فنانون

مصطفى العقاد

مخرج ومنتج سينمائي عالمي

مصطفى العقاد (1 تموز 1930 – 11 تشرين الثاني 2005) مخرج ومنتج سينمائي عالمي من حلب، كان أول عربي يصل إلى هوليوود وفيها أنتج سلسلة أفلام الرعب الأميركية هالويين في سبعينيات القرن العشرين، قبل انتقاله إلى أفلام هادفة وأكثر جدية عن العالم العربي والإسلامي، ومنها فيلم الرسالة الشهير سنة 1976 وفيلم عمر المختار عام 1981. يعدّ العقاد أحد أبرز المخرجين السوريين في القرن العشرين، وقد أسس لمدرسة فنية رفيعة وفريدة، كسرت القوالب الكلاسيكية في الطروحات السينمائية التاريخية وحققت نجاحاً باهراً على مستوى العالم العربي.

البداية

ولد مصطفى العقاد في حلب لأسرة متواضعة وكان والده موظفاً في مصلحة الجمارك. درس في مدرسة الفريريميست وفي الكلية الأمريكية بحلب. كان حلمه منذ الصغر أن يصبح مخرجاً سينمائياً ولكن والده رفض الفكرة بداية ليعود ويقبل بها تحت إصرار ابنه. عمل لمدة عام كامل في إحدى المصارف الأجنبية في حلب لتأمين ثمن تذكرة السفر إلى أمريكا، وعند مغادرته من مطار بيروت وضع له والده مبلغ مائتي دولار في جيب وفي جبيه الأخرى نسخة عن القرآن الكريم.

درس الفنون المسرحية في جامعة كاليفورنيا سنة 1954، وفي تعليقه على هذه المرحلة من حياته يقول: “غادرت إلى أمريكا فقيراً مادياً إلا أنني كنت غني أخلاقياً وتربويا ودينياً.” درس الماجستير في جامعة كاليفورنيا وانتُخب رئيساً لاتحاد الطلبة الأجانب، وبعد تخرجه عمل مساعداً للمخرج ألفريد هيتشوك وتوظف في شبكة CBS الإخبارية حيث عمل برنامجاً تلفزيونياً عن الوطن العربي بعنوان “كيف يرانا العالم؟” 

فيلم الرسالة

قبل نجاحه الكاسح في العالم العربي، أثبت مصطفى العقاد جدارته كمنتج عالمي عبر سلسلة أفلام الرعب هالويين، التي أدخلت الرعب في قلوب المراهقين الأميركيين في سبعينيات القرن العشرين. ومنها انطلق إلى أفلامه العربية والعالمية الهادفة، وكان أولها فيلم الرسالة سنة 1976 عن الرسالة النبوية من بداياتها، من بطولة النجم المصري عبد الله غيث بدور حمزة بن عبد المطلب والفنانة السورية منى واصف بدور هند بنت عتبة، زوجة أبي سفيان بن حرب. واختار النجم العالمي أنطوني كوين لدور حمزة في نسخة الفيلم الأجنبية، مع أيرين باباس بدور هند. 

مصطفى العقاد محاطاً بمنى واصف وأيرين باباس بدور هند في فيلم الرسالة.
مصطفى العقاد محاطاً بمنى واصف وأيرين باباس بدور هند في فيلم الرسالة.

 

حصل فيلم الرسالة على موافقات مسبقة من الأزهر أولاً ثم من المجلس الشيعي الأعلى في لبنان قبل توجهه إلى رابطة العالم الإسلامي في السعودية. وعن هذه الموافقات تحدث العقاد قائلاً: 

عندما قدّمت لهم السيناريو، قيل لي: الذي يريد معرفة الاسلام فليقرأ القرآن. أجبتهم: ولكن هنالك الأطفال الذين لا يستطيعون القراءة والأجانب الذين لا يستطيعون فهم القرآن، لعل الصورة تساعد الكثير لفهم الإسلام. عندما نطقت كلمة “صورة،” رد عليّ أحدهم: إن الصورة حرام، وأنا في أمريكا في جامعة كاليفورنيا علموني أن الذي اخترع نظرية الصورة هو الحسن بن الهيثم الأندلسي.

رفضت رابطة العالم الإسلامي تصوير الفيلم، ولكنها سرعان ما عدّلت من موقفها بفضل تدخل مباشر من الملك المغربي الحسن الثاني. صدرت موافقة للتصوير بشروط معينة، ومنها أن يُنجز العمل بسرعة، دون دعاية أو أية ضجيج إعلامي. وفي حديثه عن الفيلم يقول العقاد: “لم تكن غايتي تبشيرية، إنما هو شرح للإسلام بلغة الغرب وبممثليهم حتى بمنقطهم، كنت أتوقع أن تأتي المقاومة من الغرب، لكن المفاجأة أن المقاومة أتتني من العالم الإسلامي.”

بعد ستة شهور من العمل، تعرض ملك المغرب لضغوط لإيقاف التصوير، فتوجه العقاد إلى العقيد معمر القذافي وطلب منه المساعدة لإكمال المشروع. عُرض فيلم الرسالة في ثلاثة آلاف صالة سينما في أمريكا، وتعرض مخرجه إلى هجوم عنيف من المجموعات الإسلامية المتطرفة وصلت إلى تهديده بالقتل لأنه أظهر ناقة الرسول على الشاشة وجسّد شخصية بعض الصحابة مثل حمزة بن عبد المطلب وبلال الحبشي وغيرهم. ومع ذلك حقق فيلم الرسالة نجاحاً منقطع النظير في العالم الإسلامي وتمت دبلجته لأكثر من ثلاثين لغة. وعند تحضير الرئيس جورج بوش الابن لغزو العراق سنة 2003 قام الجيش الأميركي بشراء عدة نسخ من فيلم الرسالة لعرضها على الجنود بهدف تعريفهم عن دين الإسلام، ويقول العقاد بحسرة: “يا ريتهم تعلموا شيء من الفيلم عن حقيقة الإسلام.” 

مصطفى العقاد مع انطوني كوين بدور عمر المختار.
مصطفى العقاد مع انطوني كوين بدور عمر المختار.

فيلم أسد الصحراء

وفي سنة 1981 كان فيلم مصطفى العقاد الثاني أسد الصحراء عن مسيرة المجاهد الليبي عمر المختار، وهو من بطولة الممثل العالمي أنطوني كوين. بلغت ميزانيته 35 مليون دولار أميركي، تحملها العقيد معمر القذافي المعجب بشخصية عمر المختار، وتم تصوير معظم الأحداث في الصحراء الليبية. جاء فيلم أسد الصحراء بنسخة أجنبية رئيسية ونسخة عربية مدبلجة، ويقول عنه العقاد: “فيلم عمر المختار، يرمز لأي كفاح عربي ضد الاستعمار.” لم يقل نجاح أسد الصحراء عن نجاح فيلم الرسالة وقد عرض في الصالات الأميركية وعلى شبكة HBO.

 

صلاح الدين الأيوبي

آخر مشاريع العقاد الضخمة كان فيلم عالمي عن صلاح الدين الأيوبي، لم ير النور بسبب مقتله سنة 2005. بدأ البحث عن تمويل للفيلم منذ نهاية التسعينيات، واتفق العقاد جاء مع النجم الإسكتلندي شون كونوري لأداء دور صلاح الدين. وقد جاء معه العقاد إلى دمشق سنة 2002، برفقة رجل الأعمال السوري وفيق سعيد، أحد منتجي فيلم هالويين الأساسيين.  تحدث العقاد عن هذا المشروع قبل وفاته قائلاً:

صلاح الدين يمثل الإسلام تماماً. الآن، الإسلام يصّور كدين إرهابي. حصل الدين كله على هذه الصورة بسبب وجود عدة مسلمين إرهابيين. إذا كان هناك دين ممتلئ بالإرهاب، فيمكن قول ذلك عن المسيحية أيام الحملات الصليبية. لكننا في الواقع لا يمكننا لوم المسيحية كدين بسبب مغامرات بعض أتباعها آنذاك. هذه هي رسالتي.

أعماله

الوفاة

كان مصطفى العقاد في بهو فندق غراند حياة يوم وقوع انفجار إرهابي نفذه تنظيم القاعدة في العاصمة الأردنية عمّان يوم 9 تشرين الثاني 2005.  توفيت ابنته ريما فوراً، وفارق هو الحياة متأثراً بجراحه يوم 11 تشرين الثاني 2005. قلده الرئيس السوري بشار الأسد وسام الاستحقاق من الدرجة الممتازة وسمّيت مدرسة على اسمه في حلب، كما أطلق الملك عبد الله الثاني اسمه على أحد شوارع العاصمة الأردنية عمّان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !