصر. فردّ صلاح البيطار الجميل عند تسلمه رئاسة الحكومة ولم يُغلق المضحك المبكي ولكنه فرض رقابة صارمة على محتواها، مما اضطرها إلى الحجب مراراً، قبل أن يتم إغلاقها نهائياً بأمر شفوي من وزير الإعلام جميل شيا يوم 29 أيار 1966. وكان ذلك بعد ستة أشهر على رحيل حبيب كحّالة في 22 كانون الأول 1965.

  • جورج فارس

    جورج فارس (1894-1962)، صحفي سوري وأحد مؤسسي جريدة بردى الدمشقية، له عدة مؤلفات منها كتاب “من هم في العالم العربي” الصادر في دمشق نهاية اربعينيات وخمسينيات القرن العشرين.

    الحياة المهنية

    ولد جورج فارس في دمشق ودرس في المدرسة العازارية في منطقة باب توما. عَمل مترجماً في القنصلية الإيرانية وفي عام 1928 قام بتأسيس جريدة سياسية ناطقة باللغة الفرنسية أسمها “لا سيري،” لحقها بجريدة ثانية اسمها “صدى دمشق” سنة 1931 وثالثة بعنوان “أصداء سورية” سنة 1937.(1)

    جميع تلك المطبوعات توقفت مع جلاء الفرنسيين عن سورية سنة 1946 فتعاون جورج فارس مع زميله الصحفي منير الريّس على إصدار صحيفة يومية اسمها بردى، كانت من أشهر الصحف السورية في مطلع عهد الاستقلال.

    كما عَمِل جورج فارس مراسلاً لوكالة رويترز للأنباء حتى عام 1947 وإنتخب وشارك بتأسيس نقابة الصحفيين السوريين مع يوسف العيسى، صاحب جريدة ألف باء ونصوح بابيل، صاحب جريدة الأيام.(2)  كما ترشّح للإنتخابات النيابية في دورة عام 1936 ولكنه لم ينجح.(3)

    انفصل جورج فارس عن جريدة بردى وأسس مكتب الدراسات العربية في دمشق، الذي تولى نشر كتاب “من هم في العالم العربي” وهو يحتوي على تراجم لأبرز الشخصيات السورية الفاعلة في المجالات الوطنية والسياسية والإقتصادية.

  • جميل الألشي

    الرئيس جميل الأُلشي
    الرئيس جميل الأُلشي

    جميل الألشي (1883-1951)، سياسي سوري من دمشق، تقلّد عدة مناصب وزاريّة وترأس الحكومة السورية مرتين، كانت الأولى في مطلع عهد الانتداب الفرنسي عام 1920 والثانية خلال الحرب العالمية الثانية عام 1943. وعندما توفي الرئيس تاج الدين الحسني تسلّم الألشي رئاسة الجمهورية السورية بالوكالة من 17 كانون الثاني 1943 وحتى 17 آذار 1943. وهو عقيد سابق في الجيش العثماني وعمل أيضاً في جيش المملكة السوريّة وكان مُرافقاً عسكرياً للملك فيصل الأول.

    البداية

    ولِد جميل الألشي في حيّ القيمرية بدمشق ودَرس في الكلية الحربية في إسطنبول، ليلتحق فور تخرجه سنة 1906 بالجيش العثماني. حارب على جبهات عدّة  في الحرب العالمية الأولى، وعُيّن في مدينة القدس ثم مديراً لمدرسة الضباط الاحتياط قبل انشقاقه عن العُثمانيين وانضمامه إلى الثورة العربية الكبرى التي أُطلقت من الحجاز عام 1916، بقيادة الشريف حسين بن علي.

    شارك في معارك الثورة ودخل مدينة دمشق بعد تحريرها بالكامل من الجيش العُثماني، لينضم إلى الحكومة المُصغرة التي شُكّلت لإدارة المرحلة الانتقالية، برئاسة الأمير محمّد سعيد الجزائري.

    في عهد الملك فيصل الأول

    وفي يوم 3 تشرين الأول 1918 دخل الأمير فيصل بن الحسين مدينة دمشق وبايعه السوريون حاكماً عربياً عليهم. عُيّن المُقدم الركن جميل الألشي مُرافقاً عسكرياً لحاكم سورية الجديد وكلّفه فيصل بمفاوضة الجنرال الفرنسي هنري غورو في عاليه، قبل أيام معدودة من معركة ميسلون التي أطاحت بالعهد الفيصلي يوم 24 تموز 1920. استشهد وزير الحربية يوسف العظمة في تلك المرحلة وكُلّف جميل الألشي بخلافته، فَظَلَّ في دمشق ولم يُغادرها مع فيصل وبقية أعوانه من السوريين والعراقيين.

    ولكنّ منصب وزير الحربية فقد كل معناه بعد أن حلّت حكومة الانتداب الفرنسي بقايا الجيش السوري، لكي تُقيم مكانه جيشاً مُنظماً تابعاً لها، عُرف بجيش الشرق. وفي 21 آب 1920، سافر وفد حكومي إلى سهل حوران، برئاسة رئيس الوزراء علاء الدين الدروبي، لمفاوضة أهل المنطقة وإقناعهم بإلقاء السلاح والتَّخلّي عن ملكهم المخلوع فيصل الأول. رفض الألشي مُرافقة الوفد، الذي ضمّ إضافة لرئيس الحكومة كلّاً من رئيس مجلس الشورى عبد الرحمن باشا اليوسف ووزير الداخلية عطا الأيوبي، وتذرّع الألشي بأن السفر كان في يوم الجمعة وأنه كان على موعد لحضور الصلاة في الجامع الأموي، ممثلاً عن الحكومة السورية.(1)

    رئيساً للحكومة عام 1920

    بعد مقتل الرئيس علاء الدين الدروبي في حوران يوم 21 آب 1920 كَلف الجنرال هنري غورو جميل الألشي بتأليف الحكومة الجديدة يوم 6 أيلول 1920. وقد شكّلت حكومة الألشي الأولى على الشكل التالي:

    الرئيس جميل الإلشي في العهد الفيصلي
    الرئيس جميل الألشي في العهد الفيصلي

    جميل الألشي: رئيساً للوزراء ووزيراً للحربية

    عطا الأيوبي: وزيراً للداخلية

    حمدي نصر: وزيراً للمالية

    بديع مؤيد العظم: وزيراً لعدلية

    محمد كرد علي: وزيراً للمعارف

    شاكر القيم: وزيراً للنافعة

    وخلال فترة حُكم الألشي القصيرة قسّمت فرنسا البلاد السورية إلى دويلات، يحكم كلّ واحدة منها شخص مُعيّن من قبل المفوضية الفرنسية العليا في بيروت.

    غَضب جميل الألشي من هذا التصرف، وقال إنه يُضر كثيراً بمستقبل مدينة دمشق الاقتصادي لأنه يفصلها عن مُحيطها الجغرافي ويقطع أوصال التجارة بينها وبين فلسطين ولبنان. كما اعترض رسمياً على إنشاء دولة لبنان الكبير وسلخ أربعة أقضية عن سورية وإلحاقها بلبنان. تفاقم الخلاف بينه وبين الفرنسيين، وتحديداً بعد قرارهم إلغاء وزارة الحربية، فقدم جميل الألشي استقالة حكومته يوم 30 تشرين الثاني 1920.(2)

    وزيراً للمالية عام 1928

    لم يظهر جميل الألشي على الساحة السّياسية في السنوات اللاحقة، ولم يُشارك في الثورة السورية الكبرى أو في أي من الأحزاب التي ظهرت في منتصف العشرينيات وبداية الثلاثينيات. ولكنه عُيّن وزيراً للمالية يوم 15 شباط 1928 في حكومة صديقه الشّيخ تاج الدين الحسني، مُدير القصر الملكي الأسبق في عهد الملك فيصل. أشرفت هذه الحكومة على انتخابات مجلس تأسيسي لوضع أول دستور جمهوري في سورية، يوم 24 نيسان 1928. وفي منتصف آب 1930، قدمت حكومة الألشي استقالتها إلى المفوضية الفرنسية العليا في بيروت.

    رئيساً للحكومة سنة 1943

    وفي منتصف الحرب العالمية الثانية، جاء الجنرال شارل ديغول إلى سورية، بعد تحريرها من حكم فيشي الموالي لألمانيا النازية، وكَلّف الشّيخ تاج الدين الحسني برئاسة الجمهورية، ليحكم البلاد بمفرده دون أي رقيب لا من مجلس النواب المنحل ولا من دستور معطل بسبب ظروف الحرب.

    تعاقب كل من حسن الحكيم وحسني البرازي على رئاسة الحكومة في عهده، الذي شهد توحيد البلاد السورية في أيلول 1941، بعد تقسيم قسري دام سنوات، وضم دولة العلويين ودولة الدروز إلى الوطن الأم. وفي مطلع عام 1943، كَلّف الشيخ تاج صديقه القديم جميل الألشي بتأليف حكومة جديدة، وُلدت يوم 8 كانون الثاني 1943 وكانت على الشكل التالي:

    جميل الألشي: رئيساً للوزراء ووزيراً للداخلية

    فايز الخوري (الكتلة الوطنية): وزيراً للخارجية

    منير العباس (مستقل): وزيراً للأشغال العامة والعدل بالوكالة

    الأمير مصطفى الشهابي (مستقل): وزيراً للمالية

    محمد العايش (مستقل): وزيراً للاقتصاد

    خليل مردم بك (مستقل): وزيراً للمعارف

    الدكتور منير العجلاني (صهر رئيس الجمهورية): وزيراً للشؤون الاجتماعية

    رئيساً للجمهورية بالوكالة

    ولكن رئيس الجمهورية توفي قبل أن تبدأ الحكومة عملها، يوم 17 كانون الثاني 1943، وعلى الفور، أصبح جميل الألشي رئيساً بالوكالة، مُكلفاً بالتحضير لانتخابات رئاسية ونيابية قبل نهاية صيف ذلك العام. وفي جنازة الشيخ تاج، وقف الرئيس الألشي مع رؤساء الدول العربية المشاركة، مُمسكاً بيد الرئيس اللبناني إميل أدة.

    وقد واجه عهده القصير مشاكل عدّة، من أبرزها ارتفاع سعر الخبز من ثماني قروش إلى ثماني قروش وربع، مما فجّر مُظاهرات عارمة قادتها الكتلة الوطنية في طول البلاد وعرضها، طالبت بسقوط جميل الألشي.(3)

    كانت هذه الزيادة قد فُرضت من قبل المفوضية الفرنسية العليا في بيروت للمُساهمة في تمويل المجهود الحربي للجيش الفرنسي، ولم يكن باستطاعة الرئيس الألشي تعديلها أو إلغاؤها. أغلقت متاجر دمشق وطالب قادة الحركة الوطنية باستقالة الحكومة، وكان ترأس المُتظاهرين شكري القوتلي، الذي فاز برئاسة الجمهورية السورية ذلك الصيف. في 22 آذار 1943 استقال وزير المالية من حكومة جميل الألشي، وهدد وزراء الحركة الوطنية بالانسحاب، فما كان أمام الألشي إلّا الاستقالة يوم 25 آذار 1943.

    الوفاة

    اعتزل جميل الألشي العمل السياسي من بعدها وتوفي في دمشق عن عمر ناهز 68 عاماً سنة 1951. شيعه أهالي حيّ القيمرية بموكب مُهيب، نظراً للخدمات التي قدمها لهم طوال حياته، وأُقيمت له جنازة رسمية حضرها ممثل عن رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!