أحداث

انقلاب حسني الزعيم (29 آذار 1949)

أول انقلاب عسكري في سورية

انقلاب حسني الزعيم، أول انقلاب عسكري في سورية وثاني انقلاب في الوطن العربي بعد انقلاب بكري صدقي في العراق سنة 1936، نفذه قائد الجيش السوري ضد رئيس الجمهورية شكري القوتلي في 29 آذار 1949. جاء الانقلاب على خلفية هزيمة الجيش السوري في حرب فلسطين وتهجّم أعضاء الطبقة السياسية الحاكمة على أركان المؤسسة العسكرية، وكانت أولى نتائجه تعطيل المجلس النيابي والدستور، مع حظر نشاط جميع الأحزاب واعتقال كلاً من الرئيس القوتلي ورئيس الحكومة خالد العظم.

وعد الزعيم باستعادة الحياة النيابية ولكنه لم يفعل، مع أنه وضع دستور جديد للبلاد وانُتخب بموجبه رئيساً للجمهورية في 26 حزيران 1949.  شهد عده القصير – الذي لم يستمر إلا 136 يوم – حزمة من الإصلاحات التشريعية وكثير من الأحداث السياسية، كان في مقدمتها التوقيع على اتفاقية الهدنة مع إسرائيل وتسليم أنطون سعادة إلى لبنان، حيث أعدم من قبل رئيس الحكومة اللبنانية رياض الصلح في 8 تموز 1949. تسارعت الأحداث من بعدها وصولاً إلى انقلاب اللواء سامي الحناوي الذي أطاح بالزعيم وأعدمه رمياً بالرصاص فجر يوم 14 آب 1949.

الخلفية التاريخية

كان حسني الزعيم قد خدم في جيش الشرق في زمن الانتداب الفرنسي وسرح منه على خلفية اختلاس أموال سنة 1941. أعاده الرئيس القوتلي إلى الخدمة العسكرية في مطلع عهد الاستقلال وتدرج في المناصب وصولاً لتعيينه قائداً للجيش في 25 أيار 1948، أي بعد عشرة أيام من اندلاع حرب فلسطين. تمكن الجيش السوري من احتلال مساحة جغرافية كانت مخصصة لدولة إسرائيل بموجب قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1947، ولكنه أجبر على تركها والانسحاب وفشل في حملته على مستعمرتي دكانيا آ ودكانيا ب، بعد فرض الهدنة الأولى.

تبادل الضباط اتهامات مع القيادة السياسية حول مسؤولية ما حدث في الميدان، وشنّت حملة عنيفة ضد الزعيم في الصحف وتحت قبة المجلس النيابي، تزعمها النائب فيصل العسلي، رئيس الحزب التعاوني الاشتراكي. وشُكلت لجنة برلمانية تحقيق للتحقيق في فساد بعض الضباط المقربين من الزعيم، مثل مدير تموين الجيش أنطون البستاني، الذي أدين بقضية “السمن المغشوش” وإطعام الجنود طعاماً غير صالح للاستهلاك. بعد جولة على الجبهة، أمر القوتلي باعتقال البستاني ومحاكمته ولكن الزعيم رفض تنفيذ الأوامر وخبأه في قبو وزارة الدفاع.

حسني الزعيم مع الرئيس شكري القوتلي سنة 1948 (المصدر: حركة البناء الوطني)
حسني الزعيم مع الرئيس شكري القوتلي سنة 1948 (المصدر: حركة البناء الوطني)

دعا الزعيم لاجتماع موسع في مدينة القنيطرة في شباط 1949، وضع في مذكرة إلى الرئيس القوتلي، مطالباً باعتقال فيصل العسلي ومحاكمته بتهمة تحقير قيادة الجيش. وجاء في المذكرة مطالب أخرى، كان أهمها:

  • محاكمة المسؤولين عن عدم تحضير الجيش وإعداده وتسليحه
  • تصديق قانون الجيش من قبل المجلس النيابي قبل إقرار الموازنة العامة
  • عدم التعرض لأمور الجيش في جلسات علنية والكف عن مناقشة المسائل العسكرية من قبل المدنيين.

لم يقرأ الرئيس القوتلي المذكرة ولم ينظر في مطالب القادة العسكريين، بل قال للزعيم: “أهكذا أصبح الجيش مثل المخاتير، ينظم مذكرات ومعروضات؟” نصح القوتلي بتدريب الجيش وتنظيمه بدلاً من تقديم الاستدعاءات، وطلب إلى الزعيم أن يأتيه المعروض حسب التسلسل عن طريق وزير الدفاع ورئيس الحكومة خالد العظم. وكان العظم ينظر إلى الزعيم نظرة شك وريبة وبطالب بتسريحه عند أول فرصة، وعندما جاء الأخير ومعه المعروض أبقاه ينتظر مدة ليست بقصيرة، ثم أخذ منه الطلب ولم ويلبي شيء من مطالب العسكريين.

الزعيم حسني الزعيم
الزعيم حسني الزعيم

ليلة الانقلاب

في تمام الساعة الثانية والنصف فجراً من 29 آذار 1949، أعطى الزعيم أوامر لوحداته بدخول العاصمة السورية من محاور عدة. توجهت مجموعة لاعتقال القوتلي من داره في محلة بستان الرئيس وأخرى لاعتقال العظم من داره الكائنة في سوق ساروجا، وقيدوا إلى سجن المزة. وتوجهت مجموعة ثالثة إلى مبنى المجلس النيابي وأمر الزعيم بتطويق إذاعة دمشق وإذاعة البيانات العسكرية، مع احتلال قيادة الشرطة والأمن العام وبناء الهاتف الآلي.

اعتقل النائب فيصل العسلي ومعه مدير الإذاعة فؤاد الشايب لرفضه إذاعة البلاغ رقم 1. قُطعت الاتصالات مع العالم الخارجي وأغلقت الحدود السورية كافة، مع اغلاق المجلس النيابي وتعطيل الدستور في 1 نيسان 1949. سقطت دمشق بيد الزعيم دون أي مقاومة وفي الصباح الباكر، أذيع البلاغ رقم واحد:

مدفوعين بغيرتنا الوطنية، ومتألمين مما آل إليه وضع البلد من جراء افتراءات وتعسُّف من يدّعون أنهم حكامنا المخلصون؛ لجأنا مضطرين إلى تسلم زمام الحكم مؤقتا في البلاد وسنقوم بكل ما يترتب علينا نحو وطننا العزيز، غير طامحين إلى استلام الحكم، بل القصد من عملنا هو تهيئة حكم ديمقراطي صحيح، يحل محل الحكم الحالي المزيف.

فرض الزعيم القوانين العرفية على سورية وفي 6 نيسان 1949 انتزع كتاب استقالة من الرئيس القوتلي، بواسطة رئيس المجلس النيابي المُنحل فارس الخوري. سُمِح للقوتلي بمغادرة البلاد إلى مصر وفي 26 حزيران 1949، انتخب حسني الزعيم رئيساً للجمهورية بموجب استفتاء شعبي، كان الأول من نوعه في سورية، ووضع دستور جديد للبلاد.

كتب مدير مكتب الزعيم وعديله الصحافي نذير فنصة في كتابه أيام حسني الزعيم:

في 30 آذار 1949، شوهد مواطن يقترب من أحد الجنود الذي كان يقف بالقرب من دبابته على مدخل مبنى البرلمان في شارع الصالحية ويسأله: أخي شو في؟ فأجاب الجندي: انقلاب. فسأل المواطن بنبرة بريئة: انقلاب؟ شو يعني؟ كان هذا هو الواقع آنذاك، لم يكن يعرف أحد ما هو الانقلاب العسكري.

الدور الأمريكي

في كتابه الشهير لعبة الأمم، يقول موظف وكالة الاستخبارات الأمريكية مايلز كوبلاند:

كان انقلاب حسني الزعيم من إعدادنا وتخطيطنا فقد قام فريق العمل السياسي بإدارة الميجر ميد بإنشاء علاقات صداقة منتظمة مع حسني الزعيم ومن خلال هذه الصداقة اضطلعنا نحن في السفارة بمهمة وضع كامل خطة الانقلاب.

أما وكالة تاس السوفيتية فإنها تجعل الانقلاب إنتاجاً مشتركاً بين الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، حيث تقول في نشرة لها أصدرتها يوم وقوعه:

وكان انقلاب حسني الزعيم مؤامرة دبرتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، بالتعاون مع السفارة الفرنسية بدمشق، للإطاحة بالنفوذ البريطاني في المنطقة، فمن المعروف أن هذه المنطقة الغنية بالنفط تشهد اليوم صراع الحلفاء من أجل الثروة.

وكانت الولايات المتحدة تريد التخلص من القوتلي لرفضه توقيع اتفاقية هدنة مع إسرائيل أسوة ببقية القادة العرب، ومعارضته لمسعى شركة أرامكو الأمريكية في مد خطوط نقل النفط السعودي (شركة التبلاين) إلى البحر المتوسط عبر سورية. فور وصوله إلى الحكم، دخل الزعيم في مفاوضات الهدنة تحت رعاية الأمم المتحدة وصدق على مشروع التابلاين لإرضاء إدارة الرئيس هاري ترومان، فقيل من يومها أن انقلابه كان انقلاباً أمريكياً.

إنجازات الانقلاب

المجال المدني

أصدر الزعيم مجموعة من التشريعات، كان من ضمنها:

  • أول قانون مدني في سورية.
  • قانون بفرض الضريبة على الأرباح الفاحشة.
  • قانون عقوبات جديد بدلاً من قانون الجزاء العثماني.
  • قانون تجاري جديد بدلاً من قانون التجارة العثماني.
  • إعطاء المراءة السورية حق الانتخاب والترشح للمجلس النيابي.

في المجال العسكري

عزز الزعيم مكانة الجيش من خلال زيادة عدد أفراده بتطبيق نظام خدمة العلم، وزيادة عدد ضباطه من خلال تعيين نفر من الضباط العراقيين في الجيش والطيران وتجنيس الضباط اللبنانيين الذين يرغبون في الخدمة في الجيش العربي السوري، كما أمر بتسوية أوضاع حوالي ستين ضابطاً فلسطينياً تم تثبيتهم برتبة ملازم ثان في الجيش السوري. رقى نفسه لرتبة مشير فكان أول ضابط سوري يحمل هذه الرتبة، وحصر حق إصدار المراسيم في القيادة العامة للجيش، وبذلك صار على رأس السلطة التشريعية والتنفيذية. اهتم بتزويد الجيش بالعدد اللازم من الأطباء والصيادلة سواء عن طريق التطوع أم عن طريق الدعوة إلى خدمة العلم. كما أشرك فئات المدنيين في واجب المساهمة في الدفاع عن الوطن، وأصدر الزعيم قانوناً جديداً لتنظيم وزارة الدفاع الوطني بالإضافة إلى كل ذلك سلسلة من المراسيم والقرارات التنظيمية ضمن إطار قيادة الجيش ورئاسة الأركان العامة التي تولاها اللواء عبد الله عطفة من جديد.

نهاية حسني الزعيم

كان الزعيم عائداً من حفل خيري في فندق بلودان الكبير، وأثناء غيابه جهز اللواء سامي الحناوي انقلاباً ضده، وكلف الضابط فضل الله أبو منصور باعتقاله من منزله، حيث وضِع في مُصفحة ونُقل إلى منطقة مهجورة بالقرب من مقبرة الفرنسيين في بساتين المزّة، وأُلحق به رئيس الحكومة محسن البرازي، ثم أعدما رمياً بالرصاص.

إمعاناً بالإذلال، أمر سامي الحناوي بدفن حسني الزعيم في قبر مجهول في قرية أم الشراطيط بريف دمشق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !