الشهر: يناير 2021

  • جميل مردم بك

    الرئيس جميل مردم بك
    الرئيس جميل مردم بك

    جميل مردم بك (1895-1960)، زعيم وطني سوري من دمشق قاد  بلاده في مرحلة النضال ضد الاستعمار وكان أحد مؤسسي كلّ من الجمعية العربية الفتاة المعارضة للحكم العثماني والكتلة الوطنية المناهضة للانتداب الفرنسي في سورية.

    وقد شارك في مفاوضات معاهدة عام 1936، وفي مفاوضات الجلاء النهائية سنة 1945، التي أدّت إلى جلاء الفرنسيين عن سورية يوم 17 نيسان 1946، عندما كان جميل مردم بك وزيراً للخارجية.

    شَكّل جميل مردم بك خمس حكومات في حياته، كانت الأولى سنة 1936 والأخيرة خلال حرب فلسطين سنة 1948. يُعتبر أحد الآباء المؤسسين للجمهورية السورية وهو أحد مؤسسي جامعة الدول العربية.

    البداية

    ولِد جميل مردم بك بدمشق وهو سليل أُسرة سياسية عريقة، تعود أصولها إلى جدها الأكبر مصطفى لالا باشا فاتح قبرص في القرن السادس عشر. عَمل أفراد الأسرة في التجارة والزراعة وفي النصف الأخير من القرن التاسع عشر ظهر جدّه عثمان مردم بك كأحد أعيان المدينة.(1) كان عثمان مردم بك رجلاً مُقتدراً، يملك كامل قرية حوش المتبن في غوطة دمشق، وخان الزيت في سوق مدحت باشا، وكامل قرية خان الشيح، إضافة لأراضٍ واسعةٍ في حوش الصالحية التي أصبحت لاحقاً تُعرف بمنطقة بستان الرئيس.(2)

    الجمعية العربية الفتاة

    دَرّس جميل مردم بك في مدارس دمشق والتحق بمعهد العلوم السياسية في باريس، حيث عمل مع مجموعة من الطلاب العرب على تأسيس الجمعية العربية الفتاة الرامية إلى تحرير سورية من الحكم العثماني.(3) شارك في تنظيم المؤتمر العربي الأول في فرنسا سنة 1913 وانتُخب أميناً عاماً له، فحُكم عليه بالإعدام من قبل جمال باشا، حاكم ولاية سورية، وظلّ مُقيماً في فرنسا حتى نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1918. وقد سافر مردم بك إلى دول أمريكا اللاتينية ممثلاً عن المؤتمر العربي، بهدف تقوية روابط الصداقة بين جمعية الفتاة والجالية العربية المُقيمة هناك.

    في بلاط الملك فيصل

    عاد بعدها إلى دمشق إثر سقوط الحكم العثماني وبايع الأمير فيصل بن الحسين حاكماً عربياً على سورية. نظراً لطلاقته باللغة الفرنسية تم تعيينه مترجماً خاصاً للأمير فيصل وفي كانون الثاني 1919 سافر معه لحضور مؤتمر السلم في باريس. وقد شارك مردم بك في جميع الجلسات التي عُقدت بين الأمير فيصل وجورج كليمنصو، رئيس وزراء فرنسا.

    عاد بعدها إلى دمشق وعند تشكيل حكومة رضا باشا الركابي بعد تتويج فيصل ملكاً على البلاد يوم 8 آذار 1920، عُيّن معاوناً لوزير الخارجية الدكتور عبد الرحمن الشهبندر.(4) لم تكن علاقة الشهبندر ومردم بك وليدة اللحظة، بل كانت قديمة ومُعقدة، تعود إلى مراحل عملهما المشترك ضد العثمانيين، عندما كان الشهبندر طبيباً خاصاً لجمال باشا وعميلاً سرياً للثورة العربية، وكان مردم بك في باريس يعمل لمصلحة الحركة الوطنية في أوروبا.

    مردم بك والثورة السورية الكبرى

    بعد سقوط الحكم الملكي في سورية وفرض الانتداب الفرنسي سنة 1920 انضم جميل مردم بك إلى صفوف الحركة الوطنية بقيادة عبد الرحمن الشهبندر، وشارك بتأسيس حزب الشعب، الذي كان يهدف إلى تحرير البلاد من الاحتلال وتأسيس حكم ملكي في سورية يكون العرش فيه لأحد أبناء الشريف حسين بن علي، قائد الثورة العربية الكبرى.(5)

    ولكن حزب الشعب لم يستمر بالعمل إلّا قليلاً فقد تم القضاء عليه يوم إعلان الثورة السورية الكبرى، بسبب موقف أعضائه المؤيد لزعيمها سلطان باشا الأطرش. عَمل جميل مردم بك مع الشهبندر وقادة حزب الشعب على نقل الثورة من جبل الدروز إلى دمشق، وقام بشراء السلاح وتهريبه إلى ثوار الغوطة عبر قريته في حوش المتبن.(6) أمرت فرنسا باعتقاله ونقله إلى سجن قلعة أرواد، ومن بعدها قانت بوضعه قيد الإقامة الجبرية في مدينة يافا الفلسطينية، بعيداً عن نشاط الوطنيين في سورية حتى انحسار الثورة في منتصف عام 1927.

    مع الكتلة الوطنية

    وبعد خروجه من المُعتقل، انضم جميل مردم بك إلى تنظيم سياسي جديد برئاسة هاشم الأتاسي، حمل اسم الكتلة الوطنية. سعت الكتلة الوطنية منذ تأسيسها إلى تحرير سورية من الانتداب الفرنسي عبر العمل السياسي وصناديق الاقتراع، رافعة شعار “التعاون المُشرف” مع فرنسا لأجل تحقيق الاستقلال التام وغير المشروط.(7)

    جاءت مبادرة الكتلة الوطنية بعد فشل الثورة السورية الكبرى في تحقيق أي من أهدافها المُعلنة، وعلى الفور، أدّت إلى حصول شرخ كبير في الحركة الوطنية، بين المنادين باستمرار النضال المسلّح، الممثلين بعبد الرحمن الشهبندر، والمُطالبين بإلقاء السلاح، المُمثلين بجميل مردم بك ورفاقه.

    وزيراً في عهد الرئيس العابد

    عُقد مؤتمر عام في مدينة حمص في 3-4 تشرين الثاني 1932 انتُخب فيه مجلس دائم للكتلة الوطنية، فأصبح هاشم الأتاسي رئيساً مدى الحياة وفارس الخوري عميداً للكتلة وإبراهيم هنانو زعيماً لها، وتم انتخاب جميل مردم بك وشكري القوتلي، وكلاهما من زعماء دمشق، مُمَثِّلِينَ دائمين في المجلس الدائم. وفي نفس السنة، تم انتخاب مردم بك نائباً عن دمشق في البرلمان السوري، ممثلاً عن الكتلة الوطنية.

    وعند انتخاب محمّد علي العابد رئيساً للجمهورية عَرض على جميل مردم بك تولّي وزارة المالية في حكومة الرئيس حقي العظم، اَلْمَحْسُوبَة على سلطة الانتداب.(8) كان هذا الطلب مُستهجناً في صفوف الوطنيين، الذين رفضوا إعطاء أي شرعية لحقي العظم، ولكن مردم بك قبل التكليف ودخل الحكومة على الرغم من معارضة زعيم حلب إبراهيم هنانو وتحفظ رئيس الكتلة هاشم الأتاسي.

    حاول مردم بك تبرير موقفه بالقول إن وجود زعيم وطني واحد في هذه الحكومة أفضل من خلوّها بالكامل من أي شخصية وطنية. جاء هنانو غاضباً من حلب وتوجه إلى دار شقيقة جميل مردم بك بدمشق، وأمر بحضوره فوراً من دار الحكومة. وجد مردم بك طاولة في وسط الغرفة يجلس خلفها إبراهيم هنانو وعليها كتاب استقالة ومُسدس. طلب منه هنانو أن يختار، إما الاستقالة أو الموت.(9)

    فضل مردم بك الاستقالة في نيسان 1933 وفور مغادرته الحكم قام بزيارة السعودية حيث اجتمع مطولاً مع الملك عبد العزيز آل سعود، مذكراً خصومه وأصدقاؤه معاً أنه ما يزال الرقم الأصعب بين زعماء سورية وأن له علاقات واسعة في الوطن العربي، لا يمكن للكتلة الوطنية الاستغناء عنها.

    الإضراب الستيني

    توفي إبراهيم هنانو في 21 تشرين الثاني 1935 وحصلت صدامات عنيفة بين شباب الكتلة الوطنية ورجال الشرطة خلال جنازته، أدّت إلى اعتقال نائب حلب سعد الله الجابري. تبعها اعتقال نائب دمشق فخري البارودي في كانون الثاني 1936، المُتهم بتحريض الشارع ضد حكومة الانتداب. نظّمت الكتلة الوطنية إضراباً عاماً في المدن السورية كافة دام ستين يوماً، قاده جميل مردم بك في دمشق. وقد الذي خطب من على منبر الجامع الأموي يوم 21 كانون الثاني 1936 مُطالباً بطرد الفرنسيين من سورية.(10)

    ردّت فرنسا باعتقال  مردم بك ونفيه إلى بلدة إعزاز على الحدود السورية التركية، ولكنها أطلقت سراحه بعد شهرين على أثر توصلها إلى تفاهم مع هاشم الأتاسي. وافق الأتاسي على إنهاء الإضراب الستيني مقابل إقالة حكومة تاج الدين الحسني المحسوبة على فرنسا ودعوة وفد من قادة الكتلة الوطنية إلى باريس، بصفتهم مُمثلين شرعيين عن الشعب السوري، للتفاوض على مستقبل سورية.(11)

    مفاوضات باريس عام 1936

    شُكّل الوفد المطلوب وكان برئاسة هاشم الأتاسي وعضوية كل من جميل مردم بك وسعد الله الجابري، مُمثلين عن الكتلة الوطنية، وإدمون حمصي والأمير مصطفى الشهابي، ممثلين عن الرئيس محمّد علي العابد، إضافة إلى ثلاثة مُستشارين وهم نعيم أنطاكي وادمون رباط ورياض الصلح.(12)

    خلال مفاوضات باريس التي بدأت في آذار 1936، أثبت جميل مردم بك أنه كان الأمهر بين رفاقه في فن التفاوض، وأنه رجل دولة بامتياز، حادّ الذكاء، مُغامر ومُقامر. بعد أسابيع من وصل مردم بك ورفاقه إلى باريس، سقطت حكومة الرئيس إدوار دلادييه وخلفتها حكومة الزعيم الاشتراكي ليون بلوم.(13)

    وفي أيلول 1936 توصل الرئيس بلوم إلى معاهدة كاملة مع قادة  الكتلة الوطنية، أعطت السوريين حق الاستقلال التدريجي وسمحت بأن يكون لهم جيش وطني بدلاً من الجيش الذي تم حله منذ فرض الانتداب سنة 1920، شرط أن تتكفّل فرنسا تدريبه وتسليحه.

    وقد ضمنت معاهدة عام 1936 قاعدتان عسكريتان دائمتان للقوات الفرنسية على الساحل السوري، إضافةً إلى تسهيلات عبور البضائع والصادرات الفرنسية.(14) كما وافقت فرنسا على إعادة ضمّ الدولتين العلويّة والدرزيّة إلى أراضي الجمهورية السورية، ووافق الطرفان على اتفاقية دفاع مشترك، تُعطي الجيش الفرنسي حق الانتفاع من البر والجو والبحر في سورية في حال نشوب حرب عالمية جديدة في أوروبا.(15)

    الحكومة المردمية الأولى (كانون الأول 1936 – شباط 1939)

    عند سماع خبر توقيع المعاهدة، انفجرت دمشق فرحاً وظنّ الناس أن الاستقلال صار على الأبواب. زُينت اَلشُّرُفَات بالأعلام السورية والفرنسية ورُفعت الحبال وعليها الإنارة الملوّنة وعُلّق عليها السجاد الفاخر، احتفالاً بعودة وفد الكتلة الوطنية من باريس عبر مدينة حلب، وشُيّدت أقواس النصر على مداخل محطة الحجاز ودار الحكومة في ساحة المرجة.(16)

    استمرت الاحتفالات أربعة أيام بلياليها، وتلاها استقالة الرئيس محمد علي العابد من منصبه وإجراء انتخابات نيابية ورئاسية مبكرة، فاز فيها هاشم الأتاسي برئاسة للجمهورية وأصبح جميل مردم بك أول رئيس حكومة في ما بات يُعرف بالعهد الوطني الأول.

    شُكّلت حكومة جميل مردم بك الأولى يوم 21 كانون الأول 1936 وكانت على الشكل التالي:

    جميل مردم بك (الكتلة الوطنية): رئيساً للوزراء ووزيراً للاقتصاد

    سعد الله الجابري (الكتلة الوطنية): وزيراً للخارجية والداخلية

    شكري القوتلي (الكتلة الوطنية): وزيراً للدفاع والمالية

    الدكتور عبد الرحمن كيالي (الكتلة الوطنية): وزيراً للمعارف والعدل

    ولكنّ الفرحة لم تتمّ بسبب رفض البرلمان الفرنسي التصديق على معاهدة عام 1936، وقيام الصحف الفرنسية بشن حملة ممنهجة ضدها، شاركت بها ستين مؤسسة فرنسية كان لها مصالح تجارية في المشرق العربي، منها شركات الترامواي والكهرباء وشركة سكك الحديد.(17)

    بعضهم تحجج بالقول إن فرنسا لا يجب أن تغيب عن مسرح الأحداث في الشرق الأوسط وإلّا ستستولي بريطانيا على سورية.

    وقال آخرون إن الجمهورية الفرنسية لا يجب أن تنسحب من سورية لكي تحافظ على حقوق الأقليات الدينية، وتمنع انتشار الشعور القومي داخل مُستعمراتها في شمال أفريقيا، وذلك لضمان خطوط التجارة والاتصالات إلى شرق آسيا.(18)

    في حزيران 1937 استقالة حكومة ليون بلوم وعاد إدوار دالادير إلى الحكم في فرنسا، رافعاً شعار “التمسّك بالإمبراطورية الفرنسية.” في تشربن الثاني 1937، سافر الرئيس جميل مردم بك إلى باريس ووقّع عدة ملاحق للمعاهدة السورية الفرنسية، جاء فيها الكثير من التنازلات ومنها ضمانات إضافية للأقليات والتأكيد على الاستعانة بخبراء فرنسيين دائمين في مؤسسات الحكم السورية.

    مع ذلك، رُفضت المعاهدة مجدداً في البرلمان الفرنسي، فتوجه مردم بك إلى باريس في شهر آب من العام 1938 ومكث فيها ثلاثة أشهر متواصلة، وقّع خلالها على تنازلات إضافية وأعطى الفرنسيين حق التنقيب على النفط في المنطقة الشرقية، وضمن لهم مكانة اللغة الفرنسية في المناهج التربوية السورية، مع عدد ثابت من المستشارين والخبراء في كافة مفاصل الدولة السورية. وعندما لم ينجح كل ذلك في إقناع  البرلمان الفرنسي، عرض عليهم فكرة إلغاء المعاهدة والعودة إلى الحكم الفرنسي المباشر، شرط أن يتم ضم لبنان إلى سورية وتوسيع صلاحيات الحكومة السورية. ولكن هذا العرض قوبل بالرفض من قبل الحكومة الفرنسية والبرلمان الفرنسي معاً.

    معارضة الشهبندر

    بموجب العفو العام الذي صدر بعد توقيع المعاهدة، عاد عبد الرحمن الشهبندر إلى سورية يوم 14 أيار 1937 بعد منفى دام قرابة الاثنتي عشرة سنة، قضى معظم سنواته في مصر. وفور وصوله دمشق فتح الشهبندر نيرانه على جميل مردم بك، متهماً حليف الأمس بإعطاء فرنسا الكثير من التنازلات السياسية والاقتصادية، وعدم أخذ وعد واضح صريح بالاستقلال التام.

    خرج طلاب المدارس وموظفو الحكومة وممثلو النقابات إلى الشوارع، رافعين صور الشهبندر الذي وصفوه بزغلول سورية، نسبةً إلى الزعيم المصري سعد زغلول، رئيس حزب الوفد وقائد نضال بلاده ضد الحكم البريطاني.(19) انزعج مردم بك من هذه الحفاوة، وغاب هو وكل رجالات حكمه عن جميع المناسبات التي أُقيمت للشهبندر. فلم يُخفِ أحد منهم تخوّفه من عودة الشهبندر إلى الحياة السياسية في سورية، وقلقهم الشديد من مشروعه الشخصي والوطني، ونقمته عليهم جميعاً لتجاهلهم إياه طوال فترة غيابه عن مسرح الأحداث في سورية، وعدم أخذ مشورته في معاهدة عام 1936.

    سخِر الشهبندر من خصومه وقال أن معاهدة عام 1936 كانت مليئة بهفوات سياسية وقانونية لا تُغتفر، وتنازلات مُذلّة وغير مُبررة، مضيفاً أنها شرعت الانتداب وأعطت الفرنسيين أكثر بكثير مما يستحقون لتقرير مستقبل سورية، من قواعد عسكرية ومدارس وحقوق تنقيب وغيرها من التنازلات.(20) في أحاديثه الصحفية وخُطبه الجماهيرية وجّه الشهبندر اللوم الشديد إلى الحكومة المردمية، معتبراً أنها جاءت إلى الحكم على دماء شهداء الثورة السورية الكبرى.

    وفي إحدى المناسبات قال الشهبندر: “إنّ هذه المعاهدة كلها سُموم ويحاول السيد جميل مردم بك تبليعها أبناء سورية وطليها بالعسل، ولكن أبناء البلاد سيطحنون جرعه المعسول بالعقل ليروا السموم المدسوسة فيه.(21)

    تحول خلاف الشهبندر ومردم بك إلى مادة دسمة لثرثرة المقاهي، ما أضرَّ كثيراً برئيس الحكومة، تحديداً بعد تضاعُف الانتقادات الموجهة إليه بسبب رفض البرلمان الفرنسي التصديق على المعاهدة.

    رداً على الشهبندر وحملته رَفض الرئيس مردم بك إعطاءه ترخيصاً لممارسة العمل السياسي في دمشق، ثم أمر بوضعه تحت الإقامة الجبرية في داره وقام باعتقال عددٍ من مُناصريه بتهمة عقد اجتماعات سياسية غير مرخصة في حيّ الميدان، جرى خلالها التحريض على سلامة الدولة ونظامها الجمهوري. وقد شملت حملة الاعتقالات نائب دمشق الدكتور منير العجلاني ورئيس تحرير جريدة الأيام نصوح بابيل، التي كانت تُناصر التيار الشهبندري في كل مقالاتها الافتتاحية.

    ازداد الخلاف الشديد بين مردم بك والشهبندر لدى تعرض رئيس الحكومة لمحاولة اغتيال وهو في طريقه إلى افتتاح مرفأ بيروت في يوم 14 حزيران 1938. ألقيت قنبلة على سيارته وقتل سائقه الشخصي، ولكن جميل مردم بك نجى من الموت وفور وصوله إلى دمشق، عقد مؤتمراً صحفياً في بهو السراي، وجه من خلاله أصابع الاتهام إلى الشهبندر ورفاقه.

    سلخ لواء اسكندرون

    ومن أخطر التحديات التي واجهت الرئيس مردم بك كانت قضية لواء إسكندرون، الذي تم ضمّه على مراحل إلى تركيا خلال السنوات 1936-1939.  أعطت فرنسا منطقة اللواء إلى تركيا لضمان حيادها في الحرب العالمية المقبلة، وعجز جميل مردم بك عن حماية تلك المنطقة السورية، مما أثار هجوماً عنيفاً ضده من قبل الشهبندر وغيره من السياسيين السوريين.

    زاد من نقمة خصومه عليه أنه توقف في أنقرة عند عودته إحدى جولات المفاوضات في فرنسا، وقضى ليلة في ضيافة الرئيس كمال أتاتورك. وقد أثار هذا الاجتماع إلى انتشار إشاعة في الوسط الدمشقي بأن جميل مردم بك قد “باع اللواء” إلى تركيا.(22) هذا وقد أدى سلخ منطقة لواء إسكندرون إلى نزوح ما لا يقل عن خمسين ألف لاجئ إلى داخل سورية، مما أحرج حكومة الكتلة الوطنية كثيراً وأظهر كامل عجزها عن احتواء الأزمة.

    الحكومة المردمية الثانية (تموز 1938 – شباط 1939)

    حصل خلاف بين جميل مردم بك ووزير المالية شكري القوتلي، كان سببه إصرار رئيس الحكومة على تجديد اتفاق مصرف سورية ولبنان، على الرغم من معارضة وزير المالية. انتظر مردم بك حتى سفر القوتلي إلى السعودية وقام بتجديد الاتفاق في غيابه، مما أدى طبعاً إلى استقالة القوتلي في 27 آذار 1938، غضباً واحتجاجاً على تصرف جميل مردم بك. حاول رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي إصلاح الحال بينهما، دون أي جدوى، وفي 26 تموز 1938، أعلن جميل مردم بك عن حكومته الثانية، التي جاءت على الشكل التالي:

    جميل مردم بك (الكتلة الوطنية): رئيساً للوزراء ووزيراً للدفاع

    سعد الله الجابري (الكتلة الوطنية): وزيراً للخارجية والداخلية

    لطفي الحفار (الكتلة الوطنية): وزيراً للمالية (بدلاً من شكري القوتلي)

    الدكتور عبد الرحمن كيالي (الكتلة الوطنية): وزيراً للمعارف والعدل

    فائز الخوري (الكتلة الوطنية): وزيراً للاقتصاد

    جميل مردمبك ورئيس وزراء لبنان خير الدين الأحدب.
    جميل مردمبك ورئيس وزراء لبنان خير الدين الأحدب.

    قانون الأحوال الشخصية

    في نهاية عهد جميل مردم بك، ظهرت قضية مرسوم تنظيم الأحوال الشخصية في سوية، الذي صدر عن المندوب السامي هنري دي مارتيل.

    سُمح بموجب هذا القانون لأي مواطن سوري بلغ سن الرشد أن يختار دينه وأن يتنقل بحرية من طائفة إلى أخرى، أو من دين إلى دين، دون إعلام مجلس الملّة أو الكنيسة أو دار الإفتاء، كما سَمح لأي أمرأة مسلمة أن تتزوج من مسيحي.(23)

    كان جميل مردم بك، المعروف بتوجهاته العلمانية، ميّالاً إلى المصادقة على المرسوم الفرنسي وقد حصل على موافقة من زميله في الكتلة الوطنية، وزير العدل عبد الرحمن الكيالي، المتأثر أيضاً بالفكر العلماني الغربي.(24)

    ولكنه أدرك سريعاً استحالة هذا الأمر، تحت ضغط من الجمعيات الدينية والعُلماء، وعلى رأسهم الشيخ كامل القصاب، الذي هدد بعصيان مُسلح ضد الحكومة المردمية إذا أكمل جميل مردم بك في مشروعه.(25)

    فبعد إعطاء موافقته الأولية على القرار الفرنسي تنصّل مردم بك من المرسوم وأعطى أمراً معاكساً لكافة المحاكم السورية، طالباً منهم عدم تطبيقه، بحجة أنه لم يحصل على موافقة مجلس النواب. وقدم بعدها استقالته من منصبه احتجاجاً عليه، في يوم 23 شباط 1939، إرضاء للشارع السوري المحافظ.

    وقبل مغادرته مكتبه في السراي الكبير وسط ساحة المرجة، شكّل لجنة لإعادة دراسة قانون الأحوال الشخصية، مؤلفة من أمين الفتوة الشّيخ عبد المحسن الأسطواني والشّيخ كامل القصاب ورئيس محكمة التمييز مصطفى برمدا والقاضي حنا مالك. وقرر هؤلاء مجتمعين طيّ القانون إلى أجل غير مُسمّى.(26)

    اغتيال الشهبندر

    وفي 6 حزيران 1940، اغتيل عبد الرحمن الشهبندر في عيادته الطبية بدمشق، ووجهت أصابع الاتهام إلى جميل مردم بك ورفاقه في الكتلة الوطنية، سعد الله الجابري ولطفي الحفار. وكان هذا الاتهام السريع ناتج عن الخصومة التاريخية بينهم وبين الشهبندر.

    قبل ساعات قليلة من صدور مذكرة الاعتقال، هرب ثلاثتهم إلى العراق وحلّوا ضيوفاً على الرئيس نوري السعيد. وفي دمشق، وتمت محاكمتهم غيابياً بتهمة التحريض على القتل.(27) وقد أفاد أحد الجناة بأن جميل مردم بك أرسل له المال والمسدسات عن طريق مدير مكتبه المحامي الشاب عاصم النائلي، الذي حرّضهم ضد الشهبندر قائلاً إنه علماني مُلحد وعميل للمخابرات البريطانية في سورية.(28)  ولكن المحكمة المخفضة بقضية الشهبندر أصدرت حكماً ببراءة جميل مردم بك ورفاقه، فعادوا إلى دمشق بعد إسقاط جميع التهم الموجهة إليهم وإدانة المجرمين بمحاولة إلصاق الجريمة بقادة الكتلة الوطنية للتخلص منهم ومن الشهبندر معاً، بإيعاز من المخابرات الفرنسية.(29)

    وزيراً للخارجية 1943-1945

    عاد جميل مردم بك إلى نشاطه المعهود ورشح نفسه في الانتخابات البرلمانية التي أجريت سنة 1943، ليفوز بالنيابة عن دمشق. انتُخب زميله شكري القوتلي رئيساً للجمهورية في 17 آب 1943، وقام بتعيين جميل مردم بك سفيراً في مصر للإشراف على تأسيس جامعة الدول العربية، ثم وزيراً للخارجية في حكومة الرئيس سعد الله الجابري. وفي 14 تشرين الأول 1944، تسلّم حقائب الاقتصاد والدفاع في حكومة الرئيس فارس الخوري، إضافة لحقيبة الخارجية.

    وخلال تواجده في وزارة الخارجية، سافر رئيس الحكومة فارس الخوري إلى الولايات المتحدة للمشاركة في تأسيس منظمة الأمم المتحدة في أيار 1945، فعيّن مردم بك رئيساً للحكومة بالوكالة وأصبح سعد الله الجابري رئيساً لمجلس النواب.

    الرئيس جميل مردم بك
    الرئيس جميل مردم بك

    قصف دمشق في 29 أيار 1945

    في 29 أيار 1945، دعا الجابري إلى جلسة برلمانية للاستماع إلى شرح مفصل من جميل مردم بك حول آخر التطورات المتعلقة بالمفاوضات مع فرنسا.

    حضر مردم بك إلى مجلس النواب، فوجد عدداً كبيراً من الجنود السنغال، وهم عناصر جيش الشرق الفرنسي في سورية، محيطين بالبناء ومنتشرين في جادة الصالحية وشارع العابد.

    دخل على مكتب الجابري وعلم أن الجلسة قد أجّلت بسبب عدم توفر نصاب قانوني، فاستأذن وعاد إلى مكتبه في السراي الحكومي، مستخدماً الباب الخلفي لمنى البرلمان.

    وبعد دقائق بدأ القصف الفرنسي على مجلس النواب، وقام جنود السنغال باقتحامه بنية اعتقال جميل مرد بك وسعد الله الجابري، الذي كان قد غادر المبنى من نفس الباب الخلفي. وعندما لم يجدوا أحداً منهم قام الجنود بحرق المبنى بعد مصادرة أوراق الجابري.

    ثم بدأ القصف على محيط السراي الكبير، في محاولة لقتل جميل مردم بك بعد وصوله إليه. بقي صامداً حتى قدوم الليل، ليغادر البناء تحت جنح الظلام، بعد ان قام الفرنسيون بقطع الكهرباء عن مدينة دمشق. توجه مردم بك إلى سوق ساروجا، مستخدماً زقاق رامي خلف ساحة المرجة، ووصل إلى قصر الرئيس خالد العظم، الذي فتح أبوابه أمام الضيوف الهاربين من القصف، من وزراء ونواب وعناصر من الشرطة والدرك. طلب مردم بك من العظم استخدام الهاتف لطمئنة عائلته، فكانت الخطوط مراقبة وعرف الفرنسيين مكان تواجده فقاموا بقصف سوق ساروجا من الجو، مخلفين دماراً كبيراً في أبنيته التاريخية.

    انطلقت مقاومة شعبية في شوارع دمشق، قادها فخري البارودي. وقد أصيب بشظية في رقبته، وتوجه إلى منزل خالد العظم للقاء جميل مردم بك. قال له إن الفرنسيين يبثون إشاعة بأن رئيس الجمهورية شكري القوتلي قد قتل وبأن أعضاء الحكومة قد هربوا إلى الأردن. قرر مردم بك الخروج من منزل العظم والذهاب إلى منزل الرئيس القوتلي الكائن في بستان الرئيس للتباحث معه. وقد غادر سوق ساروجا المدمر وذهب إلى منزل القوتلي، فوجده طريح الفراش يُعاني من نزيف حاد في المعدة، سببه قرحة مزمنة رافقته منذ شبابه.

    بعث الرئيس مردم بك برسائل إلى دول الجوار مناشداً دعم العرب لمواجهة العدوان، وسافر سعد الله الجابري إلى القاهرة للاحتجاج أمام مجلس جامعة الدول العربية. اعترض الملك فاروق على مجزرة دمشق، وكذلك فعل الملك عبد الله بن الحسين والرئيس اللبناني بشارة الخوري. وفي 1 حزيران 1945، صدر إنذار عن رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، طالب فيه بوقف العدوان الفرنسي وبدأ انسحاب الفرنسيين عن سورية.

    قاد جميل مردم بك المفاوضات النهائية مع فرنسا لتسلّم المصالح المشتركة من سلطة الانتداب، من مطارات مدنية وعسكرية وثكنات ومؤسسات اقتصادية كمصلحة التبغ وشركة الكهرباء. وفي 17 نيسان 1946، احتفلت سورية بجلاء القوات الفرنسية عن أراضيها وشارك جميل مردم بك بالعيد الوطني كأحد الآباء المؤسسين للدولة السورية الحديثة.(30)

    الحكومة المردمية الثالثة (28 كانون الأول 1946 – 6 تشرين الأول 1947)

    وفي مطلع عهد الاستقلال، عاد جميل مردم بك إلى صدارة المشهد السياسي عبر مشاركته في تأسيس الحزب الوطني، وهو الحزب السياسي الذي أنشأ على أنقاد الكتلة الوطنية، وكان برئاسة سعد الله الجابري. وفي خريف العام 1947 تم تكليفه بتشكيل حكومة جديدة، وكان ذلك على إثر مرض الرئيس سعد الله الجابري، الذي توفي بعدها بأشهر قليلة. وقد شكّلت الحكومة المردمية الثالثة على الشكل التالي:

    جميل مردم بك (الحزب الوطني): رئيساً للوزراء ووزيراً للداخلية والصحة

    نعيم أنطاكي ( الحزب الوطني): وزيراً للخارجية

    أحمد الشرباتي (مستقل): وزيراً للدفاع

    حكمت الحكيم (مستقل): وزيراُ للاقتصاد

    الأمير عادل أرسلان (مستقل): وزيراً للمعارف

    سعيد الغزي (مستقل): وزيراً للعدل

    الدكتور عدنان الأتاسي (مستقل): وزيراً للأشغال

    وفي عهده الجديد تم تعديل الدستور السوري للسماح للرئيس شكري القوتلي بولاية رئاسية جديدة، مما أثار حفيظة الطبقة السياسية في حلب وساهم في ولادة حزب الشعب المناهض للحزب الوطني والمحسوب على العراق لا على السعودية ومصر.

    الحكومة المردمية الرابعة (6 تشرين الأول 1947 – 22 آب 1948)

    في تشرين الأول 1947، أجرى الرئيس مردم بك تعديلاً وزارياً بهدف استيعاب المعارضة في حلب، فجاء  بشخصيات حلبية إلى حقيبتي العدل والمالية. وكان زعماء المعارضة، وهما ناظم القدسي ورشدي الكيخيا، رفضوا الاشتراك في هذه الحكومة. وكانت الحكومة المردمية الرابعة على الشكل التالي:

    جميل مردم بك (الحزب الوطني): رئيساً للوزراء ووزيراً للخارجية

    الدكتور محسن البرازي (مستقل): وزيراً للداخلية والصحة

    أحمد الشرباتي (مستقل): وزيراً للدفاع

    وهبي الحريري (مستقل من حلب): وزيراً للمالية

    أحمد الرفاعي (مستقل من حلب): وزيراً للعدل والأشغال

    سعيد الغزي (مستقل): وزيراً للاقتصاد

    الأمير عادل أرسلان (مستقل): وزيراً للصحة والشؤون الإجتماعية

    وهبي الحريري (مستقل): وزيراً للمالية

    وقد شهد عهد جميل مردم بك الرابع صدور قرار تقسيم فلسطين وإنشاء جيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي، ثمّ الإعلان عن ولادة دولة إسرائيل في 14 أيار 1948 ودخول الجيش السوري إلى ميدان القتال، بعد تسمية مردم بك حاكماً عرفياً على سورية. وكان الرئيس مردم بك أول من أقر التجنيد الإجباري في سورية في نهاية العام 1946، تحسباً لدخول سورية الحرب في فلسطين. وعند استقالة وزير الدفاع أحمد الشرباتي في نهاية شهر أيار من العام 1948، قام مردم بك بتسلّم حقيبة الدفاع مع تعيين حسني الزعيم رئيساً لأركان الجبش، خلفاً لللواء عبد الله عطفة.

    الحكومة المردمية الخامسة والأخيرة (22 آب 1948 – 16 كانون الأول 1948)

    قام مردم بك بتعديل حكومته يوم 22 آب 1948، مستحدثاً منصب نائب رئيس الوزراء، الذي ذهب إلى صديقه القديم لطفي الحفار، أحد أركان الحزب الوطني. وكانت الحكومة المردمية الخامسة هي الأكبر في تاريخ سورية حتى ذلك التاريخ وقد جاءت على الشكل التالي:

    جميل مردم بك (الحزب الوطني): رئيساً للوزراء ووزيراً للدفاع

    لطفي الحفار (الحزب الوطني): نائباً لرئيس الحكومة

    صبري العسلي (الحزب الوطني): وزيراً للداخلية

    ميخائيل إليان (الحزب الوطني): وزيراً للاقتصاد

    الدكتور محسن البرازي (مستقل): وزيراً للخارجية

    سعيد الغزي (مستقل): وزيراً للعدل

    الدكتور منير العجلاني (مستقل): وزيراً للمعارف

    محمد العايش (مستقل): وزيراً للزراعة

    أحمد الرفاعي (مستقل): وزيراً للأشغال

    الرئيس مردم بك مع الملك عبد الله والرئيس رياض الصلح سنة 1948.
    الرئيس مردم بك مع الملك عبد الله والرئيس رياض الصلح سنة 1948.

    وجهت اتهامات للحكومة المردمية بالتقصير في حرب فلسطين وعدم تسليح الجيش للقيام بمهامه، واصتدم جميل مردم بك مع بعض الضباط، بما فيهم أحد قادة الجبهات توفيق بشور. وبناء على الاحكام العرفية، قام رئيس الحكومة بتعطيل الكثير من الصحف اليومية كما أمر اعتقال عدد من المعارضين والمحرضين ضده، وكان على رأسهم ميشيل عفلق، مؤسس حزب البعث.

    أدت هذه التصرفات إلى استقالة لطفي الحفار وصبري العسلي من الحكومة في 9 تشرين الثاني 1948، وتبعهم بعد عشرة أيام وزير المالية وهبي الحريري، مما أفقد الحكومة نصابها. وفي 16 كانون الأول 1948، قدم جميل مردم بك استقالة حكومته إلى الرئيس شكري القوتلي، معلناً اعتزاله العمل السياسي نظراً لهزيمة الجيوش العربية في فلسطين، التي قال أنه يتحمل جزء من مسؤوليتها.

    السنوات الأخيرة

    عاش الرئيس جميل مردم بك سنواته الأخيرة في القاهرة حيث تعرف على الرئيس جمال عبد الناصر، الذي كان يحترمه ويحاول إقناعة بالعودة إلى سورية للترشح لرئاسة الجمهورية في شباط 1954، ولكن مردم بك رفض وقام بنشر تصريح في الصحف السورية والمصرية مشدداً على اعتزاله العمل السياسي بشكل قاطع وغير قابل للرجوع عنه.(31) وكان آخر ظهور له في شباط 1958، عندما دُعي لحضور مراسيم توقيع ميثاق الجمهورية العربية المتحدة في القاهرة، حيث وقف خلف الرئيس عبد الناصر وصديقه القديم، الرئيس شكري القوتلي.

    الوفاة

    توفي الرئيس جميل مردم بك في القاهرة عن عمر ناهز 65 عاماً يوم 28 آذار 1960، وأعيد جثمانه إلى دمشق حيث ووري الثرى في مدافن الأُسرة المردمية.

    أوراق جميل مردم بك

    ترك جميل مردم بك مجموعة من الأوراق والمُذكّرات، قامت ابنته الوحيدة سلمى مردم بك بنشر بعضها في كتاب حَمل عنوان أوراق جميل مردم بك، صدر في بيروت عام 1994 وترجم لاحقاً إلى اللغة الإنكليزية. وكان هذا الكتاب هو أطروحة سلمى مردم بك لنيل شهادة الماجستير من جامعة أوكسفورد البريطانية.

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

  • جريدة فتى العرب

    جريدة فتى العرب، صحيفة يومية سياسية أطلقها الأديب معروف الأرناؤوط بدمشق عام 1920 وصدر العدد الأخير منها عند قيام جمهورية الوحدة مع مصر سنة 1958.

    أسس معروف الأرناؤوط جريدة فتى العرب خلال فترة حكم الملك فيصل الأول في 18 شباط 1920. كانت تصدر بأربع صفحات من الحجم المتوسط ثم تحولت إلى القطع الكبير. وخلال الحرب العالمية الثانية انخفض عدد صفحاتها بسبب أزمة الورق التي ظهرت في سورية. بعد وفاة معروف الأرناؤوط سنة 1948 انتقل امتياز الجريدة إلى عديله صلاح شيخ الأرض وظلّت تصدر بشكل منتظم حتى قيام الوحدة مع مصر سنة 1958.

  • توفيق قباني

    توفيق قباني
    توفيق قباني

    توفيق قباني (توفي 1954)، صناعي دمشقي وزعيم وطني، كان أحد أركان الكتلة الوطنية المُناهضة للاحتلال الفرنسي في سورية، وهو والد كل من الشاعر نزار قباني والدكتور صباح قباني، مؤسس التلفزيون العربي السوري وسفير سورية في الولايات المتحدة الأمريكية.

    نشاطه الصناعي

    سافر توفيق قباني إلى مصر وهو في الخامسة عشرة من عمره، لمرافقة جده أبي خليل القباني، مؤسس المسرح العربي، بعد توجه الأخير إلى القاهرة هرباً من تعصب بعض رجال الدين الرافضين لنشاطه الفني في دمشق.

    وفي القاهرة، تعلّم قباني صناعة الملبس والنوكا والشوكولا من الجاليات الإيطالية والفرنسية، في وقت لم تكن تلك الأصناف معروفة بعد في دمشق حيث كان الأهالي لا يعرفون إلّا الحلوى المصنوعة يديوياً في بيوتهم.

    عاد توفيق القباني إلى سورية وأسس أول معمل لصناعة الملبس، كان موقعه بين سوق البزورية ومئذنة الشحم، وقد كُتب على لافتته “المؤسس الأول لمعمل الملبس.” في مُذكّراته، يصف الدكتور صباح قباني ابتكار والده بالقول إن منتجاته أبهرت أهل الشّام، بشكلها ومذاقها، “وحيرهم كيف يُمكن لحبة اللوز أن تدخل غلاف سكري محكم الإغلاق لتصبح الملبس.(1)

    وفي مطلع الثلاثينيات، شارك توفيق قباني بتأسيس أهم المشاريع الصناعية في سورية، لتشغيل اليد العاملة وإيجاد مصدر دخل للحركة الوطنية. فقد كان من مؤسسي معمل الإسمنت في منطقة دمّر، مع كلّ من فارس الخوري وخالد العظم، ومعمل الكونسروة الوطني، مع صديقه الرئيس شكري القوتلي.

    شهادة نزار قباني

    وفي سيرته الذاتية “قصتي مع الشعر،” يتحدث نزار قباني عن أبيه قائلاً:

    وإذ أردتُ تصنيف أبي، أصنفه دون تردد بين الكادحين، لأنه أنفق خمسين عاماً من عمره، يستنشق روائح الفحم الحجري، ويتوسّد أكياس السُكر وألواح خشب السحاحير…وكان يعود إلينا من عمله في زقاق معاوية كلّ مساء، تحت مياه المزاريب الشتائية كأنه سفينة مثقوبة. وإنني لا أذكّر وجه أبي المطلي بهباب الفحم وثيابه الملطّخة بالبقع والحروق، كلّما قرأت كلام من يتهمونني بالبورجوازية والانتماء إلى الطبقة المرفهة، والسلالات ذات الدم الأزرق. أي طبقة، وأي دم ازرق هذا الذي يتحدثون عنه؟ إن دمي ليس ملكياً، ولا شاهانياً، وإنما هو دم عادي كدم آلاف الأًسر الدمشقية الطيّبة التي كانت تكسب رزقها بالشرف والاستقامة والخوف من الله.(2)

    العمل الوطني

    انتسب توفيق قباني إلى الكتلة الوطنية، التنظيم السّياسي الأبرز المناهض للاستعمار، وقام بتمويل الحركة الوطنية لسنوات طويلة. كما أدى دوراً محورياً في تنظيم الإضراب الستيني الذي قادته الكتلة الوطنية ضد فرنسا عام 1936 احتجاجاً على اعتقال زعيم دمشق ونائبها فخري البارودي.

    وقاد الاحتجاج الشعبي ضد دخول البضائع الصهيونية إلى أسواق دمشق في شباط 1934، التي تم جمعها وحرقها في وسط سوق الحميدية، تحت إشراف توفيق قباني.(3) وفي عام 1939، تم اعتقاله من قبل سلطة الاحتلال وسجنه في تدمر ثم إلى سجن الرمل في بيروت، بتهمة التمويل والتخطيط لأعمال مناهضة لحكم الانتداب الفرنسي في سورية.(4)

    وفي تعليق نزار قباني على نشاط والده الوطني: “كان أبي إذاً يصنع الحلوى ويصنع الثورة. وكنت أُعجب بهذه الازدواجية فيه، وأُدهش كيف يستطيع أن يجمع بين الحلاوة والضراوة.”(5)

    الوفاة

    توفي توفيق قباني في دمشق سنة 1954 وصدّرت جميع الصحف السورية في صفحاتها الأولى مقالات إشادة بجهاده وتضحياته في سبيل استقلال وطنه.

  • توفيق شامية

    توفيق شامية
    توفيق شامية

    توفيق شامية (1885-1963)، سياسي سوري من دمشق، كان أحد مؤسسي الكتلة الوطنية في سورية. تسلّم عدة مناصب حكومية خلال السنوات 1928-1944، منها الزراعة والأشغال العامة والمالية والتجارة.

    وفي سنة 1925 كان أحد مؤسسي حزب الشعب مع الدكتور عبد الرحمن الشهبندر.

    البداية

    ولِد توفيق شامية في دمشق لإحدى أشهر وأغنى العائلات المسيحية وكان والده جبران شامية من أعيان الشّام في الربع الأخير من القرن التاسع عشر.

    وصَلت مساحة أملاك عائلته إلى ستين ألف هكتار من الأراضي الخصبة في منطقة القلمون وفي بعلبك، وكان قصرها الفاخر في دمشق مقراً لإقامة إمبراطور ألمانيا غليوم الثاني خلال زيارته إلى المدينة سنة 1898.(1)

    دَرَس توفيق شامية في الجامعة الأميركية في بيروت وبدأ حياته المهنية مديراً للمطبوعات في قصر الملك فيصل الأول عام 1920. وفي نفس العام عُيّن أميناً للسر في وزارة الخارجية السورية ومعاوناً للوزير عبد الرحمن الشهبندر، زميل الدراسة في الجامعة الأميركية.(2)

    دوره في حزب الشعب

    تعاون توفيق شامية مع عبد الرحمن الشهبندر مجدداً في حزيران 1925، عند تأسيس حزب الشعب، أول حزب سياسي عرفته البلاد في مرحلة الاحتلال الفرنسي. شارك في صياغة أهداف الحزب، ومنها المطالبة بوحدة الأراضي السورية وتحريرها بالكامل من أي احتلال أجنبي، مع تأسيس حكم ملكي برلماني، يكون العرش فيه إمّا للملك فيصل الأول أو لأحد أشقائه.(3)

    في الثورة السورية الكبرى

    بعد أسابيع قليلة من إنشاء الحزب، اندلعت الثورة السورية الكبرى في جبل الدروز، بقيادة سلطان باشا الأطرش. هبّ كل من الشهبندر وتوفيق شامية لمناصرتها ودعمها بالسلاح والمال وحُكم عليهما بالإعدام من قبل سلطة الانتداب الفرنسي.

    هرب الشهبندر إلى مصر وألقي القبض على توفيق شامية. سجن في معتقل أرواد مع رجالات الحركة الوطنية، ومن ثمّ قام الفرنسيين بنقله إلى مدينة الحسكة حيث وضع تحت المراقبة المشددة مع وقف تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحقه.(4)

    في الكتلة الوطنية

    بعد خروجه من المعتقل، شارك توفيق شامية في تأسيس الكتلة الوطنية، الرامية إلى تحرير البلاد بطُرق سلمية بعيداً عن النضال المسلح الذي لم يحقق أيّاً من أهداف الثورة السورية الكبرى. انضم شامية إلى مؤتمر الكتلة في مدينة حمص عام 1932، وعمل جاهداً مع زعمائها على توحيد صفوف الوطنيين، بالتعاون مع رئيس الكتلة هاشم الأتاسي.

    وزيراً في حكومات متعددة

    في شباط 1928 عُيّن توفيق شامية وزيراً للأشغال العامة في حكومة الشّيخ تاج الدين الحسني، ممثلاً عن المعارضة، وحافظ على منصبه الوزاري حتى نهاية صيف عام 1930. أشرفت هذه الحكومة على انتخابات المجلس التأسيسي المُكلّف بوضع أول دستور جمهوري للبلاد وعلى مشاريع  الشيخ تاج العمرانية، بما فيها المدارس والمستشفيات والساحات العامة. وفي 14 آب 1930 عُيّن توفيق شامية وزيراً للمالية في حكومة الشيخ تاج الثانية حتى حزيران 1932.

    محافظاً على منطقة الجزيرة

    وصلت الكتلة الوطنية إلى الحكم في كانون الأول 1936 بعد توقيعها معاهدة مع الحكومة الفرنسية، وانتُخب هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية، خلفاً للرئيس محمّد علي العابد.  ذهبت مناصب الدولة لرجالات الكتلة وكان نصيب توفيق شامية منها منطقة الجزيرة، التي وُلّي محافظاً عليها مطلع عام 1937.

    كانت الأوضاع مضطربة جداً في المنطقة الشرقية عشية وصول المحافظ الجديد، حيث إن الآشوريين المسيحيين كانوا في عصيان ضد الدولة السورية، مطالبين بمنطقة حكم ذاتي لأنفسهم. حاول توفيق شامية ترويضهم ومفاوضة زعمائهم، عادّاً أن حكومة الانتداب كانت هي المسؤولة عن هذه الحركة الانفصالية. ولكن مساعيه لم تنجح فقام الآشوريون بمنعه من دخول دار الحكومة وثم اختطافه وإرساله مُهاناً إلى مكتب الرئيس الأتاسي في دمشق.(5)

    محافظاً على حماة

    رفضت الحكومة السورية إرسال توفيق شامية مجدداً إلى الجزيرة، حفاظاً على سلامته الشخصية، وظلّ خارج أي منصب سياسي حتى وصول صديقه تاج الدين الحسني إلى رئاسة الجمهورية عام 1941، حيث قام بتعينه محافظاً على مدينة حماة في منتصف الحرب العالمية الثانية. شارك شامية بإعلان استقلال سورية في عهد الشيخ تاج، بعد ضم دولتي الدروز والعلويين إليها في أيلول 1941.

    في عهد الرئيس شكري القوتلي

    في مطلع عام 1943، توفي رئيس الجمهورية تاج الدين الحسني وأُقيمت انتخابات نيابية شاركت فيها الكتلة الوطنية بكل رجالاتها وثقلها السّياسي في المدن الكبرى. رَشح توفيق شامية نفسه للمقعد الأورثودوكسي نائباً عن دمشق، ولكنه انسحب بطلب من زعيم القائمة شكري القوتلي، مُرشح رئاسة الجمهورية، الذي فضّل أن يذهب المقعد الأورثودوكسي لشخصية سياسية من حلب، نظراً لمعارضة زعماء تلك المدينة لمساعيه الرئاسية.

    تجاوب توفيق شامية مع طلب القوتلي دون أي تردد، ورداً للجميل عينه الأخير وزيراً للزراعة والتجارة في حكومة سعد الله الجابري الأولى يوم 14 أب 1943، بعد أيام قليلة من وصوله إلى القصر الجمهوري. وفي عام 1948، انتُخب توفيق شامية عضواً في المجلس الملّي الأورثودوكسي في دمشق. تقاعد بعدها من العمل السّياسي في إثر الانقلاب الأول الذي قاده حسني الزعيم عام 1949، والذي أطاح بالرئيس القوتلي وكل رجالات العهد الوطني.

    أولاده

    اشتهر أكبر أبناء توفيق شامية من بعده وهو جبران توفيق شامية الذي درس في الجامعة الأميركية في بيروت ودرّس فيها وفي ثانوية التجهيز الأولى بدمشق قبل أن  يصبح مستشاراً في وزارة الخارجية السورية في منتصف الخمسينات.

    قصر آل شامية

    يُعد قصر عائلة شامية، الواقع في منطقة باب توما بالقرب من حي طالع الفضة من أجمل وأفخم قصور دمشق، وقد تم تحويل جزء منه إلى مقر لمنظمة الصليب الأحمر خلال الحرب العالمية الأولى، قبل بيعه من قبل توفيق شامية للمغترب عبد الله جرجس خياطة سنة 1924، الذي حوله إلى وقف لصالح الكنيسة الأورثودوكسية.

  • تاج الدين الحسني

    الرئيس تاج الدين الحسني
    الرئيس تاج الدين الحسني

    تاج الدين الحسني (1885 – 17 كانون الثاني 1943)، سياسي سوري ورجل دولة، كان رئيساً للجمهورية من 16 أيلول 1941 وحتى وفاته يوم 17 كانون الثاني 1943. تَقَلّد أرفع المناصب السّياسية في حياته، فكان رئيساً للحكومة أربع مرات ما بين 1928-1936، وشارك في وضع أول دستور جمهوري للبلاد عام 1928. لُقب بالرئيس المِعمار لشدة اهتمامه بالتطوير والبناء، وفي عهده حصلت سورية على استقلالها عن الانتداب الفرنسي، ولكن انسحاب الجيش الفرنسي عن الأراضي السورية بقي مشروطاً بنهاية الحرب العالمية الثانية في أوروبا.

    البداية

    ولِد تاج الدين الحسني في دمشق ودرس علوم الشريعة واللغة العربية على يد والده الشّيخ بدر الدين الحسني، أحد أشهر عُلماء عصره والمحدّث الأكبر في بلاد الشّام. كما دَرس الفقه الإسلامي على يد الشيخ محمّد رشيد العطّار وفي عام 1912، عُيّن مُدرساً في المدرسة السلطانية بدمشق وعضواً في مجلس إصلاح المدارس.(1)

    العمل في الصحافة

    اختاره جمال باشا، حاكم ولاية سورية خلال الحرب العالمية الأولى، ليكون رئيساً لتحرير جريدة الشرق التي أسستها الدولة العثمانية في سورية. تعاون مع الأمير شكيب أرسلان، الذي عُيّن نائباً لرئيس تحرير جريدة الشرق، وأصدر العدد الأول من في 27 نيسان 1916. وبعد استقالة الأمير شكيب من منصبه، احتجاجاً على إعدام جمال باشا نخبة من القادة العرب في دمشق وبيروت يوم 6 أيار، كُلّف محمد كرد علي بإدارة تحرير الصحيفة، بالتعاون مع الشيخ تاج، وظلّت جريدة الشرق تصدر بشكل منتظم حتى خروج العثمانيين من سورية في 26 أيلول 1918.(2)

    مع الملك فيصل الأول

    بايع الشيخ تاج الأمير فيصل بن الحسين حاكماً عربياً على سورية يوم 3 تشرين الأول 1918 ووضع نفسه تحت تصرفه وتصرف والده الشريف حسين بن علي، قائد الثورة العربية الكبرى المنتصر في حربه على الدولة العثمانية. اجتمع الشيخ تاج بالأمير فيصل وقدّم له شرحاً مُفصلاً عن ظروف المدارس الشرعية في سورية واحتياجاتها، فأُعجب الأمير بفصاحته وبلاغته، وقام بتعيينه دوناً عن كل شباب دمشق مُديراً للقصر الملكي في منطقة المهاجرين، المطل على العاصمة السورية.

    كما سُمّي الشيخ تاج عضواً في محكمة التمييز الشرعية وفي مجلس الشورى. وخلال سنوات العهد الفيصلي (1918-1920)، انتسب إلى الحزب السوري الوطني الذي أسسه أمير الحج عبد الرحمن باشا اليوسف، المنادي بوحدة الأراضي السورية واستقلالها التام عن أية هيمنة أوروبية.(3)

    وفي عام 1919، ترشّح الشّيخ تاج في الانتخابات البرلمانية الأولى التي تمّت في سورية وفاز بمقعد نيابي ممثلاً عن مدينة دمشق في المؤتمر السوري العام، وهو أول سلطة تشريعية في تاريخ سورية الحديث. ومن هذا الموقع، شارك في حفل تتويج الأمير فيصل ملكاً على البلاد يوم 8 آذار 1920.

    الشيخ تاج رئيساً للحكومة سنة 1928
    الشيخ تاج رئيساً للحكومة سنة 1928

    الحكومة الأولى (شباط 1928 – 14 آب 1930)

    خُلع الملك فيصل عن العرش بعد مواجهة عسكرية مع الجيش الفرنسي في معركة ميسلون يوم 24 تموز 1920، وفُرض على أثرها الانتداب الفرنسي على سورية، تنفيذاً لما جاء في اتفاقية سايكس بيكو، الموقعة بين حكومتي فرنسا وبريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى.

    سافر الشّخ تاج إلى فرنسا وتَعرف على رجالات الانتداب الذين طلبوا منه العودة إلى دمشق وتشكيل حكومة وحدة وطنية في الأيام الأولى من الثورة السورية الكبرى سنة 1925، خلفاً لحكومة الرئيس صبحي بركات. ولكنه رفض هذا العرض متحججاً بشدة الاحتقان السّياسي واشتعال الثورة المسلّحة في طول البلاد وعرضها.(4)

    انتظر الفرنسيون قليلاً، نزولاً عند رغبته، وبعد أشهر قليلة من انتهاء الثورة السورية الكبرى أُعيد تكليفه برئاسة الحكومة. قبل الشيخ تاج التكليف وشكّل حكومته الأولى يوم 15 شباط 1928. جاءت الحكومة مؤلفة من ستة وزراء، جميعهم من الأعيان:

    محمد كرد علي (مستقل): وزيراً للمعارف

    جميل الألشي (مستقل): وزيراً للمالية

    سعيد محاسن (مستقل): وزيراً للداخلية

    عبد القادر الكيلاني (الكتلة الوطنية): وزيراً للزراعة

    توفيق شامية (الكتلة الوطنية): وزيراً للأشغال العامة

    انتخابات المؤتمر التأسيسي

    كُلّفت هذه الوزارة بالإشراف على انتخابات المؤتمر التأسيسي لوضع أول دستور جمهوري للبلاد، بدلاً من دستور الملك فيصل الذي أُجعض مع بداية الانتداب الفرنسي سنة 1920. أجريت هذه الانتخابات يوم 24 نيسان 1928، ووُجهت خلالها اتهامات لاذعة للشيخ تاج ورجاله وقيل إن تزويراً كبيراً قد حصل في عدة مُدن رئيسة ومنها دمشق، وتحديداً في أحياء الشاغور وباب شرقي.(5) كما وجهت المعارضة الممثلة بالكتلة الوطنية اتهاماً مباشراً لرئيس الحكومة، بأنه حاول شراء أصوات أهالي غوطة دمشق عبر إرسال 600 ليرة عثمانية لكل قرية. وردن حكومة الشّيخ تاج أن هذه المبالع كانت مخصصة للعائلات المتضررة هي من الثورة السورية الكبرى ولا علاقة لها بالعملية الانتخابية.(6)

    مع ذلك تمكن الشّيخ تاج من وضع اسمه على جميع القوائم الانتخابية في دمشق، بما فيها قائمة خصومه في الكتلة الوطنية، وصار يُعرف بلقب “شيخ القوائم.”(7) من أصل تسعة نواب كانوا مخصصين للعاصمة السورية، فازت الكتلة الوطنية بثمانية مقاعد، وكان المقعد التاسع من نصيب الشّيخ تاج. أمّا بقية حلفاء رئيس الحكومة، فقد هزموا جميعاً في تلك الانتخابات.

    دستور عام 1928

    عقدت اللجنة المُنتخبة أول جلسة لها يوم 9 حزيران 1928 وبدأ العمل على كتابة الدستور الجديد تحت إشراف هاشم الأتاسي، رئيس المؤتمر التأسيسي، ممثلاً عن الكتلة الوطنية. وخلال مدة لم تتجاوز الأسبوعين تمكن أعضاء المؤتمر من وضع دستور عصري للدولة السورية، لم يرد فيه أي ذكر لنظام الانتداب الفرنسي المفروض على سورية منذ عام 1920.

    غضبت المفوضية الفرنسية العليا في بيروت من هذا التجاهل الصريح وطلبت من المؤتمر التأسيسي تعديل ست مواد من مسودة الدستور، منها تلك المتعلقة بحدود سورية وصلاحيات رئيس الجمهورية، وطالبت بالاعتراف بشرعية الانتداب دستورياً. ولكن هاشم الأتاسي رفض ذلك بشدة، القيام بذلك، أما الشيخ تاج فقد قبل التعديلات المقترحة، تفادياً لأي صدام مع سلطة الانتداب. فتعرض رئيس الحكومة لهجوم عنيف من قبل نائب دمشق فخري البارودي، أحد أضاء الكتلة الوطنية، مما أجبر الشّيخ تاج على الانسحاب من الجلسة احتجاجاً وغضباً.(8) ونظراً لإصرار الوطنيين على موقفهم الرافض للتعديلات المقترحة، قامت فرنسا بحل المؤتمر التأسيسي وتعطيل الدستور إلى أجل غير مسمّى، ليتم فرضه فرضاً على السوريين سنة 1930، بعد إضافة المواد الجديدة.

    الحكومات الثانية والثالثة (14 آب 1930 – 19 تشرين الثاني 1931)

    في 14 آب 1930 أجرى الشّيخ تاج تعديلاً طفيفاً على حكومته، بعد التخلي عن بعض الوزراء المهزومين في انتخابات المؤتمر التأسيسي، مثل سعيد محاسن، وجاءت حكومته الثانية على الشكل التالي:

    تاج الدين الحسني: رئيساً للحكومة ووزيراً للداخلية

    توفيق شامية (الكتلة الوطنية): وزيراً للمالية

    عبد القادر الكيلاني (الكتلة الوطنية): وزيراً للزراعة

    محمد كرد علي (مستقل): وزيراً للمعارف

    فؤاد العادلي (مستقل): وزيراً للأشغال العامة

    شاكر الحنبلي (مستقل): وزيراً للعدلية

    وفي 27 تشرين الأول 1930، إزداد خلاف بين الشّيخ تاج والكتلة الوطنية، وشُكّلت حكومته الثالثة التي اختصر التمثيل الوطني فيها على وزير واحد فقط، وهو توفيق شامية، الذي سمّي مجدداً وزيراً للمالية.  وقد استبدل الوزير الكتلوي عبد القادر الكيلاني برئيس مجلس الشورى المستقل بديع مؤيد العظم، الذي بات وزيراً للزراعة. أما بقية الحقائب فلم تتعرض لأي تغيير.

    الرئيس المعِمار

    كان الشّيخ تاج فخوراً جداً بالإنجازات العمرانية التي حصلت في عهده، وطَلَب من مطبعة الحكومة وضع كتاب عنها، صَدر في دمشق عام 1931. ضمت هذه الإنجازات إنشاء مستشفى ابن رشد للأمراض السارية في حلب ومستشفى الرازي للأمراض الجلدية والعينية، إضافة إلى مشفى الأمراض العقلية في القصير ومشفى آخر في مدينة دير الزور. كما دُشّنت في عهده 24 مدرسة للذكور وأربع مدارس للبنات وثلاث مدارس للبدو، ومعهم المدرسة العليا للآداب في دمشق التي قام هو بافتتاحها يوم 9 تشرين الثاني 1929. وضمت الإنجازات شق طريق دمشق – حلب وطريق القنيطرةبانياس، وإنشاء سرايا الحكم في حلب (في سوق الجمعة مقابل قلعة حلب) وسرايا كل من إدلب والقامشلي ورأس العين وعفرين والباب ومنبج وجرابلس وقطنا ودوما. وأخيراً كان مقر المجلس النيابي  في وسط دمشق أكبر وأهم إنجازات للشّيخ تاج، الذي شيّد على أنقاض سينما قديمة تعود إلى زمن الدولة العثمانية.(9)

    الانتخابات الرئاسية عام 1932

    رشح الشّيخ تاج نفسه للانتخابات النيابية سنة 1932 وفاز بمقعده المعتاد ممثلاً عن مدينة دمشق. وفي ذلك الصيف ترشح أيضاً لأول انتخابات رئاسية في سورية، التي أجريت داخل المجلس النيابي الجديد. خاض المعركة الانتخابية داخل المجلس النيابي ضد هاشم الأتاسي ممثلاً عن الكتلة الوطنية، ورئيس الوزراء الأسبق رضا باشا الركابي، ممثلاً عن حزب الأمة الملكي، وحقي العظم رئيس دولة دمشق الأسبق، ممثلاً عن التيار المهادن للفرنسيين، ورئيس دولة الاتحاد السوري الأسبق صبحي بركات، ممثلاً عن قوى الشمال، والمرشح المستقل محمّد علي العابد، سفير الدولة العثمانية الأسبق في واشنطن.

    فاز العابد بالرئاسة الأولى يوم 11 حزيران 1932، وغاب الشيخ تاج عن المشهد مجدداً حتى عام 1934، عندما طلب منه رئيس الجمهورية تشكيل الحكومة السورية الجديدة، خلفاً لحكومة الرئيس حقي العظم.

    الحكومة الرابعة والأخيرة سنة 1934

    تغيرت سياسة الشّيخ تاج هذه المرة ولم يعتمد على أي من حلفائه التقليديين إلّا صديقه الوفي جميل الألشي، الذي عُيّن وزيراً للأشغال العامة. أما بقية الحقائب فقد ذهبت لشخصيات محسوبة على التيار الوطني الذي كان في الماضي القريب شديد الانتقاد للشّيخ تاج ويتهمه دوماً بمهادنة الفرنسيين أو حتى العمالة لهم. وقد جاءت حكومة الشّيخ تاج البراعة والأخيرة على الشكل التالي:

    تاج الدين الحسني: رئيساً للحكومة ووزيراً للداخلية

    حسني البرازي (الكتلة الوطنية): وزيراً المعارف

    عطا الأيوبي (مستقل): وزيراً للعدلية

    هنري هندية (مستقل): وزيراً للمالية

    جميل الألشي (مستقل): وزيراً للاشغال العامة

    يحيى الأطه لي (مستقل): وزيراً للزراعة والتجارة

    ولكن هذه الحكومة تعرضت لهجوم كبير من الشارع عند وفاة زعيم حلب وقائد ثورة الشمال إبراهيم هنانو في تشرين الثاني 1935. خرجت معظم القوى السّياسية في جنازة هنانو وأطلقت هتافات معادية لرئيس الجمهورية وللشّيخ تاج، فردت سلطة الانتداب باعتقال المتظاهرين وزجّهم في السجون، مما أشعل مظاهرات أكبر وأوسع في كافة المدن السورية. حاول الشّيخ تاج احتواء الموقف، وطلب من الفرنسيين التروي ولكنهم رفضوا الاستجابة وأمروا باقتحام منزل هنانو ومصادرة جميع الأوراق والمستندات، كما قاموا باعتقال صديق هنانو وخليفته سعد الله الجابري. وعندما زار الشيخ تاج حلب بفرقة الرئيس العابد، تعرض للشتم في شوارع المدينة، وتم رشقه بالبيض الفاسد. وقد منعه المتظاهرون من دخول الجامع الكبير، وقاموا باحتلال المكان المخصص له ولرئيس الجمهورية.

    وفي كانون الثاني 1936، تأزم الموقف عند اعتقال نائب دمشق فخري البارودي، أحد أركان الكتلة الوطنية، واتهامه بتحريض المتظاهرين في حلب. هنا تحولت المظاهرات إلى إضراب عام دام 60 يوماً، لم ينتهي إلا  بإسقاط حكومة الشّيخ تاج وإطلاق  سراح جميع المعتقلين السياسيين ودعوة وفد من الكتلة الوطنية إلى باريس للتفاوض على مستقبل سورية، برئاسة هاشم الأتاسي. وفي 24 شباط 1934، تسلّم عطا الأيوبي زمام الحكم في سورية، خلفاً للشّيخ تاج الدين الحسني.

    الرئيس الحسني مع رئيس الجمهورية محمد علي العابد سنة 1935
    الرئيس الحسني مع رئيس الجمهورية محمد علي العابد سنة 1935

    في صفوف المعارضة

    عارض الشّيخ تاج المعاهدة السورية الفرنسية التي وقّعت في باريس في أيلول 1936، وقال أن وفد الكتلة الوطنية أعطى الفرنسيين الكثير من التنازلات ولم يأخذ بالمقابل وعد صريح بالاستقلال التام وغير المشروط. وكانت المعاهدة قد وعدت السوريين باستقلال تدريجي على مدى خمسة وعشرون سنة، مع توسيع صلاحيات الحكومة السورية مقابل إعطاء فرنسا الكثير من الامتيازات والحقوق في مستقبل سورية، منها تدريب الجيش والحفاظ على مكانة اللغة الفرنسية في المناهج السورية وحق الانتفاع من الأراضي السورية والمنشآت العسكري في حال نشوب حرب عالمية جديدة في أوروبا.

    وعند عودة وفد الكتلة الوطنية من فرنسا، استقال الرئيس محمد علي العابد من منصبه وأجريت انتخابات عامة في البلاد، أوصلت قادة الكتلة الوطنية إلى الحكم. وتم انتخاب هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية في كانون الأول 1936، لينتقل الشّيخ تاج فوراً إلى صفوف المعارضة. ولكن الفرنسيين تراجعوا عن معاهدة عام 1936، ورفض البرلمان الفرنسي المصادقة عليها بحجة بتدهور الأوضاع في أوروبا وصعود أدولف هتلر في ألمانيا، مما أنذر بقرب وقوع حرب عالمية جديدة.

    ثم جاء سلخ منطقة لواء إسكندرون عن سورية وضمها إلى اراضي الجمهورية التركية، لضمان حيادها في الحرب المقبلة، مما أدى إلى إلى استقالة الرئيس هاشم الأتاسي من منصبه في تموز 1939. وكان الشّيخ تاج طوال خلال هذه الفترة يعمل بالسر على اجهاض المعاهد داخل البرلمان الفرنسي، مستفيداً من علاقاته المتينة مع طيف واسع من النواب والسياسيين الفرنسيين. وقد تعاون مع الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، الخصم التاريخي للكتلة الوطنية، وعملا معاً على إسقاط العهد الجديد في دمشق.

    رئيساً للجمهورية 1941-1943

    وخلال الحرب العالمية الثانية هزمت فرنسا علي يد الجيش الألماني وتم احتلال مدينة باريس عسكرياً وتنصيب الماريشال فيليب بيتان رئيساً لجمهورية فيشي الموالية لهتلر. أصبحت سورية جزء من هذه الجمهورية، وفي سنة 1941 دخلت قوة عسكرية بريطانية إلى الأراضي السورية لتحريرها من حكم فيشي، بالتعاون مع قوات فرنسا الحرة التابعة للجنرال شارل ديغول.

    وبعد تحقيق النصر وتحرير سورية من حكم فيشي، جاء الجنرال ديغول إلى دمشق واجتمع مع السياسيين السوريين، ليعدهم باستقلال قريب ولكن مشروط بنهاية العمليات القتالية في أوروبا. دُعي هاشم الأتاسي للعودة إلى الرئاسة الأولى ولكنه رفض، قائلاً إن الفرنسيين نكثوا وعودهم في الماضي، فوقع خيار ديغول على الشّيخ تاج ليكون رئيساً للدولة، شرط أن يحكم سورية من دون برلمان منتخب أو دستور إلى حين انتهاء المعارك في أوروبا.

    كان الشّيخ تاج قد أمضى سنوات الحرب العالمية في باريس، وعاد إلى دمشق في ظلّ حكم فيشي، حيث أثارت تحركاته شكوك وقلق المسؤولين الفرنسيين الموالين لألمانيا النازية فقاموا بوضعه تحت الإقامة الجبرية في قصره في منطقة الحلبوني. رُفع الحظر عنه مع وصول الجنرال ديغول إلى سورية عام 1941 وقبل توليه الحكم طُلب منه التوصل إلى اتفاق مع قادة الكتلة الوطنية، أملاً أن يؤدي ذلك إلى تهدئة الاوضاع في سورية. وافق الشّيخ تاج على هذا الطلب وعرض على خصم الأمس جميل مردم بك أن يكون اول رئيساً للحكومة في عهده، ولكن هذا الاتفاق لم يصمد بسبب معارضة هاشم الأتاسي لاي تعاون مع الشّيخ تاج.(10)

    هذا وقد اشترط الشّيخ تاج على الجنرال ديغول اصدار فرمان بتوحيد البلاد السورية في عهده، وضمّ كلاً من دولة العلويين ودولة الدروز إلى الجمهورية السورية. في ردّه على الفرنسيين، قال الشيخ تاج: “كوني رئيساً مُعيناً ولست منتخباً، فبإمكانكم التخلي عني بشطبة قلم، ولذلك، أرغب أن يتم دعوتي رسمياً لتسلم زمام الأمور، تماماً كما دعت حكومة إنكلترا الملك فيصل الأول لتولي عرش العراق (سنة 1921).”

    وقد وافق شارل ديغول على طلب الشّيخ تاج وبعث برسالة خطيّة له،يدعوه فيها رسمياً لتسلّم رئاسة الجمهورية يوم 12 أيلول 1941. بدأت الرسالة بمخاطبة الشّيخ تاج بصفة “دولة الرئيس،” كونه رئيس وزراء أسبق، وانتهت بعبارة: “مع فائق الاحترام يا فخامة الرئيس.”

    الرئيس الحسني مع الجنرال ديغول في شوارع دمشق.

    ولكسب شرعية مضافة، طلب الشّيخ تاج من الزعيم الوطني حسن الحكيم، أحد أكثر السّياسيين السوريين نزاهة وأخبرهم في إدارة شؤون الدولة، أن يكون أول رئيس حكومة في عهده.

    وقد تعاون الشّيخ تاج مع الرئيس الحكيم ومع التيار الشهبندري الذي كان يقوده بعد مقتل عبد الرحمن الشهبندر، وجاء بأحد رموزه الكبار، وهو المحامي زكي الخطيب، وزيراً للعدل.

    وتعاون أيضاً مع بعض رجال الكتلة الوطنية أمثال فائز الخوري (شقيق الرئيس فارس الخوري) الذي سمّي وزيراً للخارجية، وفيضي الأتاسي (أحد أقرباء الرئيس هاشم الأتاسي) الذي عُيّن وزيراً للمعارف. كما قام بعيّن صهره الدكتور منير العجلاني، وهو عضو سابق في الكتلة الوطنية، مديراً عاماً لقصر الجمهوري ووزيراً لشؤون الرياضة والشباب، وهو منصب مستحدث خصيصاً له.

    الشيخ تاج الدين الحسني رئيساً للجمهورية سنة 1941.
    الشيخ تاج الدين الحسني رئيساً للجمهورية سنة 1941.

    ومن الملفت تعاون الشّيخ تاج مع الأقليات ودعوتهم لتسلّم مناصب حكومية في عهده، لتكون هي المرة الأولى في تاريخ سورية التي يدخل فيها الدروز والعلويين على السلطة التنفيذية. فجاء بمنير العباس من أبناء الطائفة العلوية وزيراً للأشغال وكلّف عبد الغفار باشا الأطرش من الموحدين الدروز بحقيبة الدفاع، وهو من قادة الثورة السورية الكبرى.

    استقلال سورية

    وفي 12 كانون الثاني 1942، أُقيم حفل كبير في السراي الحكومي وسط ساحة المرجة، احتفالاً بضم الجبلين إلى سورية، وصدر طابع بريدي بهذه المناسبة، حمل رسم الشّيخ تاج. بعدها أبرق وزير الخارجية فائز الخوري إلى عواصم العالم، معلناً استقلال سورية عن الانتداب الفرنسي باسم “فجامة رئيس الجمهورية تاج الدين الحسني المعظم.”

    طابع استقلال سورية في عهد الشيخ تاج.
    طابع استقلال سورية في عهد الشيخ تاج.

    وجاءت ردود رسمية من ملوك ورؤساء العالم، أضفت شرعية دولية على العهد الجديد ورئيسه المعين وغير المنتخب، كان من بينها رسالة تهنئة من ملك مصر فاروق الأول وملك السعودية عبد العزيز آل سعود وملك بريطانيا جورج السادس. وتبعتهم زيارة رسمية قام بها ملك اليونان جورج الثاني إلى دمشق، الذي حلّ ضيفاً على رئيس الجمهورية.

    ولكن علاقة الشّيخ تاج برئيس وزرائه حسن الحكيم لم تبقى على حالها وقد تدهورت سريعاً بسبب إصرار الأخير على إعادة فتح ملف التحقيق في جريمة اغتيال الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، الأمر الذي رفضه الشّيخ تاج لكي لا يُحرج السلطات الفرنسية. استقال حسن الحكيم من منصبه وكلّف حسني البرازي بتشكيل الحكومة جديدة، ولكنها أيضاً لم تستمر طويلاً بسبب الصراع الدائر بين رئيسها ورئيس الجمهورية حول صلاحيات الحكومة.

    بعد استقالة الرئيس البرازي في 8 كانون الثاني 1943 وقع الاختيار على جميل الألشي، وهو صديق قديم للشّيخ تاج، شارك معه في كافة حكوماته السابقة، ليكون رئيساً للحكومة. هذه الحكومة مثل سابقاتها ضمت عدداً من الوزراء الوطنيين ومنهم نقيب المحامين في حلب أسعد الكوراني، ولكنها لم تُعمّر بسبب وفاة رئيس الجمهورية بعد تسعة أيام فقط من تشكيلها يوم 17 كانون الثاني 1943.

    جنازة الرئيس تاج الدين الحسني في دمشق في كانون الثاني 1943.
    جنازة الرئيس تاج الدين الحسني في دمشق في كانون الثاني 1943.

    الوفاة

    شيعت دمشق الرئيس تاج الدين الحسني بجنازة رسمية وشعبية شارك فيها رئيس الجمهورية اللبنانية إميل أده وعدد من الدبلوماسيين العرب، ممثلين عن حكوماتهم. وقيل يومها إن الشّيخ تاج مات مسموماً وأن وفاته لم تكن طبيعية، ولكن الفرنسيين رفضوا تشريح الجثة أو فتح تحقيق بهذه الفرضية. تولّى جميل الألشي رئاسة الجمهورية بالوكالة من بعده حتى آذار 1943، وأُجريت انتخابات رئاسية في صيف ذلك العام أوصلت شكري القوتلي إلى سدة الرئاسة الأولى، خلفاً للشّيخ تاج.

  • بهيرة الدالاتي

    السيدة الأولى بهيرة الدالاتي
    السيدة الأولى بهيرة الدالاتي

    بهيرة الدالاتي (1909 – 1989)، سيدة سورية الأولى من آب 1943 وحتى آذار 1949 ومجدداً من أيلول 1955 وحتى قيام الوحدة السورية المصرية في شباط 1958، وهي زوجة الرئيس السوري شكري القوتلي.

    البداية

    ولِدت بهيرة الدالاتي في دمشق وهي كريمة المجاهد سعيد الدالاتي الذي تَعرّف على الوطني الشاب شكري القوتلي في السجن خلال نضالهم المشترك ضد الدولة العثمانية في زمن الحرب العالمية الأولى.

    الزواج

    اقترنت بهيرة الدالاتي بشكري القوتلي وهو منفي في مصر سنة 1928 وسافرت إلى القاهرة دون معرفة مسبقة بزوجها.

    وقد زُينت محطة القطار عند وصولها لاستقبال الملك أحمد فؤاد الأول، فقال لها القوتلي: “لقد زُيّنت مصر من أجلك.” وقد أنجبت منه ستة أولاد، توفي أكبرهم هيثم وهو طفل، أما بقية الأولاد فهم حسّان ومحمود وهدى وهناء وهالة القوتلي.

    نضالها الوطني

    شاركت بهيرة الدالاتي في معركة الاستقلال ضد الفرنسيين وبتهريب السلاح والمؤن لثوار غوطة دمشق خلال الثورة السورية الكبرى. كما قدمت دعماً نفسياً ومادياً لعائلات الشهداء والجرحى أيام الإضراب الستيني الذي قاده زوجها ضد الانتداب الفرنسي، وكان لها نشاط ملحوظ في كافة الجمعيات الخيرية السورية.

    سيدة سورية الأولى

    وأصبحت بهيرة الدالاتي سيدة سورية الأولى يوم انتخاب شكري القوتلي رئيساً للجمهورية يوم 17 آب 1943. لعبت دوراً هاماً في دعم القضية الفلسطينية وفي تأمين اللاجئين الفلسطينيين القادمين إلى سورية بعد احتلال بلادهم سنة 1948. وقد غادرت دمشق مع زوجها بعد وقوع الانقلاب الأول سنة 1949 واستقرت مع عائلتها في مصر بعد إقامة وجيزة في مدينة جنيف السويسرية.

    ثم عادت إلى سورية وباتت سيدة أولى مجدداً بعد عودة الرئيس القوتلي إلى الحكم في أيلول 1955. وقد سافرت معه في رحلته الشهيرة إلى آسيا عام 1957 والتقت مع زوجات رؤساء الباكستان والهند وكانت إلى جانبه خلال زيارته الأولى إلى موسكو خلال العدوان الثلاثي في تشرين الأول 1956 وعند اعلان الوحدة مع مصر سنة 1958.

    غادرت بهيرة الدالاتي دمشق مع الرئيس القوتلي في منتصف الستينيات واستقرت في بيروت حتى وفاة زوجها  عام 1967.

    السيدة بهيرة الدالاتي مع الرئيس شكري القوتلي وأولادهم.
    السيدة بهيرة الدالاتي مع الرئيس شكري القوتلي وأولادهم.

    الوفاة

    توفيت بهيرة الدالاتي في العاصمة الفرنسية باريس يوم 3 نيسان 1989 ونقل جثمانها إلى مسقط رأسها بدمشق ليوارى الثرى في مقبرة الباب الصغير، إلى جانب الرئيس شكري القوتلي.(1)

  • بشير العظمة

    الرئيس الدكتور بشير العظمة
    الرئيس الدكتور بشير العظمة

    بشير العظمة (1911-1992)، طبيب وسياسي سوري من دمشق، كان رئيساً للحكومة السورية في عهد الانفصال من نيسان وحتى أيلول عام 1962.

    البداية

    ولَد بشير العظمة في حيّ القيمرية  وهو سليل أسرة سياسية عريقة. دَرس في مدرسة الملك الظاهر في باب البريد ثمّ في ثانوية مكتب عنبر، قبل أن يلتحق بكلية الطب في جامعة دمشق ويتخرج منها سنة 1934. سافر بعدها إلى فرنسا وتخصص بالأمراض الصدرية ثم عاد إلى سورية وعَمل مُدرساً في جامعة دمشق حتى قيام الوحدة مع مصر سنة 1958.(1)

    وزيراً للصحة

    عُيّن بشير العظمة وزيراً مركزياً للصحة في الجمهورية العربية المتحدة، ولكنه استقال من منصبه في آب 1960. وفي مذكراته يعترف أنه كان متحمساً للوحدة في بداياتها وأنه شارك في “تزوير الإستفتاء” على الدستور وعلى رئاسة جمال عبد الناصر. وقد حاول الإعتذار عن وزارة الصحة قائلاً للرئيس المصري: “أنا بعيد جداً عن أجواء وممارسات الدواوين والإدارة وأخشى الفشل.” كما يُضيف قائلاً: “قضيت شهوراً عدة بل سنتين تقريباً من دون عمل ولا مسؤولية.”(2)

    رئيساً للحكومة

    بعد القضاء على جمهورية الوحدة، شارك بشير العظمة بإصدار بيان إدانة بحق الرئيس عبد الناصر، صدر يوم 2 تشرين الأول 1961. وبارك بالانقلاب العسكري الذي أطاح بالجمهورية العربية المتحدة على يد مجموعة من ضباط الجيش المحسوبين على كبرى العائلات الدمشقية.(3) وقع إنقلاب عسكري مضاد في 23 آذار 1962، هدد بإعادة فرض الوحدة مع مصر، قاده عبد الكريم النحلاوي، الذي أمر بإعتقال رئيس الجمهورية ناظم القدسي والوزراء.

    ولكن هذا التمرّد أُجهض من قبل ضباط الجيش الذين اجتمعوا في مدينة حمص وسط البلاد وقرروا إعادة الحياة النيابية مع تكليف بشير العظمة برئاسة حكومة إنتقالية مؤقتة، خلفاً لحكومة الدكتور معروف الدواليبي. مرة ثانية حاول العظمة الإعتذار، قائلاً للرئيس القدسي: “ليست لدي إمكانات ولا مؤهلات ولا رغبة في تحمل مسؤوليات في الظروف الشاذة القائمة. لم أمتهن السياسة ولا أعرف السياسيين.”(4)

    ولكنه قبل التكليف بعد إلحاح رئيس الجمهورية وشكل حكومته الأولى والأخيرة يوم 16 نيسان 1962، لتكون جاهزة لحضور الاستعراض العسكري الذي أقيم في شارع الرئيس شكري القوتلي بمناسبة عيد الجلاء. معظم وزرائة كانوا من المستقلين، غير المحسوبين على أي تيار سياسي، بإستثناء رشاد برمدا من حزب الشعب، الذي سُمّي نائباً لرئيس الحكومة ووزيراً للمعارف، وعبد الله عبد الدائم من حزب البعث، الذي أصبح وزيراً للإعلام.  وكان اشتراك حزب البعث في الحكم أحد شروط بشير العظمة للقبول بمنصب رئيس الحكومة.(5) كما جاء باللواء عبد الكريم زهر الدين من الجيش وعينه وزيراً للدفاع، إضافة لعمله قائداً عاماً للجيش والقوات المسلمة، وعيّن الأديب عبد السلام العجيلي وزيراً للثقافة والإرشاد القومي.

    الرئيس العظمة مع رئيس الجمهورية ناظم القدسي وأعضاء الحكومة سنة 1962.
    الرئيس العظمة مع رئيس الجمهورية ناظم القدسي وأعضاء الحكومة سنة 1962.

    حاول الدكتور العظمة بداية تقريب وجهات النظر مع مصر وجاء في بيان حكومته السعي نحو استعادة الوحدة ولكن ضمن شروط جديدة يتم الاتفاق عليها بالتشاور بين دمشق والقاهرة. هذا وقد سمح للصحف والمجلّات المصرية بان تدخل إلى سورية. وأرسل ثلاث ضباط إلى بيروت للإجتماع مع السفير المصري عبد الحميد غالب، ثم ذهب وزير خارجيته عدنان الأزهري إلى القاهرة للتفاوض مع الرئيس عبد الناصر.(6)

    وعندما فشلت مساعيه مع القاهرة، قدم العظمة شكوى رمسية ضد مصر أمام جامعة الدول العربية، مُتهماً الرئيس عبد الناصر بالتدخل في شؤون سورية الداخلية.(7) وقد استقال وزير خارجيته عدنان الأزهري من منصبه بعد فشل المفاوضات مع مصر وتم استبداله بالدكتور جمال الفرا.(8)

    وجهت انتقادات كثيرة لحكومة العظمة، بأنها غير دستورية لأنها جاءت إلى السلطة في ظلّ إنقلاب عسكري وحكمت البلاد من دون دستور أو مجلس نيابي. وقد دعا خالد العظم أعضاء المجلس النيابي القديم والمُنحل إلى اجتماع في داره وطالب بعودة الحكم الدستوري للبلاد وإلى تفعيل السلطة التشريعية المعطلة بموجب إنقلاب آذار 1962.(9) على اثر ذلك، قدم بشير العظمة استقالة حكومته في منتصف شهر أيلول من العام 1962، ولكنه عاد إلى الحكم مجدداً نائباً لرئيس الحكومة خالد العظم، الذي كلفه بترأس وفد سورية إلى الأمم المتحدة في تشرين الأول 1962.

    نشاطات أخرى

    شارك بشير العظمة في تأسيس جمعية مكافحة السل السورية عام 1954 وفي سنة 1961 انتُخب نقيباً للأطباء. كما أسس المجلّة الطبية العربية وكان رئيس لتحريرها حتى عام 1976. وقد وضع مُذكّرات قيمة حملت عنوان جيل الهزيمة بين الوحدة والانفصال، صدرت عن دار رياض نجيب الريّس في لندن سنة 1991.(10)

    الوفاة

    توفي بشير العظمة عن عمر ناهز 82 سنة يوم 5 نيسان 1992.

  • بسيم مراد

    بسيم مراد (1911 – 25 كانون الأول 1975)، صحفي سوري من دمشق، أسس جريدة الأخبار اليومية لتي صدرت من عام 1941 وحتى 8 آذار 1963.

    درس بسيم مراد في مدارس دمشق الحكومية وبدأ حياته مراسلاً لعدة سورية ولبنانية قبل إطلاق مشروعه الأول، مجلّة الخازوق الهزلية عام 1928.(1)  تبعتها مجلّة “الأسبوع المصوّر” وفي عام 1941 أطلق مراد جريدة يومية سياسية بإسم جريدة الأخبار. ظلّت جريدة الأخبار تصدر بشكل منتظم حتى عام 1949 عندما تم حجبها بأمر من مهندس الانقلاب الأول حسني الزعيم بسبب دعمها للرئيس شكري القوتلي.

    عادت بعد الإطاحة بحكم الزعيم وفي عام 1953 أخبر بسيم مراد على دمج جريدته مع جريدة النصر الدمشقية في عهد العقيد أديب الشيشكلي. توقفت جريدة الأخبار عن الصدور بعد وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963 وأُدين صاحبها بجريمة دعم الانقلاب الذي أطاح بجمهورية الوحدة مع مصر عام 1961.(2)

    الوفاة

    اعتزل بسيم مراد العمل الصحفي من بعدها وتوفي يوم 25 كانون الأول 1975.

  • بستان الرئيس

    منزل الرئيس شكري القوتلي في بستان الرئيس.
    منزل الرئيس شكري القوتلي في بستان الرئيس.

    بستان الرئيس، حي سكني عريق في مدينة دمشق يقع تحت ساحة الجسر الأبيض ويمتد إلى منطقة الطلياني، كان يُعرف بحيّ المحمّديات أيام الحكم العُثماني. تعود ملكية مُعظم أراضيه إلى الوجيه الدمشقي عُثمان باشا مردم بك، جد رئيس الوزراء جميل مردم بك، وقد لُقب ببُسان الرئيس بسبب تواجد منزل الرئيس شكري القوتلي فيه. ومن هذا الدار تم اعتقال الرئيس القوتلي يوم انقلاب حسني الزعيم سنة 1949. وفي كثير من الأحيان تسقط كلمة “بُستان” ويُشار إلى الحيّ بكلمة “الرئيس” فقط. ومن أشهر سكان الحيّ عائلات مردم بك وشخاشيرو والعلبي.(1)

  • بديع مؤيد العظم

    بديع مؤيد العظم
    بديع مؤيد العظم

    بديع مؤيد العظم (1870-1965)، سياسي سوري من دمشق، كان عضواً في مجلس المبعوثان ورئيساً لمجلس الشورى في عهد الملك فيصل الأول.

    انتُخب رئيساً للمجلس النيابي في دولة دمشق كما تسلّم عدة حقائب وزارية في زمن الاحتلال الفرنسي، منها العدل والزراعة.

    البداية

    ولِد بديع مؤيد العظم في دمشق وهو سليل أُسرة سياسية عريقة. دَرس في معهد الحقوق العثماني في اسطنبول وفور تخرجه، عُين في الديوان العام للإدارة المركزية لولاية سورية ثمّ كاتباً للواردات في شعبة المفوضية العامة.

    في عام 1897 انتقل إلى القسم القانوني وأصبح مديراً له حتى عام 1905، عند تعينه ناظراً للديوان العمومي في ولاية الموصل. وبعدها بست سنوات، نُقل إلى اسطنبول مفتشاً في هيئة الجمارك العثمانية.(1)

    عند نجاح انقلاب جمعية الاتحاد والترقي في صيف عام 1908، دعا السلطان عبد الحميد الثاني إلى انتخابات تشريعية في كافة أرجاء السلطنة.(2) فاز فيها بديع مؤيد العظم بمقعد نيابي في مجلس المبعوثان، ممثلاً عن دمشق سنة 1914.

    في حكومة الأمير سعيد الجزائري

    وبعد انسحاب الجيش العثماني من دمشق يوم 26 أيلول 1918 تم تشكيل مجلس حكم انتقالي من الأعيان برئاسة الأمير محمّد سعيد الجزائري وعضوية كل من فارس الخوري وشكري باشا الأيوبي وجميل الإلشي وبديع مؤيد العظم. قاموا بالإشراف على حماية القوات العثمانية المنسحبة من المدينة وبرفع علم الثورة العربية الكبرى فوق دار البلدية وسط ساحة المرجة، معلنين تحرير البلاد باسم الشريف حسين بن علي، قائد الثورة العربية الكبرى.

    ولكن هذا المجلس لم يستمر أكثر من ثلاثة أيام، فقد تم الإطاحة به فور وصول الضابط البريطاني توماس إدوارد لورنس إلى دمشق، بحجة أنه لم يكن مُكلفاً بحكم المدينة لا من الحلفاء ولا من الشريف حسين.

    في مجلس الشورى

    بايع بديع مؤيد العظم الأمير فيصل بن الحسين حاكماً عربياً على سورية يوم دخوله دمشق في 3 تشرين الأول 1918، وعُين على الفور عضواً في مجلس الشورى، ثم رئيساً له عام 1919. كُلّف مؤيد العظم بدراسة القوانين والمراسيم ووضع مقترحات للدولة السورية الناشئة ورفعها لابن عمّه محمد فوزي باشا العظم رئيس المؤتمر السوري، وهو أول برلمان مُنتخب في البلاد السورية بعد تحريرها من الحكم العثماني.(3)

    تجربة الحزب السوري الوطني

    شارك بديع مؤيد العظم في تأسيس حزب سياسي، يُدعى الحزب السوري الوطني، الذي عُرف شعبياً بحزب الذوات، نظراً لتواجد الكثير من الأعيان في صفوفه الأمامية مثل عبد الرحمن باشا اليوسف، أمير الحج الشامي والنائب الأسبق في مجلس المبعوثان، والشيخ عبد القادر الخطيب، خطيب الجامع الأموي، و الشيخ تاج الدين الحسني، نجل المحدّث الأكبر الشّيخ بدر الدين الحسني.(4)

    لم يكن لهذا الحزب أي برنامج سياسي واضح، سواء المطالبة باستقلال سورية بحدودها الطبيعية وضمان وحدة أراضيها، ولم يتضمن أي إشارة في أدبياته إلى ميول أعضائه العثمانية وانتقادهم المُبطن للدولة الهاشمية التي أقيمت في دمشق تحت راية الأمير فيصل. جاء في بيان التأسيس مطالبة أعضاء الحزب بنظام ملكي دستوري، يقيد صلاحيات الأمير فيصل ويجعله مسؤولاً أمام مجلس نواب مُنتخب. وطالبوا بالتساوي في الحقوق بين جميع مكونات الشعب السوري، دون التفريق بينهم على أي أساس عرقي أو ديني.

    وزيراً للعدل

    توّج الأمير فيصل ملكاً على البلاد يوم 8 آذار 1920 وبعدها بأربعة أشهر تمت الإطاحة به وبعهده في معركة ميسلون، على يد الجيش الفرنسي. وفي الساعات الأخيرة من تواجده في دمشق، شُكلت حكومة جديدة ذهبت رئاستها إلى علاء الدين الدروبي الذي عيّن بديع مؤيد العظم وزيراً للعدل يوم 25 تموز 1920.

    أشرفت هذه الحكومة على اجتثاث رجالات الملك فيصل من مفاصل الدولة السورية كافة ولكنها سقطت سريعاً يوم اغتيال رئيسها في قرية خربة غزالة يوم 21 آب 1920. ذهبت رئاسة الحكومة من بعدها للضابط الدمشقي جميل الإلشي، الذي كان قد عمل مرافقاً عسكرياً لفيصل ثم وزير للحربية خلفاً للشهيد يوسف العظمة. أُعلنت أسماء الوزراء الجدد يوم 6 أيلول 1920، وكان من ضمنهم بديع مؤيد العظم، وزيراً للعدل للمرة الثانية.

    كُلّف بمتابعة جريمة خربة غزالة ومعاقبة قتلة علاء الدين الدروبي اوستمر في منصبه حتى 30 تشرين الثاني 1920، عندما قدمت حكومة الأُلشي استقالتها، اعتراضاً على قرار فصل الأقضية الأربعة عن سورية وضمها إلى دولة لبنان الكبير.

    رئيساً لبرلمان دولة دمشق

    في ذلك العام، أعلَنت حكومة الانتداب الفرنسي تقسيم سورية إلى دويلات، منها دولة دمشق ودولة حلب ودولة جبل العلويين ودولة جبل الدروز، وعُين الوجيه الدمشقي حقي العظم حاكماً على دولة دمشق. وفي 1 كانون الأول 1920، تم تكليف مؤيد العظم بحقيبة العدل في حكومته، حيث أشرف على التحقيقات في محاولة إغتيال المندوب السامي الفرنسي  هنري غورو خلال زيارته إلى مدينة القنيطرة. حافظ بديع مؤيد العظم على منصبه الوزاري حتى 22 حزيران 1922.

    نائباً لرئيس الاتحاد السوري الفيدرالي

    وفي سنة 1922 جُمعت ثلاث دويلات في نظام حكم جديد ولّد ولادة قيصرية وعاش حياةً قصيرة لم تتجاوز الثمانية عشر شهراً، سمي بدولة الاتحاد السوري الفيدرالي. عاصمة الدولة الجديدة كانت حلب وكان نظام الحكم فيها يُعطي لكل دولة حق إدارة شؤونها المالية والعدلية والطابو والأوقاف والبرق والبريد والتعليم والدرك والأمن العام.

    أما عن عائدات دولة الاتحاد، فكان يحق لكل دولة ان تأخذ 50 في المئة من مواردها لنفسها وأن توزع ما تبقى بالتساوي على شقيقاتها من الدويلات، من دون التدخل في كيفية صرف هذه الأموال.(5)

    جاء في نظام الاتحاد واجب انتخاب مجلس نيابي لكل دولة، يكون له صوت واحد في إدارة الدولة الفيدرالية، عبر مجلس نيابي مركزي يجتمع دورياً في حلب وليس في دمشق. حُددت الانتخابات في حزيران 1923، وكانت الأولى من نوعها منذ بداية الاحتلال.

    انتُخب بديع مؤيد العظم رئيساً لبرلمان دولة دمشق ونائباً لرئيس الاتحاد صبحي بركات.  اعترض الأهالي بشدّة على هذا النظام وفي 1 كانون الثاني 1925، تمّت الإطاحة به من قبل الفرنسيين والجمع بين دولتي دمشق وحلب في كيان سياسي جديد سُمّي “الدولة السورية.”

    وزيراً في الدولة السورية

    ظلّ بديع مؤيد العظم خارج الحكم من يومها وحتى تشرين الأول 1930، عندما شُكلت حكومة جديدة ذهبت رئاستها إلى الشيخ تاج الدين الحسني، صديقه القديم من أيام الملك فيصل. عَينه الشيخ تاج وزيراً للزراعة، وفي 19 تشرين الأول 1931، كلّفه بحقيبة العدلية مجدداً وبحقيبة الداخلية، وكانت مهمته الإشراف على الانتخابات النيابية التي دعت لها فرنسا في سورية.

    رشح نفسه للمجلس النيابي وشكّل قائمة موحدة مع الشيخ تاج للوقوف في وجه الكتلة الوطنية، ضمّت حقي العظم ورئيس الوزراء الأسبق رضا باشا الركابي. ولكن وقبل هذه الانتخابات، أُجبر رئيس الحكومة على التخلي عن منصبه، فتمّ تكليف بديع مؤيد العظم برئاسة الحكومة بالوكالة حتى 11 حزيران 1932، وهو يوم انتخاب محمّد علي العابد رئيساً للجمهورية.

    الوفاة

    تقاعد بعدها بديع مؤيد العظم ولزِم منزله حتى وافته المنية عن عمر ناهز 95 عاماً سنة 1965.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!