الشهر: أبريل 2021

  • يوسف العيسى

    يوسف العيسى
    يوسف العيسى

    يوسف العيسى (1870-1948)، صحفي فلسطيني مُقيم في دمشق، كان أحد مؤسسي الكتلة الوطنية في سورية وصاحب جريدة ألف باء الدمشقية المعارضة لحكم الانتداب الفرنسي.

    البداية

    ولِدَ يوسف العيسى في مدينة حيفا ودَرَس في مدارسها الحكومية. أطلق مع ابن عمه عيسى العيسى جريدة يومية اسمها “فلسطين” سنة 1911.

    ثم توجه إلى دمشق عند جلاء القوات العثمانية عن المدينة في نهاية شهر أيلول من العام 1918 حيث قرر الاستقرار بعد الإعلان عن ولادة حكومة عربية في سورية، بقيادة الأمير فيصل بن الحسين، نجل الشريف حسين بن علي، قائد الثورة العربية الكبرى.

    جريدة ألف باء

    بعد شهر من سقوط العهد الفيصلي وفرض الانتداب الفرنسي على سورية، قام يوسف العيسى بإطلاق صحيفة سياسية يومية من دمشق، سُمّيت ألف باء، وصدر العدد الأول منها يوم 1 أيلول 1920.(1) حصلت الصحيفة على ترخيص من حكومة الرئيس جميل الإلشي، ولكنها تعرضت للحجب الفوري من قبل الفرنسيين بسبب اعتراض صاحبها على إنشاء دولة لبنان الكبير وتقسيم سورية إلى دويلات بقرار من المندوب السامي الفرنسي الجنرال هنري غورو.

    تأسيس الكتلة الوطنية

    تعاون يوسف العيسى مع زعماء سورية على إنشاء تنظيم الكتلة الوطنية لمحاربة الانتداب الفرنسي بكل الوسائل القانونية والسلمية. وقد حضر الاجتماع التأسيسي الذي عُقد لأجل الكتلة الوطنية في بيروت في تشرين الأول 1927، وكان برئاسة هاشم الأتاسي، رئيس الحكومة الأسبق في عهد الملك فيصل.

    النجاح الصحفي

    حققت جريدة ألف باء نجاحاً باهراً وتحوّلت إلى ناطق رسمي باسم الحركة الوطنية في سورية، حيث كانت افتتاحيات يوسف العيسى تعكس فكر وتوجهات رئيس الكتلة هاشم الأتاسي ولا يُضاهيها من حيث التأثير على الرأي العام وسِعة الإنتشار إلّا مقالات جبران تويني في جريدة النهار البيروتية.(2)

    وعند الإعلان عن بدء ثورة الحاج أمين الحسيني في القدس سنة 1936، قام يوسف العيسى بإنشاء لجنة لدعم القضية الفلسيطينية في دمشق، بالتعاون مع الصناعي توفيق قباني والزعيم الدمشقي شكري القوتلي، مُكلفة بجمع التبرعات والسلاح للثوار.(3)

    الوفاة

    توفي يوسف العيسى عن عمر ناهز 78 عاماً سنة 1948، وذهبت رئاسة تحرير جريدته إلى نجله خالد العيسى.

  • جريدة سورية الجديدة

    جريدة سورية الجديدة
    جريدة سورية الجديدة

    جريدة سورية الجديدة، صحيفة يومية كانت تصدر في دمشق خلال سنوات حكم الملك فيصل الأول وفي بداية مرحلة الانتداب الفرنسي. كان رئيس تحريرها الصحفي حبيب كحّالة، الذي اشتهر لاحقاً عبر مجلّة المضحك المبكي من نهاية العشرينيات وحتى مطلع الستينيات.

    صدر العدد الأول من جريدة سورية الجديدة يوم 27 كانون الأول 1918، بعد شهرين فقط من تحرير البلاد من الحكم العُثماني ومبايعة الأمير فيصل بن الحسين حاكماً عربياً على سورية. كانت تصدر بأربع صفحات من القطع الصغير في كل أيام الأسبوع عدا يوم الأحد.

    جمعت بين أفراد أُسرتها عدداً من الصحفيين الكبار، كان ابرزهم نصوح بابيل، الذي عُرف لاحقاً عبر جريدة الأيام اليومية. توقفت جريدة سورية الجديدة عن الصدور عام 1926 بسبب موقفها الداعم للثورة السورية الكبرى، حيث تم إغلاق مكتبها والحجز على موجوداته من قبل سلطة الانتداب الفرنسي. فضّل حبيب كحّالة العودة إلى جمهوره بمطبوعة جديدة، حملت اسم المضحك المبكي وظهرت في الأسواق عام 1929.

  • جريدة بردى

    جريدة بردى، صحيفة يومية دمشقية صدر العدد الأول منها بتاريخ 23 كانون الأول 1945 والأخير في 1 آذار 1958.

    تأسست جريدة بردى على يد الصحفي منير الريّس مع نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1945 وظلّت تصدر بشكل يومي حتى وقوع الانقلاب الأول في سنة 1949. توقفت طوعاً بسبب تفرّغ منير الريّس لجريدة جديدة قام بتأسيسها بدعم وتمويل من مهندس الانقلاب حسني الزعيم، تُدعى “الانقلاب،” والتي ظلّت تصدر حتى سقوط الزعيم ومقتله في 14 آب 1949.

    عادت بعدها جريدة بردى إلى الصدور وتم دمجها مع جريدة المنار الجديد في عهد العقيد أديب الشيشكلي سنة 1952. ولكنها توقفت نهائياً يوم إعلان الوحدة السورية المصرية سنة 1958 بالرغم من تأيد صاحبها للرئيس جمال عبد الناصر.

     

  • جريدة النضال

     

    جريدة النضال، صحيفة يومية دمشقية صدر عددها الأول سنة 1939 والأخير عام 1957.

    كانت جريدة النضال نتاج تعاون بين الدكتور سامي كبارة والدكتور منير العجلاني، وصدر عددها الأول يوم 1 نيسان 1939. الدكتور كبارة كان عضواً في حزب الشعب أما الدكتور العجلاني فكان سياسياً مستقلاً ولكن محسوب على التيار الهاشمي في الوطن العربي. توقفت جريدة النضال في عهد حسني الزعيم العسكري سنة 1949 وتم دمجها مع جريدة ألف باء عام 1953، بأمر من العقيد أديب الشيشكلي.

    نالت نصيباً من الشهرة بسبب معارضتها لحكم الرئيس شكري القوتلي ولاقت دعماً من الحكومة عندما تولّى صاحبها سامي كبارة حقيبة الداخلية في عهد الرئيس هاشم الأتاسي. أُغلقت الصحيفة بعد اعتقال كبارة والعجلاني عام 1956، بتهمة التخطيط لانقلاب عسكري ضد حكم الرئيس شكري القوتلي، وكانت مناهضة للرئيس المصري جمال عبد الناصر.

  • جريدة النصر

    جريدة النصر، صحيفة سورية يومية صدر عددها الأول في 5 تشرين الأول 1943 والأخير في 8 آذار 1963.

    احتفالاً بقرب انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، صدرت جريدة النصر الدمشقية يوم 5 تشرين الأول 1943 وكان صاحبها مُديرها المسؤول الصحفي السوري وديع صيداوي. تم تعطيلها سنة 1949 في عهد حسني الزعيم العسكري وفي عام 1953 دُمِجت مع جريدة الأخبار بأمر من العقيد أديب الشيشكلي. عُطّلت مجدداً في زمن الوحدة مع مصر بسبب موقفها من الرئيس جمال عبد الناصر ولكنها عادت لفترة قصيرة أيام الانفصال قبل إلغاء ترخيصها بشكل نهائي بأمر من مجلس قيادة الثورة سنة 1963. (1)

  • جريدة الفيحاء

    جريدة الفيحاء، صحيفة يومية دمشقية صدر عددها الأول في 2 تشرين الثاني 1947 والأخير يوم 8 آذار 1963.

    كانت جريدة الفيحاء من أولى الصحف التي ولدت في عهد الاستقلال، تصدر بأربع صفحات من القطع المتوسط، وكانت محسوبة على رئيس الجمهورية شكري القوتلي. كان صاحبها ورئيس التحرير سعيد تلّاوي قد عَمل لفترة وجيزة سكرتيراً صحفياً للرئيس القوتلي عام 1943.

    وبعد الإطاحة بحكم القوتلي سنة 1949، أمر مهندس الانقلاب الأول حسني الزعيم بسحب ترخيص جريدة الفيحاء، نظراً لقربها من الرئيس القوتلي. وقد ظلّت محتجبة طوال فترة حكم حسني الزعيم حتى شهر نيسان 1950. أغلقت مجدداً في زمن الوحدة مع مصر وعادت في عهد الرئيس ناظم القدسي يوم 27 كانون الأول 1961، ليتم إغلاقها نهائياً بعد وصول حزب البعث إلى الحكم يوم 8 آذار 1963.

  • جريدة ألف باء

     

     

    جريدة ألف باء، صحيفة يومية دمشقية صدر العدد الأول منها في 1 أيلول 1920 والأخير يوم 8 آذار 1963.

    تأسست جريدة ألف باء في مطلع عهد الانتداب الفرنسي في سورية وكان رئيس تحريرها الصحفي الفلسطيني المُقيم في دمشق يوسف العيسى. جاء في تعريفه عن الصحيفة أنها “جريدة سورية تبحث في السياسة والأخلاق.” بدأت الجريدة بأربع صفحات من القطع الكبير وتحولت إلى ثماني صفحات، وأصبحت الناطق الرسمي باسم الكتلة الوطنية المناهضة لحكم الانتداب الفرنسي في سورية، مما أدى إلى تعطيلها مراراً في الثلاثينيات والأربعينيات وملاحقة صاحبها من قبل أجهزة الأمن الفرنسية.

    توفي يوسف العيسى سنة 1948 وذهبت رئاسة التحرير لنجله خالد العيسى، وأجبرت جريدة ألف باء على الدمج مع صحيفة النضال الدمشقية سنة 1952، في عهد العقيد أديب الشيشكلي. ولكنها عادت إلى شكلها القديم واستقلاليتها بعد القضاء على حكم الشيشكلي سنة 1954، ليتم حجبها في زمن الوحدة مع مصر سنة 1958. عادت إلى الصدور مجدداً في زمن الانفصال ولكنها توقفت نهائياً بعد صدور المرسوم العسكري رقم 4 في 8 آذار 1963، الذي عطل بموجبه جميع الصحف السياسية في سورية ما عدى جريدة البعث الناطقة باسم حزب البعث العربي الإشتراكي. وقد تعاقب على تحرير الجريدة عدد كبير من الصحفيين الكبار مثل وديع صيداوي سنة 1930 نذير فنصة سنة 1949 ومنذر الموصللي سنة 1955.

  • جريدة العاصمة

    جريدة العاصمة، الصحيفة الرسمية الناطقة بلسان حكومة الملك فيصل الأول، صَدرت في دمشق من 1919 وحتى عام 1929.

    أُسست جريدة العاصمة في دمشق بعد إنهيار الحكم العُثماني في سورية، وكانت الجريدة الرسمية الناطقة بلسان حكومة الأمير فيصل بن الحسين. صَدر عددها الأول، بإيعاز من الحاكم العسكري رضا باشا الركابي يوم 17 شباط 1919 وعُين الصحفي والكاتب الإسلامي محبّ الدين الخطيب رئيساً للتحرير، يعاونه المحامي شاكر الحنبلي. كان الخطيب مُقرّباً من الشريف حسين بن علي، قائد الثورة العربية الكبرى، وكان يصدر جريدة القِبلة الرسمية في مملكة الحجاز.

    كانت جريدة العاصمة متنوعة المواضيع وتغطي كافة المراسيم والقوانين الصادرة عن الحكومة السورية، تصدر مرتين في الأسبوع بثماني صفحات من القطع المتوسط. وبعد احتلال الفرنسيين لسورية وخلع الأمير فيصل عن العرش، صارت الجريدة الرسمية لحكم الانتداب حتى عام 1922، عندما تحوّلت إلى نشرة شهرية ومن ثمّ إلى جريدة رسمية للدولة السورية سنة 1929، والتي ما زالت تصدر عن الحكومة السورية حتى اليوم. (1)

  • الحزب السوري الوطني

     

    الحزب السوري الوطني، حزب سياسي ظهر في مدينة دمشق سنة 1919 وتوقف عن العمل بعد مقتل رئيسه المؤسس عبد الرحمن باشا اليوسف في صيف العام 1920، ولم يكن له أي فرع خارج مدينة دمشق.

    أهداف الحزب

    بعد تجريده من منصب أمير الحج عند نهاية الحرب العالمية الاولى، قرر عبد الرحمن باشا اليوسف دخول معترك السياسية عبر حزب سياسي أطلق عليه إسم “الحزب السوري الوطني.” كان مقره في إحدى قاعات قصر اليوسف في حيّ سوق ساروجا وعُرف لدى العوام بحزب الذوات، نظراً لتواجد عبد الرحمن اليوسف في صدارته.

    تألف الحزب من هيئة إدارية من ستة عشر عضواً وهيئة استشارية فيها خمسة وعشرون عضواً، جميعهم من الأعيان. طالبوا باستقلال سورية بحدودها الطبيعية وضمان وحدة أراضيها، دون ذكر تحفظاتهم على الدولة الهاشمية التي أُقيمت في دمشق نهاية عام 1918، ولا على أميرها الشاب فيصل بن الحسين.

    في بيانهم التأسيسي طالب أعضاء الحزب بنظام ملكي دستوري، يقيّد صلاحيات الأمير فيصل ويجعله مسؤولاً أمام مجلس نواب مُنتخب. كما طالبوا بالتساوي والحقوق بين جميع مكونات الشعب السوري، دون التفريق بين أي عرق أو دين. ولكي لا يبقى الحزب مُرتبط بالذوات، طالب أعضائه بإنشاء صناديق للتعاون الاقتصادي، لجمع تبرعات ورفع السوية المعيشية لكافة أبناء الشعب السوري. وكان ضمن أهدافهم تنشيط التجارة والصناعة وصون حقوق النقابات والعمال.(1)

    أعضاء الحزب

    ضم الحزب السوري الوطني شخصيات بارزة من المجتمع الدمشقي، مثل الشّيخ تاج الدين الحسني، نجل المحدّث الأكبر الشّيخ بدر الدين الحسني، أحد أشهر علماء الشّام في حينها وأكثرهم احتراماً ونفوذاً في المشرق العربي. وفي محاولة لاستمالة العُلماء إلى صفوف الحزب، تعاون اليوسف مع أمين الفتوى في دمشق الشّيخ عبد المحسن الاسطواني ومع الشّيخ عبد القادر الخطيب، خطيب الجامع الأموي. وقد ضم الحزب بين صفوفه أيضاً اعضاء مجلس الشورى راشد باشا مردم بك وبديع مؤيد العظم.

    في انتخابات عام 1919 فاز الحزب السوري الوطني بثلاثة مقاعد في المؤتمر السوري العام، أول سلطة تشريعية عَرفتها البلاد السورية في عهد الاستقلال، ذهبت لعبد الرحمن اليوسف وتاج الدين الحسني وعبد القادر الخطيب، الذين انتخبوا جميعاً عن مدينة دمشق.(2)

    موقف الحزب من إنذار غورو

    عند صدور إنذار الجنرال هنري غورو للملك فيصل يوم 14 تموز 1920، طالب الحزب بحل سياسي وعدم الدخول في أي مواجهة عسكرية مع الفرنسيين، بحجة أن الجيش السوري كان صغيراً وغير قادر على محاربة دولة عظمى مثل فرنسا. وكان الإنذار قد طالب الحكومة السورية بحلّ الجيش وجمع السلاح وقبول بنظام الانتداب الفرنسي. وجّهت اتهامات لأعضاء الحزب بالتخاذل والتراخي والخنوع وخرجت مظاهرات عارمة في دمشق ضد موقفهم من الإنذار الفرنسي. وقد إنهار الحزب السوري الوطني بعد مقتل عبد الرحمن اليوسف في قرية خربة غزالة في سهل حوران نهاية شهر آب من العام 1920، أي بعض أسابيع قليلة من فرض الانتداب الفرنسي على سورية.

    أحزاب مشابهة

    في عهد الإستقلال، ظهر حزب يُدعى الحزب الوطني وهو إستمرار للكتلة الوطنية التي نشطت في السياسة السورية في زمن الإحتلال الفرنسي، ولا علاقة لهذا الحزب بالحزب السوري الوطني الذي تم حلّه طوعياً بعد مقتل عبد الرحمن اليوسف.

  • سعد الله الجابري

    الرئيس سعد الله الجابري
    الرئيس سعد الله الجابري

    سَعْدْ اَللَّهْ اَلْجَابِرِي (1893-20 حزيران 1947)،  زعيم وَطَني من مدينة حلب، كان أحد مؤسسي الجمعية العربية الفتاة المناهضة للدولة العثمانية ومن أركان الكتلة الوطنية المعارضة للانتداب الفرنسي. هو أحد مُشرعي دستور سورية الملكي لعام 1920 ودستورها الجمهوري سنة 1928. وفي مرحلة الاستقلال، كان أحد مؤسسي جامعة الدول العربية.

    شارك سعد الله الجابري بمفاوضات الاستقلال الأولى سنة 1936 وكان وزيراً للخارجية والداخلية حتى سنة 1939. شكّل ثلاث حكوماتٍ في عهد الرئيس شكري القوتلي، كانت الأولى في آب 1943 والأخيرة في نيسان 1946. وقد انتُخب الجابري رئيساً لمجلس النواب من 14 تشرين الثاني 1944 وحتى 27 نيسان 1946 ولعب دوراً محورياً في مفاوضات الجلاء النهائية مع وفي عهده تحقق استقلال سورية.

    وبذلك يُعتبر سعد الله الجاري أحد الآباء المؤسسين للدولة السورية الحديثة.

    البداية

    ولِد سعد الله الجابري في حيّ السُّوَيقة في حلب وكان والده الحاج عبد القادر لطفي الجابري مُفتِيًا على المدينة، أما والدته حسنى مالك فكانت من أصول شركسيّة.(1) وكانت عائلة الجابري من الأشراف، ولها باع طويل في الزعامة منذ منتصف القرن الثامن عشر.(2)

    دَرَس سعد الله الجابري  في المدرسة الرشيدية ومن ثمّ في الكلية السُلطانيّة في إسطنبول، حيث تخرّج حاملاً شهادة في الحقوق. وقد سيق فور تَخَرُّجهِ إلى الخدمة العسكرية في الجيش العُثماني وعُيّن على جبهة القوقاز، بعيداً عن أهله وعن مدينته.(3)

    انتسب الجابري في شبابه إلى الجمعية العربية الفتاة، بعد أشهرٍ قليلة من تأسيسها في باريس، وكان أحد أبرز أعضاء خليّتها السريّة في حلب. سعت جمعية الفتاة بداية إلى تحسين أوضاع المدن العربية داخل السّلطنة العُثمانية، قبل أن يَتَطوّر برنامجها وتُطالب بتحرير البلاد من الحكم العُثماني.

    في العهد الفيصلي

    كان سعد الله الجابري أحد مُؤيّدي الثورة العربية الكبرى التي اِنطلقت من الحجاز ضد الدولة العُثمانيّة، بقيادة الشريف حسين بن علي. وعند دخول قادة الثورة إلى دمشق في 1 تشرين الأول 1918، مُعلنين تحريرها بالكامل من الحكم العُثماني، توجّه الجابري مع شقيقه إحسان إلى المدينة لمُبايعة الأمير فيصل بن الحسين حاكماً عربياً على سورية.

    عُيّن إحسان الجابري رئيساً لديوان الأمير فيصل وانتُخب سعد الله الجابري نائباً عن حلب في المؤتمر السوري العام، وهو أول مجلس تشريعي عرفته البلاد السورية. كما كان عضواً في لجنة صياغة الدستور التي شكّلها الأمير فيصل بعد تتويجه ملكاً على البلاد في 8 آذار 1920، وكانت برئاسة هاشم الأتاسي. (4) تحالف الجابري من زميله في المؤتمر النائب رياض الصلح وأسسوا كتلة نيابية من الشباب التقدميين المُطالبين بتحرير المرأة السورية وإعطاؤها حق الانتخاب.(5) وقد توطدت صداقة الجابري مع الصلح بعد زواج الأخير من فايزة الجابري سنة 1930، وهي إبنة نافع باشا الجابري، الشقيق الأكبر لسعد الله.(6)

    مع إبراهيم هنانو

    ولكن عهد الملك فيصل لم يستمر طويلاً وسقط بعد مواجهة عسكرية مع الجيش الفرنسي في معركة ميسلون يوم 24 تموز 1920، أدّت إلى خلع فيصل عن عرش الشّام وفرض الانتداب الفرنسي على سورية. لم يلتحق الجابري بالثورة العسكرية التي اندلعت ضد الفرنسيين في شمال البلاد، ولكنه أيّدها بالمال والسلاح، واضعاً نفسه وثروة عائلته تحت تصرّف قائدها العام إبراهيم هنانو، زميله في المؤتمر السوري.

    حُكم على سعد الله الجابري بالإعدام بسبب مواقفه المتشددة ضد الفرنسيين وقُربه من الملك فيصل فهرب إلى مصر وحصل على لجوء سياسي من الملك فؤاد الأول. وقد أقام في القاهرة حتى سنة 1922، عندما صدر عفو فرنسي عن مجموعة من الوطنيين السوريين، كان من بينهم سعد الله الجابري.(7)

    كانت ثورة الشمال قد أُجهِضت وهرب إبراهيم هنانو إلى إمارة شرق الأردن ومن ثمّ إلى فلسطين، حيث تم اعتقاله من قبل السلطات البريطانية وتسليمه إلى الفرنسيين في سورية. وقد شُكّل مجلس عرفي لمحاكمة هنانو في حلب، ووجّهت له تهم شتّى، منها السلب والنهب وقيادة عصيان مسلّح. كان الجابري يحضر جلسات المحكمة بانتظام وقد أستُدعي مع شقيقه فاخر الجابري كشهود دفاع، وفي إحدى الجلسات خاطب رئيس المجلس العسكري هنانو قائلاً: “إنك تزعم أنك قاتلت فرنسا باسم الشعب السوري، فهل يُمكنك أن تأتيني بشخص واحد كلّفك بهذه المُهمّة؟”

    وهنا وقف الجابري بشجاعة وخاطب القاضي الفرنسي قائلاً:

    يا سيدي الرئيس، أنا أدعى سعد الله الجابري من أبناء هذا البلد ومثقفيه. أنا والألوف معي كلفنا إبراهيم هنانو مقاتلة فرنسا التي دخلت بلادنا دون حق، ومن حقنا أن نقاوم الاحتلال الأجنبي. وإن المجرم هو من يعتدي على سلامة الناس وحريّة الشعوب، لا ذلك الذي يدافع عن استقلال بلاده ويجابه في سبيل تحرير آبائه وأجداده. لقد أعلن إبراهيم هنانو الحرب عليكم باسم الشعب السوري العربي، والقتل والفتك والتدمير نتيجة طبيعية للحرب التي خضتم غمارها.(8)

    وكانت نتيجة تلك المحاكمة صدور قرار براءة إبراهيم هنانو، الذي رافع عنه المُحامي فتح الله سقّال، وعودته إلى محاربة الفرنسيين، ولكن من باب النضال السياسي هذه المرة، لا المُسلح.

    جمعة اليد الحمراء

    وكان الجابري في هذه المرحلة من حياته قد أسس تنظيماً سريّاً لمحاربة الاحتلال في حلب، أطَلَق عليه اسم “اليد الحمراء.” وقد ضمّ عدداً من أعيان المدينة مثل الدكتور عبد الرحمن كيالي وحسن فؤاد إبراهيم باشا وفؤاد المُدرّس وأسعد الكواكبي.(9) عَلِمْت السلطات الفرنسية بنشاطه وقامت باعتقاله مدة ستة أشهر في مدينة صافيتا. وفي سنة 1925 أُلقي القبض عليه مرة ثانية لدوره في الثورة السورية الكبرى، فتم سجنه في حلب ومن ثمّ في جزيرة أرواد. وكان الاعتقال الثالث في سنة 1934.

    الجابري والكتلة الوطنية

    بعد قمع الثورة الوطنية وإجهاضها اجتمع عدد من الوطنيين الكبار في مدينة بيروت، برئاسة هاشم الأتاسي، وأسسوا تنظيماً سياسياً جديداً، أطلقوا عليه اسم “الكتلة الوطنية.” شارك هنانو في التأسيس وأعلن مع رفاقه عن تمسكهم بالنضال السياسي بدلاً من المقاومة المسلّحة، مُطالبين بتحرير البلاد عبر نفس المؤسسات الديمقراطية التي كانت قد أدخلتها فرنسا على الحياة السياسية في سورية، وتجديداً الدستور والبرلمان.

    كان فاخر الجابري عضواً مؤسساً في اجتماع الكتلة الوطنية في بيروت وانضم سعد الله الجابري إلى هذا التنظيم لاحقاً، بطلب من إبراهيم هنانو.  وفي 3-4 تشرين الثاني 1932 عَقَدت الكتلة الوطنية اجتماعاً موسعاً في مدينة حمص، وانتُخب مجلسها الدائم المؤلف من هاشم الأتاسي رئيساً مدى الحياة، يعاونه سعد الله الجابري نائباً للرئيس، وسُمّي إبراهيم هنانو زعيماً للكتلة وفارس الخوري عميداً لها.(10)

    دستور عام 1928

    خاضت الكتلة الوطنية أولى معاركها الانتخابية سنة 1928 عندما ترشّح زعمائها للمؤتمر التأسيسي الذي كان مُكلّفاً بوضع دستور جديد لسورية بدلاً من الدستور الملكي الذي قام الفرنسيين بتعطيله سنة 1920. فاز الجابري بعضوية المؤتمر التأسيسي الذي انتُخب هاشم الأتاسي رئيساً له، وكانت هذه هي ثاني تجربة دستورية بين الجابري والأتاسي بعد دستور سنة 1920. وقد تمكنوا من كتابة دستور عصري، ليس فيه أي إشارة إلى الانتداب الفرنسي. أغضب هذا التجاهل سلطة الانتداب التي اعترضت على ست مواد من الدستور، منها عدم الاعتراف باتفاقية سايكس بيكو والإصرار على وحدة سورية الطبيعية، وعدم ذكر الانتداب وإعطاء صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية اَلْمُنْتَخَب، بدلاً من المندوب السامي الفرنسي.

    طالبت فرنسا من أعضاء المؤتمر التأسيسي تعديل تلك المواد وإضافة مادة جديدة، رقمها 116، فيها ذكر  واضح وصريح لنظام الانتداب وشرعيته في سورية. ولكن أعضاء المؤتمر أصرّوا على موقفهم وقاموا بتبني الدستور كاملاً من دون أي تعديلات، فردّت فرنسا بتعطيله وحلّ المؤتمر إلى أجل غير مُسمّى.

    الإضراب الستيني

    توفي إبراهيم هنانو في بعد ثلاث سنوات من مؤتمر حمص وخرجت له جنازة مُهيبة، حضرها جميع قادة الكتلة الوطنية. نُصّب الجابري زعيماً على مدينة حلب، خلفاً للراحل الكبير، وقاد موكب التشييع الذي أُطلق خلاله هتافاتٍ مناهضة للانتداب. ردّت فرنسا بقصواة مُفرطة، فقد أمرت باقتحام منزل هنانو ومصادرة ما في داخله من مُستندات ووثائق، ثم ألقت القبض على سعد الله الجابري، بتهمة التحريض وإثارة الفتن.

    بدلاً من  إسكات الشارع وإرهابه، أدّت هذه التصرفات إلى اندلاع مُظاهرات عارمة في دمشق أطلقها زعماء الكتلة، نصرة لحلب والجابري. وكان الرد الفرنسي مُماثلاً، فقامت السلطات باعتقال المُتظاهرين وعلى رأسهم نائب دمشق فخري البارودي، وهو أحد قادة الكتلة الوطنية الكبار. تكررت المُظاهرات وسقط خلالها عدد كبير من الشهداء، مما أدّى إلى إضراب عام في المدن السورية كافة، دام ستون يوماً.

    وقد أضر الإضراب بسمعة فرنسا محليّاً ودوليّاً، فقررت  الانصياع لمطالب الوطنيين عبر إطلاق سراح الموقوفين وإقالة حكومة الشّيخ تاج الدين الحسني المحسوبة على سلطة الانتداب. ثم دخلت في مفاوضات مباشرة مع هاشم الأتاسي في بيروت، أسفرت إلى دعوة وفد من الكتلة الوطنية إلى باريس لمناقشة مستقبل سورية، مع الاعتراف بالكتلة الوطنية كممثل شرعي للشارع السوري الثائر.

    سعد الله الجابري في باريس سنة 1936 مع هاشك الأتاسي ورياض الصلح.
    سعد الله الجابري في باريس سنة 1936 مع هاشك الأتاسي ورياض الصلح.

    مفاوضات باريس سنة 1936

    وفي آذار 1936 توجه وفد الكتلة الوطنية إلى فرنسا بقيادة الأتاسي وعضوية كلّ من سعد الله الجابري وجميل مردم بك وفارس الخوري ورياض الصلح.

    مكثوا في العاصمة الفرنسية حتى أيول 1936، وتمكنوا من إبرام معاهدة مع حكومة الرئيس ليون بلوم، وعدت السوريين بالاستقلال التدريجي والمشروط، مقابل مجموعة من الامتيازات السياسية والعسكرية والثقافية في سورية.

    وقد نصّت المعاهدة على إعادة ضم جبل العلويين إلى سورية، ومعه جبل الدروز، وعلى إجراء انتخابات نيابية ورئاسية، مع توسيع صلاحيات السوريين في الإدارة والحكم.

    فقد سُمح لهم مثلاً إنشاء وزارة للخارجية وأخرى للدفاع، للمرة الأولى منذ سنة 1920، عندما تولّت فرنسا شؤون سورية الخارجية والعسكرية وجعلتهما حكراً على ديبلواسيين وضباط فرنسيين. دافع سعد الله الجابري عن منجز الكتلة الوطنية في فرنسا واعتبره نصراً كبيراً قائلاً: “لم يبقى على فرنسا إلّا أن تُعطينا مارسيليا.”(11)

    الوصول إلى الحكم

    عاد وفد الكتلة الوطنية إلى سورية رافعاً شعار النصر يوم 29 أيلول 1936، وعلى الفور استقال رئيس الجمهورية محمّد علي العابد وتم انتخاب هاشم الأتاسي خلفاً له في كانون الأول 1936. وقد كلّف الأتاسي جميل مردم بك بتأليف أول حكومة في العهد الوطني، ذهبت جميع حقائبها إلى أعضاء المكتب الدائم للكتلة الوطنية. عُيّن شكري القوتلي وزيراً للدفاع والمالية وعبد الرحمن كيالي وزيراً للعدل والمعارف، وسعد الله الجابري وزيراً للخارجية والداخلية، كما انتُخب فارس الخوري رئيساً لمجلس النواب.

    وكان أول نشاط كبير قام به الجابري دعوة الدول العربية لعقد مؤتمر حول القضية الفلسطينية في بلدة بلودان القريبة من دمشق يومي 8-9 أيلول 1937، تقرر فيه رفض الهجرة اليهودية وعدم الاعتراف بشرعية الانتداب البريطاني مع حق الشعب الفلسطينية بالمقاومة المشروع الصهيوني بكل السبل المتاحة، السياسية منها والعسكرية.

    المواجهة مع الشهبندر

    تعرض العهد الجديد إلى تحدّيات كبيرة بعد عودة الزعيم الوطني عبد الرحمن الشهبندر من المنفى، وهو من قادة الثورة السورية الكبرى. عارض الشهبندر معاهدة عام 1936 بشدة، مُعتبراً أن قادة الكتلة الوطنية أعطوا فرنسا الكثير ولم يأخذوا بالمقابل وعداً وصريحاً بالاستقلال التام وغير المشروط. كانت تجمع صداقة قديمة بين الشهبندر والرئيس الأتاسي منذ أن كان الأخير وزيراً في حكومة الأتاسي أيام الملك فيصل. احتراماً له ولماضيه الوطني لم تطاله انتقادات الشهبندر بل صوّبت كليّاً تجاه جميل مردم بك وسعد الله الجابري.

    وقد ضاعف من معارضة الشهبندر عدم تمرير المعاهدة في البرلمان الفرنسي، الذي رفض أعضاؤه التصديق عليها خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى تراجع نفوذ فرنسا في الشرق الأوسط. سافر الجابري ومردم بك إلى باريس في محاولة لإقناع المُشرعين الفرنسيين بالعدول عن موقفهم، وقدموا بعض التنازلات المؤلمة، مثل إعطاء فرنسا حق التنقيب عن الثروات الباطنية وحماية الأقليات في سورية، ولكن ذلك لم يُقنع المجلس الفرنسي بتغير موقفه، نظراً لتزايد الكلام عن قرب حصول مواجهة عسكرية مع أدولف هتلر في أوروبا.

    سلخ لواء إسكندرون

    ثم جاء سلخ منطقة لواء إسكندرون عن سورية عبر استفتاء أجرته عصبة الأمم، التي لم تكن سورية عضواً فيها. أخفق الجابري في حماية إسكندرون ومنع ضمه إلى تركيا ووجهت اتهامات إلى جميل مردم بك بالتنازل عن المنطقة بعد لقاء جمع بينه وبين الرئيس التركي كمال أتاتورك في أنقرة. وعند استجوابه أمام مجلس النواب كان جواب الجابري ضعيفاً للغاية عندما قال: “إن الحكومة السورية قامت بكل ما يترتب عليها وعملت ما يجب عمله.”(12)

    وقد اتهم عبد الرحمن الشهبندر رجال الكتلة بالتقصير في حماية الأراضي السورية، وطالب باستقالتهم ومحاسبتهم أمام القضاء. رد الرئيس مردم بك على هذه الانتقادات بوضع الشهبندر قيد الإقامة الجبرية في بلدة الزبداني بريف دمشق، وقام الجابري، بصفته وزيراً للداخلية، بمراقبة تحركاته ومنعه من مقابلة أنصاره. وعندما تقدم الشهبندر إلى وزارة الداخلية بطلب تأسيس حزب سياسي، جاء الجواب بالرفض، موقعاً من قبل الوزير سعد الله الجابري.

    تحت ضغط من الشارع وفي ظلّ الإخفاقات المتكررة، قدّم جميل مردم بك استقالة حكومته في شباط 1936، وفي شهر تموز من العام نفسه استقال الرئيس هاشم الأتاسي. سقط العهد الوطني الأول وانتصر عبد الرحمن الشهبندر على خصومه.

    اغتيال الشهبندر

    ولكن وفي 6 تموز 1941، اغتيل الدكتور الشهبندر في عيادته الطبية وسط دمشق، ووجّهت أصابع الاتهام فوراً إلى خصومه في الكتلة الوطنية. خَضَعَ الجابري إلى جلسة تحقيق مُكثفة في حلب، قبل توجيه اتهام رسمي له ولجميل مردم بك ولطفي الحفار بمقتل عبد الرحمن الشهبندر. وجاء في التحقيقات قول الجاني أحمد عصاصة إنه تلقى مبلغ 400 ليرة عثمانية ذهبية من الجابري ومردم بك والحفار لتنفيذ الجريمة.(13)

    فرّ الجابري إلى العراق قبل صدور قرار باعتقاله، وحصل على لجوء من حكومة جميل المدفعي، وتبعه كلّ من مرم بك والحفار، القادمين من دمشق. وقد شُكّل فريق من المُحامين الكبار للمرافعة عنهم، مؤلف من إميل لحود وحبيب أبو شهلا من لبنان وإحسان الشريف من دمشق.

    وقد تمّت محاكمة قادة الكتلة غيابياً في محكمة استثنائية عُقدت داخل مجلس النواب في شارع العابد، تبيّن فيها أن لا علاقة للجابري وصحبه بالجريمة وأنها نُفّذت من قبل مجموعة من الشباب المتطرفين، الذين اعتبروا أن علمانية الشهبندر كانت إلحاداً ورأوا في قربه من الإنكليز خيانة للقضية الوطنية.

    أمّا عن توجيه الاتهام إلى رجال الكتلة الوطنية، فقد قال أحمد عصاصة خلال المحاكمة وبعد أن أقسم على القرآن الكريم أنه لم يلتقي سعد الله الجابري في حياته وأن توجيه الاتهام له ولرفاقه جاء بأمر من رئيس الحكومة بهيج الخطيب وقائد الشرطة صفوح مؤيد العظم.

    حكومة الجابري الأولى (19 آب 1943 – 14 تشرين الثاني 1944)

    عاد سعد الله الجابري من العراق بعد ثبوت براءته وترشّح في الانتخابات النيابية التي أُجريت في صيف العام 1943 وأوصلت شكري القوتلي إلى رئاسة الجمهورية. كانت تجمع بين القوتلي والجابري صداقة متينة منذ أيام الشباب، عندما عملا معاً في صفوف الجمعية العربية الفتاة قُبيل الحرب العالمية الأولى. عاد رجال الكتلة إلى سدّة الحكم بعد أربع سنوات من استقالتهم الجماعية وانتُخب فارس الخوري مجدداً رئيساً للبرلمان وكُلّف سعد الله الجابري بتشكيل أول حكومة في عهد الرئيس القوتلي.

    واجه الجابري معارضة منظمة في حلب، مُمثلة في جيل جديد من الوطنيين الشباب الذين حاولوا قطع الطريق على شكري القوتلي لمنعه من الوصول إلى رئاسة الجمهورية. تزعم هذا التيار رشدي الكيخيا وناظم القدسي، وهما أعضاء سابقين في الكتلة الوطنية، كانوا قد انشقوا عنها بسبب ضعفها في مواجهة تركيا وعدم قدرتها الحفاظ على لواء إسكندرون.

    وُلِدْت حكومة الجابري الأولى يوم 19 آب 1943 وذهبت غالبية حقائبها إلى أعضاء الكتلة الوطنية، باستثناء حقيبتين اثنين أُسندت لشخصيات مستقلة. فقد عُيّن نصوحي البخاري وزيراً للمعارف وخالد العظم وزيراً للمالية ، وكلاهما رؤساء سابقين للحكومة (البخاري سنة 1939 والعظم سنة 1941). أمّا عن حقائب الكتلة الوطنية فكانت الخارجية لجميل مردم بك والداخلية للطفي الحفار والعدلية لعبد الرحمن كيالي والأشغال العام لمظهر رسلان والزراعة لتوفيق شامية. وقد استمرت هذه الحكومة من 19 آب 1943 حتى 14 تشرين الثاني 1944، عندما أجرى الرئيس القوتلي تعديلاً في الحكم، فقام بتعيين سعد الله الجابري رئيساً لمجلس النواب وجاء بفارس الخوري رئيساً للحكومة.

    سعد الله الجابري مع رياض الصلح سنة 1943.
    سعد الله الجابري مع رياض الصلح سنة 1943.

    خلال وجوده في السراي الكبير، شارك الرئيس الجابري في الاجتماعات التأسيسية لجامعة الدول العربية في مدينة الإسكندرية، بدعوة من الملك فاروق، وتوجه إلى مصر على رأس وفد مؤلف من وزير الخارجية جميل مردم بك وأمين عام الرئاسة السورية الدكتور نجيب الأرمنازي. وعَمِل مع رئيس الوفد اللبناني رياض الصلح على وضع ميثاق الجامعة العربية، وكان الصلح قد أصبح رئيساً للوزراء في بلاده في نهاية شهر أيلول من العام 1943، أي بعد تولّي الجابري رئاسة الحكومة السورية بحوالي شهر ونيّف.

    دعم الفنون المسرحية

    كان سعد الله الجابري وبالرغم من تربيته المحافظة مُنفتحاً على الآخرين ومُشجّعاً للفنون بكافة أشكاله. ففي فترة توليه الحكم، قدّم دعماً للفرق المسرحية السورية وحضر بنفسه عرض مسرحية “قيس وليلى” في سينما عائدة بدمشق في شباط 1944. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يُقدم مسؤول سوري دعماً من هذا النوع للفنانين الشباب. عند خروجهم من المسرح، طلب الجابري من بطل المسرحية الشاب تيسير السعدي أن يأتيه إلى دار الحكومة وأوصى مدير مكتبه كاظم الداغستاني أن يؤمّن كل ما يحتاجه من نفقات.(14)

    الصدام مع المشايخ

    كان رجال الدين في دمشق يشكون عن تفشي العادات الأجنبية في مجتمعهم، ومنها السفور ودخول النساء إلى سوق العمل. وكانوا قد رفعوا عدة رسائل إلى الحكومة، مُطالبين فصل الإناث عن الذكور في المدارس، وتخصيص عربات خاصة لهم في الترامواي وفرض رقابة على السافرات، ولكن الجابري تجاهل كل هذه المطالب، بدعم وتنسيق مع الرئيس القوتلي.

    في ربيع العام 1944 أعلنت جمعية نقطة الحليب، إحدى أقدم الجمعيات الأهلية في سورية، عن حفل خيري في دمشق تحت رعاية مدام كترو، زوجة جورج كاترو ممثل الجنرال شارل ديغول في سورية ولبنان. اعترضت الجمعيات الإسلامية على هذا النشاط، أولاً بسبب الرعاية الفرنسية وثانياً لأن المُنظمين أرادوا أن يُقام الحفل في مطعم عُرف عنه تقديم الخمر للزبائن.كما أُشيع يومها بأن عدد من زوجات المسؤولين السوريين كانوا ينوون حضور الحفل وهم سافرات الرأس والوجه. طالبت الجمعيات الإسلامية من حكومة الجابري إلغاء الحفل ولكنه رفض، وهو الداعم لتحرر المرأة منذ أن كان نائباً في المؤتمر السوري سنة 1919.

    قام المشايخ بنقل المعركة إلى منابر الجوامع، حيث لا تواجد ولا نفوذ لرجال الكتلة الوطنية، ولا سطوة لرئيس الحكومة، الذي ظنّ رجال الدين أنهم قادرين على اسقاطه بسهولة. في 19 أيار 1944 تم توحيد خطب الجمعة في مساجد دمشق كافة، للتحذير من الفلتان والتحرر، وقد حمل فيها الخطباء حكومة الجابري المسؤولية عن ما وصفوه بالتراخي الاجتماعي. في مُذكّراته، يصف الشّيخ علي الطنطاوي سعد الله الجابري قائلاً إنه “سوّد صفحته” بدعمه لحركة التحرر النسائية، “وأفسد وطنيته.”(15)

    اجتمع 300 شخص بعد صلاة الظهر في جامع دنكز بحيّ السنجقدار، وخرجوا بمظاهرة حاشدة باتجاه السراي الحكومي في ساحة المرجة، مُطالبين بإلغاء الحفل الخيري أو منع النساء المُسلمات من المشاركة به، وهتفوا ضد رئيس الحكومة ووزير الداخلية لطفي الحفار. أمر مدير شرطة دمشق أحمد اللحّام بتفريق المُتظاهرين، وفي الاشتباكات التي حصلت، قُتل اثنان من الشبّان. رفض اللحّام معاقبة عناصره، قائلاً إنهم كانوا يقومون بواجبهم الوطني والأمني، وأنهم أطلقوا النار دفاعاً عن النفس بعد رفع السلاح في وجه عناصر الشرطة من قبل المُتظاهرين. كما قام باعتقال زعيم المتظاهرين، الشّيخ محمد الأشمر، وهو من قادة الثورة السورية، ونقله إلى سجن تدمر، بتهمة التحريض ضد الدولة وإثارة الشغب بين الناس.(16)

    انتفض أهلي حيّ الميدان دفاعاً عن محمّد الأشمر، وخرجوا بمظاهرات كبيرة أُحرقت خلالها المباني الحكومية في باب مصلّى، مُطالبين باسقاط حكومة الجابري. أغلقت أسواق دمشق تضامناً من الحراك في يومي 21-22 أيار 1944، وشمل الإضراب سوقي الحمدية والبزورية، وهما العصب التجاري لمدينة دمشق.

    احتشد حوالي ألف شخص في جامع منجك في الميدان، وخرجوا شاهرين أسلحتهم وسكاكينهم، مُطالبين باستقالة الحكومة. أقاموا حواجز لاعتراض الناس في منطقة الشاغور، معقل الرئيس شكري القوتلي، وتم اطلاق النار على الشرطة ووضربت احدى السيدات وهي في ترامواي المرجة لأنها كانت سافرة، وتوقفت حركة الترامواي في دمشق كليّاً بعد التهجم بالحجارة على إحدى الحافلات. كما أن المُتظاهرين هاجموا سينما أمبير في طريق الصالحية، التي كانت تقيم عروض مسائية مبكرة للنساء، وحطموا أبوابها، محاولين الدخول على السيدات المجتمعات في داخلها.(17)

    حاولت جمعية الهداية الإسلامية ومعها جمعية التمدّن الإسلامي طباعة مناشير تُطالب الأهالي باستمرار العصيان حتى اسقاط الحكومة، ولكنها مُنعت من قبل المطبعة الحكومية، بأمر من الرئيس الجابري. وفي شمال البلاد، عُثر على مناشير مُرسلة من حركة الإخوان المسلمين في مصر إلى أهالي حلب، تُطالبهم بنصرة أهل الشّام واقامة حكم شرعي في سورية. وصفت تلك المناشير سعد الله الجابري بالمُلحد، وقالت أنه “عدو الله وعدو الإسلام،” وهي نفس العبارة التي استُخدمت قبل أربع سنوات لتحريض على قتل عبد الرحمن الشهبندر.

    غضب سعد الله الجابري ونزل إلى مجلس النواب للوقوف على أخر التطورات الأمنية بنفسه، وخطب مُدافعاً عن عناصر الدرك الذين أطلقوا النار، قائلاً: “هل كان من الممكن أن يسمحوا لهؤلاء المُشاغبين قصيري النظر اقتحام دار السينما والتعرض للنساء الموجودين في داخله؟ كلا!”(18)

    وقد دافع عن حكومته قائلاً:

    لم تأتي حكومة من قبل حاربت الفساد والانحلال الأخلاقي كما فعلنا نحن، فنحن نرفض الاعتداء على الحريات الدينية بنفس الشدة التي نرفض فيه التهجم على مؤسسة الدولة. أملنا أن يقوم كل جامع، وكل كنيسة وكل كنيس بفتح أبوابهم بحرية تامة، من دون أي خوف أو ترهيب من احد.

    وختم خطابه برسالة موجهة إلى رجال الدين: “عليهم أن يعلموا جيداً أن الحكومة منهم، هي وموجودة لأجلهم، ولكنها يجب أن تُطاع!” (19) تجمهر جمع من طلاب المدارس الدينية حول مبنى البرلمان خلال القاء كلمة الجابري وهم يهتفون: “يسقط، يسقط، يسقط!”

    كاد العصيان أن يكبُر ويستمر لولا لجوء الجابري إلى الحيلة، فتدخل لدى رئيسة الإتحاد النسائي، عادلة بيهم الجزائري، وطلب منها أن تمنع معونة الخبز عن الناس ليوم واحد فقط، وتقول لهم: “اذهبوا إلى رجال الدين، وخذوا خبزكم من المشايخ!”(20)

    تجاوبت عادلة بيهم مع مطلب رئيس الحكومة، وفي اليوم التالي، تم الاعتدار من كل سيدة جاءت إلى نوافذ توزيع الخبز، التي كانت الحكومة السورية تقوم بتوزيعه حصرياً على الناس خلال سنوات الحرب العالمية الثانية. انقلب السحر على الساحر، فلم يكن بوسع رجال الدين تأمين حاجة دمشق اليومية من الإعاشة، وتحوّلت المظاهرات من مؤيدة لهم إلى ناقمة عليهم، وفض الإضراب عند هذا الحد. فُتِحت الأسواق وقررت حكومة الجابري تجاوز الأمر وعدم ملاحقة أي من مثيري الشغب، وتم اطلاع سراح الشّيخ محمد الأشمر.

    العدوان الفرنسي 29 أيار 1945

    خلال اجتمع بين الرئيس شكري القوتلي ورئيس الحكومة البريطانية ونستون تشرشل في مصر في شباط 1945، تقرر أن تُعلن سورية الحرب على دول المحور وتساعد على محاربة النازية مُقابل دعوتها لحضور المؤتمر التأسيسي لمنظمة الأمم المتحدة. أعلنت سورية الحرب على ألمانيا وإيطاليا واليابان، وسافر فارس الخوري إلى مدينة سان فرانيسكو على رأس وفد حكومي لحضور المؤتمر في منتصف العام 1945. وخلال تواجده في الولايات المتحدة، وقع عدوان فرنسي على مدينة دمشق، عندما كان الجابري رئيساً لمجلس النواب. كانت فرنسا شديدة الانزعاج من القادة السوريين، بسبب علاقتهم مع بريطانيا وذهابهم إلى الأمم المتحدة بدعمٍ بريطاني، حيث عملوا على إدانة الانتداب وحشد المجتمع الدولي ضده.

    وكان الجو مشحوناً للغاية داخل سورية بعد وصول تعزيزيرات عسكرية إلى مدينة دمشق ونصب حواجز فرنسية في وسط العاصمة مع عناصر مدججة بالسلاح. قررت فرنسا التخلص من شكري القوتلي وسعد الله الجابري وجميل مردم بك، وافتعلت حادثة على مدخل مجلس النواب المُقابل لنادي الضبّاط في طريق الصالحية عصر يوم 29 أيار 1949. أنزل الفرنسيون العلم السوري ورفعوا العلم الفرنسي مكانه، وطلبوا من عناصر حامية الدرك المرابطة على أبواب المجلس إلقاء التحية للعلم الفرنسي.(21) رفض السورين تنفيذ الأوامر وتم إطلاق النار عليهم، ليقتلوا جميعاً على أبواب المجلس. دخل بعدها قوات السينيغال (وهم قوام جيش الشرق الفرنسي) إلى مبنى البرلمان بحثاً عن سعد الله الجابري بنية اعتقاله أو اغتياله.

    كانت من المفترض أن تُعقد جلسة تشريعية يومها ولكنها أُلغيت بسبب عدم توفر نصاب قانوني، وكان مُعظم النواب قد غادرو المبنى قبل الاقتحام، ومعهم الجابري الذي توجه إلى مكان إقامته الدائم في فندق الأوريانت بالاس في ساحة الحجاز. بعد قطع جميع الاتصالات داخل مدينة دمشق وإغلاق الحدود البريّة، دخلت القوات السنغالية  إلى المجلس بحثاً عن الجابري، وعندما لم يجدوه قاموا بإضرام  النار في مكتبه بعد مصادرة جميع الوثائق، ومعها الخزنة  الحديدية وختم رئيس البرلمان.(22)

    ثم قطعت الكهرباء عن االمدينة وبدأ القصف المدفعي على قلعة دمشق، حيث يوجد السجن المدني وقيادة الدرك، وعلى محيط السراي الحكومي في ساحة المرجة، حيث كان وزير الخارجية جميل مردم بك. في الساعة التاسعة ليلاً هرب مردم بك ورفاقه من السراي إلى منزل خالد العظم في سوق ساروجا، وظلّ الجابري مُحاصراً تحت القصف في الفندق. وقد انتشرت الشائعات في طول المدينة وعرضها، بأن الرئيس القوتلي قد قُتل وأن الجابري ومردم بك قد هربوا خارج البلاد.

    كان بطريرك موسكو ألكسي الأول نزيلاً في فندق الأوريانت بالاس مع الجابري، وقد وصل دمشق صباح يوم 29 أيار. طلبت السفارة السوفيتية من الحاكم العسكري الفرنسي الكولونيل أوليفيا روجيه وقف القصف لإجلاء البطريرك وفتح طريق آمن له لكي يذهب إلى لبنان. وقعد عرض البطريرك الروسي على الرئيس الجابري السفر معه إلى بيروت فقبل، وعندما وصل إلى حدود المصنع لم يرغب الجابري بدخول الأراضي اللبنانية تحت حماية روسية فترجّل من سيارة البطريرك واستقل سيارة نقل سورية، أوصلته إلى مقر السراي الحكومة في بيروت، حيث كان في استقباله رئيس الحكومة اللبنانية عبد الحميد كرامي. وضع كرامي مكتبه تحت تصرف الجابري، الذي عقد مؤتمراً صحفياً وتكلّم عن المجزرة التي حصلت في دمشق، ثم سافر إلى القاهرة لحضور اجتماع في جامعة الدول العربية.(23)

    وقد صدرت إدانات عربية ودولية بحق الفرنسيين، تبعهم إنذار بريطاني في 1 حزيران 1945، مُطالباً بانسحاب القوات الفرنسية عن سورية. شارك الجابري في المفاوضات النهائية مع فرنسا، حول تسلّم المصالح المشتركة مع لبنان، ومنها المطارات والسجون والمرافق الحيوية، وفي أيول، سمّي رئيساً للحكومة للمرة الثالثة للإشراف على انسحاب الفرنسيين.

    حكومة الجابري الثانية (30 أيلول 1945 – 27 نيسان 1946)

    سعد الله الجابري مع الرئيس شكري القوتلي والرئيس هاشم الأتاسي في عيد الجلاء سنة 1946.
    سعد الله الجابري مع الرئيس شكري القوتلي والرئيس هاشم الأتاسي في عيد الجلاء سنة 1946.

    في حكومته الجديدة أبقى الجابري على حليفه القديم لطفي الحفار في وزارة الداخلية، وجاء بنعيم أنطاكي، أحد أبرز المحامين من حلب، إلى وزارة المالية. وكان نعيم أنطاكي مستشاراً قانونياً لوفد الكتلة الوطنية في مفاوضات باريس سنة 1936 وبعدها أميناً عاماً لوزارة الخارجية في عهد الجابري.

    وكلف رئيس الحكومة المحامي الدمشقي صبري العسلي، وهو من المحسوبين على الرئيس القوتلي، بحقيبتي العدلية والمعارف، أبقى لنفسه على حقائب الخارجية والدفاع.

    وقد أشرفت هذه الحكومة على تسلّم المصالح المشتركة وعلى جلاء القوات الفرنسية عن سورية، الذي أنجر يوم إعلان الجلاء في 17 نيسان 1946.

    وبعدها بعشرة أيام، قام الجابري بإعادة تشكيل حكومته، للمرة الثالثة والأخيرة.

    حكومة الجابري الثالثة (27 نيسان – 27 كانون الاول 1946)

    لم يطرق أي جديد على حكومة الجابري الثالثة والأخيرة، وهي الأولى في عهد الاستقلال. تخلّى فيها الجابري عن حقيبة الدفاع، التي ذهبت إلى السياسي العتيق نبيه العظمة، وهو مستقل على الرغم من قُربه من رئيس الجمهورية. وعُيّن صبري العسلي مجدداً في وزارة الداخلية وخالد العظم في حقيبتي العدل والاقتصاد الوطني. أمّا عن بقية الحقائب، فقد جاء الجابري بأحد أعيان حلب المسيحيين ميخائيل إليان وزيراً للأشغال العامة، وهو عضو مؤسس في الكتلة الوطنية، وبالمصرفي الحلبي الكبير إدمون حمصي إلى وزيراً للمالية، الذي كان أيضا قد شارك بمفاوضات باريس بصفته وزيراً في حكومة الرئيس عطا الأيوبي. وأخيراً، كان المهندس أحمد الشرباتي وزيراً للمعارف في حكومة الجابري الأخيرة، وهو صناعي شهير وخريج معهد ماساتشوستش للتكنولوجيا العريق في الولايات المتحدة الأمريكية.

    ولكن هذه الحكومة لم تستمر طويلاً بسبب تدهور صحة رئيسها، الذي كان يُعاني من تشمّع بالكبد مما أفقده القدرة على مُمارسة أعباء رئاسة الحكومة. فقد أُدخل إلى مستشفى المواساة في مدينة الإسكندرية خلال إحدى اجتماعات جامعة الدول العربية، وبقي فيها مدة طويلة من الزمن، يتلقى العلاج من أطباء مصرييين، تحت إشراف الملك فاروق وبرعاية السيدة صفيّة زغلول، حرم الزعيم المصري الراحل سعد الزغلول.(23) ومن على سرير المرض، قدم الجابري استقالة حكومته للرئيس شكري القوتلي يوم 27 كانون الأول 1946، وكان من المُفترض أن يُسافر إلى الولايات المتحدة لتلقي العلاج في 2 تموز، ولكنّه توفي قبل ذلك بأسبوعين.(24)

    وجاء وفي رواية خالد العظم أن الجابري استقال مُجبراً بطلب من الرئيس القوتلي. يقول العظم في مذكّراته: “أرسل السيد محسن البرازي (أمين عام القصر الجمهوري) إلى الإسكندرية ليجتمع بالجابري ويأخذ منه كتاب الاستقالة إلى أن المشار إليه قابل الموفد باشمئزاز وحمله رسالة شديدة اللهجة للقوتلي،  تتضمن معاتبة لأنه استعجل في طلب الاستقالة، مُعتبراً بذلك دليلاً على القنوط في شفائه، مما يؤدي إلى انهيار مقاومته المعنوية للمرض.”(25)

    تأسيس الحزب الوطني

    آخر نشاط سياسي للجابري كان مشاركته في تأسيس الحزب الوطني، الذي أُشهر في دمشق يوم 29 آذار 1947. لم يكن الجابري حاضراً في مؤتمر التأسيس بسبب شدة مرضه، وناب عنه شقيقه الأكبر فاخر الجابري. مؤسس الحزب كان السياسي الدمشقي نبيه العظمة، وزير الدفاع الأسبق في حكومة الجابري الثانية، وكان مدعوماً من قبل الرئيس القوتلي. دعا الحزب للحفاظ على وحدة سورية وتعزيز استقلالها، وطالب باحترام وتقوية نظامها الجمهوري، مما جعله في مواجهة مباشرة مع الأسرة الهاشمية الحاكمة في كلّ من بغداد وعمّان، التي كانت تسعى إلى استعادة العرش الهاشمي في سورية. وقد عارض الحزب مشروع سورية الكبرى الذي دعا إليه ملك الأردن عبد الله الأول، ووقف في وجه مشروع الهلال الخصيب الذي أطلقه رئيس وزراء العراق نوري السعيد .

    وفي 23 نيسان 1947 انتُخبت هيئة عامة للحزب وانبثق عنها مجلس مؤلف من سعد الله الجابري رئيساً ولطفي الحفار نائباً للرئيس، يعاونهم صبري العسلي أميناً للسر ومظهر رسلان مراقباً وعبد الرحمن كيالي خازناً، وجميعهم أعضاء سابقين في الكتلة الوطنية.  وعند وفاة الجابري في صيف ذلك العام، ذهبت رئاسة الحزب لنبيه العظمة وظهرت معارضة منظمة له في حلب، عبر رشدي الكيخيا وناظم القدسي، الذين كانوا قد وقفوا في وجه الجابري قبل سنوات بعد انشقاقهم عن الكتلة الوطنية. وفي عام 1948 أسسوا حزب الشعب المعارض في الشمال، الذي ما كان له أن يرى النور لو بقي الجابري حيّاً ومتحالفاً من شكري القوتلي.

    الوفاة

    توفي سعد الله الجابري في حلب عن عمر ناهز 54 عاماً يوم 20 حزيران 1947. وقد أعلن الحداد العام على فقيد سورية وأجريت له جنازة رسميّة خُرق فيها نظام البروتوطول وشيّع الجابري بمراسيم رئيس جمهورية، محمولاً على عربة مدفع ونعشه مجلّلاً بالعلم السوري. وقد سار في موكب الجنازة رئيس الجمهورية شكري القوتلي ورئيس الحكومة جميل مرم بك، وورى الجابري الثرى إلى جانب رفيق دربه إبراهيم هنانو.(26)

    في مذكراته وصف الأمير عادل أرسلان، وزير المعارف في حكومة الجابري، مراسيم التشييع قائلاً: “كان سعد الله وطنياً، أبياً، صادقاً، مخلصاً، جواداً وفياً. تأبين شكري القوتلي له كان مؤثراً فقد بكى وأبكى السامعين.”

    تكريم الجابري

    وقد أُطلق اسم الجابري على شارع وحيّ في كل مدينة سورية، ونُصِب له تمثال في مدينة حلب، مع ساحة عريقة حملت اسمه، دُمّرت خلال الحرب السورية سنة 2012. كما صدر طابع بريدي يحمل صورته مع عدد من الدراسات عن حياته، منها “سعد الله الجابري وحوار مع التاريخ،” للكاتبة رياض الجابري (دمشق 2006)، و”سعد الله الجابري: رجل الاستقلال وبناء الدولة” للمؤلف محمّد علي شحادة جمعة (دمشق 2008) الذي قدّم له وزير الدفاع العماد أول مصطفى طلاس.

    وصف سعد الله الجابري

    في مذكراتها المنشورة سنة 1947، تقول السيدة سبيرز، حرم السفير البريطاني إدورارد سبيرز: “وكان سعد الله الجابري أنيقاً رقيقياً، ذا رأس أشيب فضي، ووجه ناعم التكوين، ولكنه يؤذن بأن صاحبه من أولي العزم الشديد.(27)

     

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!