الشهر: مارس 2024

  • صبحي سعيد

    صبحي سعيد (1897- 20 نيسان 1955) ملحن وعازف عود سوري من دمشق ترأس فرقة إذاعة دمشق سنة 1948 وأصبح بعدها رئيساً لفرقة المطرب محمد عبد المطلب في القاهرة. ظهر مع الفنانة أمينة رزق في فيلم البيت الكبير سنة 1949 وأسس فرقة خاصة به بدمشق باسم “سداسي صبحي سعيد” كما لحّن لعدد كبير من المطربين أمثال رفيق شكري وفتى دمشق وماري عكاوي، إضافة لتلحينه معظم مونولوجات الفنان الشعبي سلامة الأغواني.

    البداية

    ولد صبحي سعيد في مدينة طرابلس واستوطن دمشق مع أسرته إبان الحرب العالمية الأولى سنة 1915. تعلّم عزف العود وبرع به، متخصصاً بالمقطوعات التراثية الشرقية. سافر إلى أثينا لتسجيل ألحانه سنة 1933 وأقام حفلات عدّة في القدس وبيروت، قبل عودته إلى دمشق للعمل مع المونولوجيست سلامة الأغواني، الذي لحّن له معظم أعماله الناقدة التي كانت تعالج مشاكل وهموم البسطاء.

    من إذاعة دمشق إلى القاهرة

    حقق ثنائي صبحي سعيد وسلامة الأغواني نجاحاً كبيراً في الأوساط الدمشقية، ورعاية كبيرة من نائب العاصمة فخري البارودي. وعند تأسيس إذاعة دمشق في شباط 1947 دعاه البارودي للانضمام إليها وبعد أشهر قليلة، سمّي رئيساً لفرقتها الموسيقية. تعرّف على المطرب المصري محمد عبد المطلب الذي أعجب به ودعاه للسفر معه إلى القاهرة، عازفاً ومديراً لفرقته سنة 1949. أمضى عامين في مصر تخللها مشاركة سينمائية يتيمة له، ممثلاً في فيلم البيت الكبير مع المخرج أحمد كامل مرسي والفنانة أمينة رزق. عاد بعدها إلى عمله القديم في إذاعة دمشق حيث لحّن أغنية “لما هويتك ماكانش ذنبي” للمطرب رفيق شكري، وأغنية “يا طيرة” للمطربة الفلسطينية ماري عكاوي، وأغنية “يا أسيل الخد” للمطرب فتى دمشق.

    الوفاة

    أسس بعدها فرقة خاصة به باسم “سداسي صبحي سعيد” التي حققت نجاحاً كبيراً في الأوساط السورية قبل وفاته عن عمر ناهز 58 عاماً في 20 نيسان 1955.

  • صالح المحبك

    صالح من محمد المحبك (1911-1954) موسيقار سوري من حلب، لحّن عدد كبير من الأناشيد الوطنية في زمن الانتداب الفرنسي وكان أشهرها في سبيل المجد نحيا ونبيد، قبل أن يتخصص بالإنشاد الديني ويُصبح من أشهر مقرئي سورية في أربعينيات القرن العشرين.

    البداية

    ولد صالح المحبك في حلب وكان والده يعمل في الجامع الأموي الكبير، حيث حفظ القرآن على يده. عمل في الجامع الأموي في مطلع شبابه ثم في فرع حلب من مكتبة مجمع اللغة العربية. مال إلى الموسيقا وتتلمذ على يد إحدى مغنيات حلب التي علمته العزف على العود وبات يرافقها في حفلاتها في الأندية والملاهي الليلية. أنتسب بعدها إلى نادي التمثيل والموسيقا ودرس على يد الملحن أحمد الأوبري والشيخ علي الدرويش وتعلم منهما أصول الغناء الشرقي القديم. وفي سنة 1929 دعته المطربة العراقية فيروز إلى بغداد ليعمل مع فرقتها.

    صالح المحبك في شبابه.

    مرحلة الاحتراف

    مثّل صالح المحبك سورية في مؤتمر الموسيقا الذي دعا إليه الملك فؤاد الأول في القاهرة يوم 16 آذار 1932 وغنى فيه موشحاً لأبى خليل القباني بعنوان كلما رمت ارشاقا. وعند وفاة ملك سورية الأسبق فيصل الأول في أيلول 1933 (الذي كان يومها ملكاً على العراق)، لحن المحبك أنشودة “في ذمة الأوطان” في رثائه ودعي لتقديمها في بغداد. وبعد عودته إلى سورية انصرف لتلحين الأناشيد الوطنية وعمل مع الزعيم الوطني إبراهيم هنانو الذي لحن له نشيد “يا زعيم الشرق” عند وفاته سنة 1935. ومن أناشيده الوطنية نشيد ميسلون ونشيد “يا فلسطين مضى عهد الرقاد” اعتقلته سلطات الانتداب الفرنسي وفور خروجه من السجن، لحن نشيد في سبيل المجد نحيا ونبيد الذي نظمه الشاعر عمر أبو ريشة وأصبح من أشهر الأناشيد الوطنية السورية.

    مرحلة الإنشاد الديني

    دخل صالح المحبك في مرحلة تدين وهو في الثلاثين من عمره فترك الغناء في النوادي الليلية وسافر إلى مصر لدراسة القراءات السبع والتعمّق بالإنشاد الديني. استقر بعدها بدمشق وأصبح من أشهر مقرئيها، وكانت له تسجيلات تُبث أسبوعياً عبر الإذاعة السورية عند تأسيسها سنة 1947. كما سافر إلى فرنسا لتسجيل أربع تلاوات قرآنية وبقيت ألحانه القديمة في متناول المطربين السوريين وقد غنى له عدد منهم، وفي مقدمتهم فتى دمشق.

    الوفاة

    عمل صالح المحبك مدرساً في معهد الموسيقى الشرقية الذي أسسه فخري البارودي بدمشق، وتوفي في تشرين الأول 1954.

  • عبد الرزاق الحمصي

    عبد الرزاق الحمصي (1904- 1969). خطيب ومربي أجيال من دمشق. مفتي الجمهورية العربية السورية في عام 1963.

    البداية

    ولد الشيخ عبد الرزاق الحمصي في عام 1904 في حي القنوات في بيت قرب جامع درويش باشا، تلقّى دراسته الأولى في المدرسة التجارية في دمشق.

    تتلمذ على يد كبار علماء دمشق آنذاك، كشيخ الشام بدر الدين الحسني والشيخ هاشم الخطيب والشيخ علي الدقر. وقد أجازه المحدث الشيخ بدر الدين بالخطابة والتدريس في الجامع الأموي الكبير.

    سافر إلى مصر فتابع علومه على يد كبار علمائها في الأزهر الشريف. فقد حضر دروس الشيخ محمد الخضر التونسي. والشيخ محمد مصطفى المراغي. كما حصل على شهادة دبلوم من كلية التربية في جامعة دمشق.

    عمله

    عين مدرسًا في مناطق قطنا والكسوة وما حولهما في ريف دمشق الغربي. ثم نقل إلى دمشق ليتم تعيينه مدرسًا دينيًا في دائرة الفتوى، وفي الوقت نفسه تم تعيينه خطيبًا في جامع عيسى باشا. ثمّ أخذ يتناوب على الخطابة والتّدريس في جامع لالا مصطفى باشا مع الشّيخ محمّد بركات، ليستقرّ به المقام خطيبًا في جامع الرّوضة في حيّ المالكي في مدينة دمشق. كما تم تعيينه مفتشًا للمعاهد الدينية في دمشق ومساجدها. ومن ثم تسلّم إدارة المدرسة الشرعية في التكية السليمانية.

    مفتياً للجمهورية العربية السورية 1963

    لم تدم فترة تعيين الشّيخ عبد الرّزاق مفتيًا أكثر من ثمانية أشهر. وذلك خلال المرحلة الانتقالية لتسيير عملية الانتخابات التي عُيّن بنتيجتها الشيخ أحمد كفتارو مفتياً عاماً للبلاد.

    وعلى الرّغم من قصرها إلّا أنّه استطاع أن يؤلّف فيها كتابًا بطلب من مديريّة أوقاف دمشق ليكون مرجعًا للخطباء جعل عنوانه “ديوان المنحة الوفية في الخطب العصرية” وقد تمّ توزيعه على الخطباء آنذاك.

    حياته الشخصية

    اشتُهر من أبناءه هشام عبد الرزاق الحمصي، أشهر خطباء دمشق وعلمائها في اللغة.

    مؤلفاته

    • ديوان المنحة الوفية في الخطب العصرية.
    • المنبر السيار.

    وفاته

    توفي الشيخ عبد الرزاق الحمصي في عام 1969، ودفن في مقبرة باب الصغير في دمشق.

    المناصب

    مفتي الجمهورية العربية السورية 1963

     

     

  • عبد الرزاق البيطار

    عبد الرزاق بن حسن البيطار (1834- 1916)، عالم وفقيه ومؤرّخ دمشقي. من أشهر علماء الشّام في القرن التاسع عشر. عمل في حقل التعليم طوال حياته. واشتُهر في ميداني الأدب والعلم.

    البداية

    ولد الشيخ عبد الرزاق البيطار في حي الميدان من أسرة البيطار المشهورة بالعلم. والده حسن البيطار أشهر علماء سورية، وكذلك حفيده محمد بهجة البيطار أحد مؤسسي نهضة التعليم في سورية والمملكة العربية السعودية. تعلّم القراءة والكتابة في سن مبكر. ثم حفظ القرآن الكريم على يد شيخ قراء الشام الشيخ محمد الحلواني، بدأ مسيرة التعلّم بحضور دروس والده الشيخ حسن البيطار فأخذ عنه المتون في مبادئ العلوم، وبعد وفاته قرأ على شقيقه الأكبر الشيخ محمد البيطار فقه أبي حنيفة وعلى أخيه الثاني الشيخ عبد الغني البيطار علم القراءات، كما أخذ أيضاً عن الشيخ الملا أبي بكر الكردي الشافعي الدمشقي في جامع الورد في سوق ساروجة.

    لازم الأمير عبد القادر الجزائري أثناء نفيه في دمشق، وقرأ عليه جملة من الكتب أبرزها (الفتوحات المكية)، كان متبحراً في علوم السنة والحديث وسند اتصاله، كما كان أحد مريدي شيخ الشام بدر الدين الحسني المفضلّين، قرأ أيضاً على يد الشيخ إبراهيم السقا خطيب الجامع الأزهر، ثمّ لازم دروس الشيخ محمد الطنطاوي، فأتمّ معه دراسة العلوم العربية والشرعية، وأخذ عنه علمي الفلك والحساب.

    حياته العملية

    عمل في بداية حياته بالأدب ولكنّه اقتصر في آخر عمره على علمي القرآن الكريم والسنة الشريفة، حيث كان يلقي دروسه الدينية في جامع الدقاق في حي الميدان وكذلك كانت له دروساً خاصة يلقيها في بيته. كما كان من رواد حلقة الشّيخ طاهر الجزائري الفكرية.

    اتسم منهج الشيخ عبد الرزاق البيطار بالتجديد، على الرّغم من تمسكه بمنهج السلف، إلا أنّه دعا إلى محاربة الجمود، تحلّى الشيخ عبد الرزاق البيطار بدماثة الخلق ورقة الجانب والقدرة على الإقناع ممّا أكسبه محبة العوام، كما كان كثيراً ما يستحضر الطرائف والنوادر والأمثال في دروسه، وهذا ما جعل لدرسه شهرة واسعة، وإلى جانب ذلك تمتّع الشيخ بصوتٍ حسن وقدرة على حفظ الإيقاع ومعرفة أصوله وفروعه.

    جمع الشيخ عبد الرزاق البيطار مكتبة نادرة تضم نحو ألفي مخطوط وألفي مطبوع كمؤلفات ابن طولون الدمشقي فقد كان مولعاً بنفائس الكتب، كما كان له مع صديقيه جمال الدين القاسمي والأمير محيي الدين بن عبد القادر الجزائري مساجلات علميّة ومحاورات أدبية، تشفّ عن سعة علم وأدب، كذلك كان له جملة مراسلات في الأدب والتاريخ جمع فيها بين النثر والشعر لكن لم يطبع منها شيء.

    أشهر آثار الشيخ عبد الرزاق البيطار كتاب «حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر»، ويقع في ثلاثة مجلدات ترجم فيه لمشاهير القرن الثالث عشر الهجري، وقد كتبه الشيخ عبد الرزاق في أدوار من عهود شبابه وكهولته وشيخوخته، ولم يترك الكتابة والتصحيح فيه إلا قبل وفاته بما يقارب العشر سنوات لشلل أصاب يده اليمنى، وقد ترجم فيه أيضاً لمجموعة من رجال القرن الرابع عشر من معاصريه، تتصف ترجماته بتقديمها صورة وافية عن حياة المترجم لهم من المشاهير، غير أنه أرّخ أيضاً لكثير ممن ليس لهم آثار تذكر، كترجمته لبعض أهل الطرق المعروفة ونقله بعض حكاياتهم الغريبة أو ما كانوا يبتدعونه من أمور بعيدة عن الدين.

    رهن الشيخ عبد الرزاق البيطار حياته لطلب العلم والتدريس. فلم يقبل تولّي أي منصب في الإفتاء أو القضاء طيلة حياته.

    رحلاته

    قام الشيخ عبد الرزاق البيطار بعدة رحلات إلى بلاد الشام، كما زار مصر وحضر مجلس الشيخ محمد عبده الذي كرّمه وعرف فضله. سافر أيضا إلى إستانبول مع وفد دمشقي لمبايعـة السلطان محمـد الخامس وتقديـم واجبات التهاني، فرّحبت به الصحف التركية، وقد أقام فيها بضعة أشهر تعـرّف خلالها علـى كبـار العلماء الأتراك، خلّد رحلاته وأسفاره في كتاب سماه “الرحلة” تحدث  فيه عن جميع الأسفار التي قام بها ومنها الرحلة القدسية والرحلة البعلية.

    من الوشايات التي تعرّض لها

    تعرّض الشيخ عبد الرزاق البيطار للمراقبة في العهد العثماني، وفتشت داره وكتبه عدة مرات فما عثر عنده على شيء يتخذ ذريعة لإيقاع الأذى به، ومن ذلك اتهامه بتأسيس مذهب جديد، وبتسليم سورية ومصر للإنكليز، فكان مما قاله لوالي سورية حينذاك شكري باشا: هل سورية ومصر – يا حضرة الوالي – تُفاحتان في جيبي حتى أسلمهما؟ ثم إن كان في إمكاني أن أتصرف بهما وأسلمهما لغيري فلم لا أبقيهما لنفسي؟ ووراء ذلك فإن كان يتيسر لمثلي تسليمهما فرجل أقدر مني يسلم البلاد العثمانية كلها للأجانب، وأين الحكومة وقوتها؟ فخجل الوالي شكري باشا وقال: أنا أعلم أن هذه وشايات وأراجيف لا أصل لها، ولكني دعوتك عندي من أجل أن آنس بك.

    مؤلفاته

    • حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر
    • المنّة في العمل بالكتاب والسنة.
    • تاريخ علماء دمشق.
    • الرحلة النجدية الحجازية.
    • المباحث الغرر في حكم الصور.
    • اللمعة في الاقتداء حال التشهد من صلاة الجمعة.
    • شرح العقيدة الإسلامية للعلامة محمود أفندي حمزة.

    حاملي إجازته

    مما كتب عنه

    مما قيل عنه

    «كانت مجالس الأستاذ عبد الرزاق البيطار الخاصة كمجالسه العامة مملوءة بالفوائد العلمية والأدبية. إذا جدّ اشرأبت إليه الأعناق والأفكار، وإذا مزح ارتاحت لمباسطته الأرواح والقلوب. فكان جعبة أدب وظرف، ما غشي مجلسه أحد إلا وتمنى لو امتد أمد الاجتماع به والاستفادة من مروياته ومحفوظاته والتسلي برقائقه ونوادره».

    «عالم بالدين ضليع وفي الأدب والتاريخ عارف بالموسيقى. حفظ القرآن في صباه وتمهر في علومه كان حسن الصوت وله نظم واشتغل بالأدب مدة واقتصر في آخر عمره عللا علمي الكتاب والسنة وكان من دعاة الإصلاح في الإسلام سلفي العقيدة ولقي في ذلك عنتا من الجامدين».

    «علّامة هذا الزمان ومأوى الفضل والعرفان فريد الأقطار الشيخ عبد الرزاق أفندي البيطار».

    الوفاة

    توفي الشيخ عبد الرزاق البيطار في عام 1916 في دمشق ودفن في مقبرة أسرته في حي الميدان.

  • محمد علي الدقر

    محمد علي بن عبد الغني الدقر (1877- 1 آذار 1943)، داعية وعلّامة ومربّي أجيال، شافعي المذهب، صاحب أكبر نهضة علميّة في بلاد الشّام في القرن الرابع عشر الهجري، وأحد أبرز علماء السنّة في سوريّة.

    البداية

    ولد الشيخ علي الدقر في زقاق البُرْغُل في حي الشاغور الجوّاني من أسرة دمشقيّة عريقة لأب تاجر صالح، ورث عنه كرمه وجوده، فيذكر أنه كان يملك مزرعتان في المزّة وداريّا، يقصدهما الفقراء والمحتاجون، ويزدحم عليهما المساكين.

    دراسته

    بدأ الشيخ علي الدقر رحلة طلب العلم على يد الشيخ عبد الكريم الدقر بتعلّم القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة في أحد كتاتيب دمشق، وأتمّ إتقان القرآن الكريم على يد الشيخ المقرئ أبو الصفا المالكي في عام 1907.

    ليلازم بعدها حلقات العلوم الإسلاميّة والعربيّة والفلسفة المنتشرة آنذاك في دمشق، فأمَّ حلقة الشيخ أمين البيطار في عام 1908 في جامع السنانية وقرأ عليه حتى بلغ مرحلة الشباب.

    ثمّ انتقل إلى حلقة العالم الشيخ محمد القاسمي في عام 1918 في جامع حسان الواقع في باب الجابية، ومنها إلى مدرسة الشّيخ عيد السفرجلاني في عام 1931، ليظلّ فيها سنوات حصّل خلالها مبادئ العلوم الإسلاميّة والعربيّة، كما تردّد على العلّامة الأصولي الشيخ أمين سويد وذلك سنة 1936 فأخذ عنه الأخلاق وبعض علوم التصوف.

    حضر لدى محدّث الشام الشيخ بدر الدين الحسني سنة 1935، وكان مقدّمًا عنده، فقرأ عليه كتب الحديث الستّة، وبعض الأصول، كما اختّصه بقراءة بعض الكتب بغرفته في دار الحديث النورية، وكان يقدّمه لإمامة صلاة العشاء في بيته بعد انتهاء الدرس الخاص، وقد تفرّس الشيخ بدر الدين الحسني فيه الخير فصدقت فراسته، ولمّا انتشرت دعوته وبدأت نهضته العلميّة كان من أشدّ المشجعين له، انصرف بعدها إلى حلقات العديد من علماء دمشق آنذاك، على خلاف ما أراد له والده من عمل في التجارة حذوةً بأخوته.

    توجّه بعدها الشيخ علي الدقر إلى التدريس في حياة شيخه محمد القاسمي، فكانت له حلقة علم في مسجد قرب باب الجابية، تدرّج بها مع طلابه في الإقراء حتى قرّر لهم الكتب الكبار وشيخه ما زال حياً.

    أفكار الدعوية

    أكدّ الشّيخ علي الدقر في دروسه على أربعة أمورٍ في غاية الأهميّة استمرّ عليها إلى آخر حياته، وهي:

    1. مكافحة الاستعمار والتنصير والسفور والتبرُّج.
    2. الحضّ على التكافل الاجتماعي والبر ومساعدة الفقراء والمعوزين.
    3. معالجة مشكلات المجتمع والسوق والباعة وأرباب المهن والصنائع.
    4. الحضّ على طلب العلم الشرعي ورعاية طلابه وكفايتهم حتى تخرّجهم، وتأسيس معهدين لذلك.

    نهضته العلميّة الكبرى في الشام نحو عام 1915

    كان الشيخ علي الدقر نشيطاً في دعوته في مساجد دمشق وغيرها من المدن والقرى السورية. وله عظيم التأثير في النفوس، فازدحم على دروسه العلمية كبار تجار دمشق وصالحوها، يدعوهم إلى التعاون والإيثار. وينهاهم عن الغش والاحتكار، ويرسّخ قواعد التعامل بينهم في سائر علاقاتهم الأسرية والاجتماعية والتجارية. ويُذكر أنّه كان من أوائل من أفتوا بتحريم الدّخان، كما كان كثيراً ما يؤكد على فريضة الجهاد بالمال والنفس ضد المستعمر الفرنسي، ومن ذلك تشجيعه للثوار عند قيام الثورة السورية الكبرى سنة 1925 إلى جانب شيخه بدر الدين الحسني. ومن ذلك أيضاً دوره في تهدئة الأوضاع في دمشق عند قيام الإضراب الستيني في عام 1936. فبعد انتشار حوادث العنف نتيجة الإضراب دعاه المفوض السامي الفرنسي دي مارتيل إليه، فردّ الشيخ على مبعوثه: (قل له أنني لا أذهب إلى أحد، وإن أراد المجيء إلي استقبلته بشرطين؛ أن لا أقوم له، ويجب عند دخوله أن يخلع حذاءه). فجاءه المفوض السامي وكان مدار الحديث أن طلب منه العمل على تهدئة الأوضاع في دمشق.

    طقوسه اليومية

    كان زاد الشيخ علي الدقر الأساسي ذكر الله تعالى، فقد كان يبدأ يومه بصلاة الفجر إماماً في جامع السادات الواقع في سوق مدحت باشا. ثم يجلس ليتلو أوراده إلى طلوع الشّمس، ليخرج بعدها صحبة طلّابه إلى جامع السنانيّة حيث يلقي هناك درسه وسط حشد كبير من النّاس لساعة ونصف، أمّا في يومي الجمعة والثلاثاء كان يلقي درسه هذا في جامع السادات. وبعد أن تنفّض النّاس من حوله كان ينفرد بطلابه فيعلّمهم أصول المذهب الشّافعي الذي زاد انتشاره على يديه في دمشق وما حولها، ليؤدي بعدها صلاة الظهر، ويقرأ درساً خاصاً في النحو، وبعد صلاة العصر درسا آخر في البلاغة. ثمّ درساً في التفسير عقب صلاة المغرب، ودرساً في علوم الحديث النبوي والفرائض والمواريث بعد صلاة العشاء.

    أمّا إذا دخل شهر رمضان انقطع عن التدريس، وأوقف الحلقات العلميّة، وتفرّغ هو وبعض تلاميذه للاعتكاف في المسجد للطّاعة والعبادة وتلاوة القرآن، ومن جهة أخرى فإنّه كان يرسل بعض طلابه المتمكنين إلى القرى والبلدات والنواحي المختلفة حول دمشق ليعظوا النّاس في شهر رمضان، ويعلّموهم أمور دينهم.

    آثاره

    لم يترك الشيخ كتباً أو مؤلّفات، بل كان جهده منصبّاً على تربية الطلاب وتعليمهم. كحال أكثر علماء القرن الثالث عشر والرابع عشر الهجريين الماضيين. فقد كانوا يكتفون بقراءة وتقرير وتدريس ما ألّف من كتب وشروح ومتون، وينصرفون بكليّتهم إلى تربية الطلاب وتهذيبهم وتهيئتهم ليكونوا معلمين ومربين ودعاة صالحين. كما كان قريباً من العوام يحل مشاكلهم ويفتيهم في أمور دينهم ودنياهم.

    أبرز طلابه

    منجزاته

    كما استعان الشيخ علي الدقر بالشيخ بدر الدين الحسني لأخذ مدرسة تنكز الكبيرة من المحتلين الفرنسيين فأجابه الشيخ وأخذها منهم عنوةً في أقلّ من شهر لتتسلمها الجمعية الغرّاء وتجدّدها بجمع الأموال الكثيرة من أعضاء الجمعية التجار، وجُهزّت خلال سنوات قليلة لتتمكن من استيعاب عدداً كبيراً من طلاب العلم الشرعي.

    حياته الشخصية

    برز من أبناءه الشيخ عبد الغني الدقر صاحب “معجم النحو”، والشيخ أحمد الدقر مدير جمعية الغرّاء.

    قيل عنه

    قال عنه محدّث الشّام الشيخ بدر الدين الحسني:

    «لو أنصف أهل الشام لما تركوا الشيخ علي وتلامذته يمشون على الأرض، بل حملوهم على رؤوسهم».

    كما قال:

    «من أراد ان يأخذ دين الإسلام فليأخذه عن الشيخ علي الدقر، ومن له شك في ذلك فليراجعني».

    كتب عنه الشيخ علي الطنطاوي في كتابه رجال من التاريخ:

    «الرجل الذي هزّ دمشق من أربعين سنة هزّة لم تعرف مثلها من مئتي سنة، وصرخ في أرجائها صرخة الإيمان، فتجاوبت أصداؤها في أقطار الشّام، واستجاب لها النّاس، يعودون إلى دين الله أفواجاً، يبتدرون المساجد، ويستبقون إلى حلقاتها، وهو علّامة الشّام بل هو في الشّام علم الأعلام، أُعطي من التوفيق في العمل، والعمق في الأثر، ما لم يعطَ مثله الشّيخ بدر الدين ولا غيره من مشايخ الشّام في تلك الأيام».

    قال الرئيس شكري القوتلي في مجلس عزاء الشيخ علي الدقر:

    «العالم العامل، الذي نجتمع اليوم في هذا المكان المقدس لتخليد ذكراه، أخلص لدينه فعبد الله عبادة خشوع وقنوت، وأخلص لعمله فنشره بين الناس بكلّ قوة، وعممه وراء الأقطار والأمصار بكل جرأة، وسعى لعقيدته دون رهبة أو خشية، وسار في طريق الحق مجتازاً كل عقبة، وصابراً على كل صدمة».

    مما كتب عنه

    مسجد الشيخ علي الدقر

    بُني مسجد كبير سُمِّي باسمه في حي كفرسوسة في دمشق سنة 1985، وفي جزءه السفلي ضمّ معاهد الجمعية الغرّاء.

    وفاته

    توفّي الشيخ علي الدقر في دمشق يوم الثلاثاء في 1 آذار عام 1943، وصُلّي عليه في الجامع الأموي الكبير، ودُفن في تربة الباب الصغير.

  • مكتبة ودار الحافظ

    دار الحافظ، دار للطباعة والإنتاج والنشر والتوزيع، تأسست عام 1993، ويقع مقرها في شارع مسلم البارودي المعروف بشارع المكتبات في حي الحلبوني. اهتمت منذ البداية بفروع نشر متعددة، علمية وأدبية ودينية، واتخذت من أدب وكتب الطفل مجالاً تخصصياً ولها فروع في كل من الإمارات العربية المتحدة والكويت ومصر والجزائر.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !