أعلام وشخصياتأعيانسياسيون ورجال دولة

رشدي الكيخيا

مؤسس حزب الشعب ورئيس المجلس النيابي سنة 1949.

الرئيس رشدي الكيخيا
الرئيس رشدي الكيخيا

رشدي الكيخيا (1900 – 14 آذار 1987)، زعيم وطني سوري من مدينة حلب ومؤسس حزب الشعب مع الدكتور ناظم القدسي سنة 1948. بدأ مسيرته السياسية في صفوف الكتلة الوطنية، معارضاً للانتداب الفرنسي، قبل أن ينشق عنها في منتصف الثلاثينيات، وأسس حزب الشعب في مطلع عهد الاستقلال. عُيّن وزيراً للداخلية في حكومة هاشم الأتاسي الثانية سنة 1949، وانتُخب رئيساً للمؤتمر التأسيسي الذي وضع دستور عام 1950. وعندما تحول المؤتمر إلى مجلس نيابي بعد الانتهاء من صياغة الدستور أصبح الكيخيا رئيساً له حتى سنة 1951. وقد رفض الترشح لرئاسة الجمهورية مرتين، كانت الأولى بعد انتهاء ولاية هاشم الأتاسي سنة 1955 والثانية في أعقاب انهيار جمهورية الوحدة مع مصر عام 1961.

البداية

ولِد رشدي الكيخيا في حلب وهو سليل عائلة سياسية عريقة، حيث كان جدّه أحمد الكيخيا نائباً في مجلس المبعوثان. تلقى علومه في الكليّة الإسلاميّة في بيروت، ولم يُكمل تحصيله الجامعي لتفرّغه للعمل الزراعي قبل الانتقال إلى العمل والسياسي.(1)

مرحلة الكتلة الوطنية 1932-1939

انتسب رشدي الكيخيا في شبابه إلى الكتلة الوطنية وكان عضواً في هيئتها العامة سنة 1932. انتُخب نائباً في البرلمان السوري على قوائم الكتلة سنة 1936، قبل انشقاقه عنها بعد ثلاث سنوات بسبب فشلها في الحفاظ على منطقة لواء إسكندرون ومنع ضمّها إلى تركيا.(2) أعيد انتخابه نائباً سنة 1943 حيث ترأس كتلة نيابية عُرفت باسم “الكتلة الدستورية،” تمكنت من اختراق قوائم الكتلة الوطنية في حلب التي كان برئاسة سعد الله الجابري.(3)

تأسيس حزب الشعب

وفي بداية عهد الاستقلال، اصطدم الكيخيا مع رئيس الجمهورية شكري القوتلي، الذي سعى بعض نواب دمشق إلى تعديل الدستور لأجله والسماح له بولاية رئاسية ثانية. دعا  الكيخيا إلى اجتماع في بلدة فالوغا اللبنانية، هدفهُ تحويل “الكتلة الدستورية” إلى حزب سياسي معارض للرئيس القوتلي والحزب الوطني الحاكم في دمشق، وريث الكتلة الوطنية التي تم حلها سنة 1946. أُطلق عليه اسم حزب الشعب، وقد استلهم الكيخيا اسمه من حزب قديم كان برئاسة عبد الرحمن الشهبندر في مرحلة العشرينيات لكنه انهار مع بدء الثورة السورية الكبرى سنة 1925. لم يكن لحزب رشدي الكيخيا  أي سياسة عقائدية أو فلسفة، باستثناء الدعوة إلى وحدة عربية شاملة، تكون بدايتها بين سورية والعراق.(4)

تعددت أسباب معارضة الكيخيا للحزب الوطني، ابتداء من إصرار قادته على تعديل الدستور لأجل القوتلي، مروراً بتزوير انتخابات عام 1947، وصولاً إلى اتباع سياسة إقليمية مؤيدة للسعودية ومصر، في وقت كان زعماء حلب وفي مقدمتهم الكيخيا أقرب جغرافياً واقتصادياً وسياسياً إلى العراق.

وكان الكيخيا قد خاض انتخابات عام 1947 منفرداً مع صديقة الدكتور ناظم القدسي، وفاز كلاهما بعضوية مجلس النواب. صوتوا ضد تعديل الدستور وعندما نهوض القوتلي لإلقاء القسم بعد تجديد ولايته، غادروا قاعة البرلمان غضباً واحتجاجاً.(5) وقد انضم عدد كبير من أعيان حلب إلى صفوف حزب الشعب، مثل مصطفى برمدا ومعروف الدواليبي وعبد الوهاب حومد، ما أعطى الحزب صبغة حلبية قوية، على الرغم من وجود كتلة دمشقية فيه ممثلة بنسيب البكري وعلي بوظو ورشاد جبري، إضافة إلى كتلة حمصية برئاسة الدكتور عدنان الأتاسي، نجل رئيس الجمهورية السابق هاشم الأتاسي. وقد تمكن الكيخيا من توحيد صفوف المعارضة الحلبية للقوتلي في حزب الشعب بعد وفاة سعد الله الجابري، المُقرب جداً من شكري القوتلي والمهيمن على المشهد السياسي الحلبي حتى سنة 1947.

رفض التعاون مع حسني الزعيم

نظراً لموقفه المعارض للرئيس القوتلي، دُعي رشدي الكيخيا إلى دمشق يوم انقلاب حسني الزعيم في صباح 30 آذار 1949، حيث عُرض عليه التعاون مع العهد الجديد بعد الإطاحة بالقوتلي وسجنه. بعض أعضاء حزب الشعب قبوا التعاون، مثل علي بوظو الذي أصبح مستشاراً لحسني الزعيم، وفيضي الأتاسي الذي عُيّن وزيراً في وزيراً في حكومة الزعيم، ولكن الكيخيا رفض دعم الزعيم أو المشاركة بعهده، معتبراً أنه مخالف للدستور وساقط من الناحية الأخلاقية.(6) وقد ردّ الزعيم بحل حزب الشعب، وإبعاد الكيخيا عن المشهد السياسي طيلة فترة حكمه في سورية.

الكيخيا وزيراً للداخلية 

وفي 14 آب 1949 وقع انقلاب عسكري جديد في سورية بقيادة اللواء سامي الحناوي، أطاح بحكم حسني الزعيم وأدى إلى إعدامه رمياً بالرصاص. كان اللواء الحناوي محسوباً على العراق ومقرباً من حزب الشعب ورشدي الكيخيا. وفي اجتماع كبير دعا إليه الحناوي في مبنى الأركان العامة بدمشق وحضره الكيخيا ممثلاً عن حزبه، تقرر عودة هاشم الأتاسي إلى الرئاسة وانتخاب مؤتمر تأسيسي تكون مهمته وضع دستور جديد للبلاد بدلاً من الدستور القديم الذي قام حسني الزعيم بتعطيله قبل بضعة أشهر.(7) شكّل هاشم الأتاسي حكومة وطنية جامعة في 14 آب 1949 شاركت بها كل الأحزاب، وعيّن رشدي الكيخيا وزيراً للداخلية، ممثلاً عن حزب الشعب، وأصبح زميله ناظم القدسي وزيراً للخارجية.

رئيساً لمجلس النواب سنة 1949

أشرفت حكومة الأتاسي على انتخاب جمعية تأسيسية، فاز حزب الشعب بغالبية مقاعدها وانتُخب الكيخيا رئيساً لها. وعند الانتهاء من صياغة الدستور تحولت الجمعية التأسيسية إلى مجلس نواب بصلاحيات تشريعية كاملة، وأصبح الكيخيا رئيساً له اعتباراً من 2 كانون الأول 1949. وكان الدستور الجديد هو الثاني في مرحلة الاستقلال بعد دستور حسني الزعيم، وقد أعطيت فيه المرأة السورية حق الانتخاب وتم سحب عدد من صلاحيات رئيس الجمهورية وإعطائها إلى رئيس مجلس الوزراء.

رشدي الكيخيا على أبواب البرلمان السوري مع أعضاء حزب الشعب عبد العزيز حلاج وأحمد قنبر.
رشدي الكيخيا على أبواب البرلمان السوري مع أعضاء حزب الشعب عبد العزيز حلاج وأحمد قنبر.

توجه بعدها الرئيس الأتاسي، بدعم من رشدي الكيخيا، نحو مفاوضات لإقامة وحدة فيدرالية مع العراق وأُرسل ناظم القدسي إلى بغداد لمناقشة تفاصيل الوحدة، بعد تعيينه رئيساً للحكومة في كانون الأول 1949. وقد أيّد اللواء سامي الحناوي هذه الوحدة من منصبه الجديد في رئاسة الأركان، ولكن الكثير من ضباط الجيش عارضوها بشدة، وكان على رأسهم العقيد أديب الشيشكلي.

وفي 19 كانون الأول من العام 1949، نفّذ الشيشكلي انقلاباً جديداً داخل المؤسسة العسكرية، حيث قام باعتقال سامي الحناوي وجميع الضباط المؤيدين لمشروع الوحدة مع العراق. وقد أفقد هذا الانقلاب حزب الشعب الدعم الذي كان يحظى به داخل الجيش السوري، وأنهى المفاوضات الجارية بين سورية والعراق.

معارضاً لحكم الشيشكلي 1951-1954

استقال رشدي الكيخيا من منصبه ولزم الصمت في داره بحلب، احتجاجاً على تجاوزات الشيشكلي. وفي 29 تشرين الثاني 1951، قاد الشيشكلي انقلاباً جديداً ضد حزب الشعب، طال حكومة الدكتور معروف الدواليبي، الذي كان قد رفض الانصياع إلى مطالب الجيش بتعيين الضابط فوزي سلو في وزارة الدفاع.  أمر الشيشكلي باعتقال كل من رشدي الكيخيا وناظم القدسي ومعروف الدواليبي، مع بقية أعضاء حزب الشعب، وقد وصفهم جميعاً بالعملاء للعراق.

استقال هاشم الأتاسي من رئاسة الجمهورية في 3 كانون الأول 1951، وقام الشيشكلي بتعيين فوزي سلو رئيساً للدولة والحكومة ابتداء من شهر كانون الأول عام 1951 ولغاية تموز 1953، عندما تولّى الرئاسة بنفسه. كما أصدر الشيشكلي مرسوماً بحل جميع الأحزاب، وفي مقدمتها حزب الشعب، الذي تم حله للمرة الثانية خلال ثلاث سنوات.

عند خروجه من السجن انضم الكيخيا إلى صفوف العارضة وحضر اجتماعاً كبيراً عقد في دار هاشم الأتاسي في حمص، تقرر فيه عدم الاعتراف بشرعية حكم الشيشكلي والعمل على إسقاطه بكل الطرق القانونية. ردّ الشيشكلي باعتقال الكيخيا مجدداً صبيحة يوم 27 كانون الثاني 1954، مع جميع أعضاء حزبه المنحل.

ناسك الرئاسة

استمر حكم الشيشكلي حتى 25 شباط 1954، وبعد الإطاحة به عاد هاشم الأتاسي إلى دمشق لإكمال ما تبقى من ولايته الدستورية حتى أيلول 1955. طلب الأتاسي من رشدي الكيخيا تشكيل حكومة وحدة وطنية للإشراف على الانتخابات البرلمانية المقبلة ولكنه اعتذر احتجاجاً على تدخلات العسكر بالسياسة.(8) وفي سنة 1955 رفض الترشح لرئاسة الجمهورية خلفاً لهاشم الأتاسي، وكرر رفضه سنة 1961، عندما طُلب منه الترشح للرئاسة بعد إسقاط جمهورية الوحدة مع مصر. وقد برر الكيخيا موقفه الصارم قائلاً:

ليس عندي حل وسط، إما أن أكون رئيساً بكل ما في الكلمة من معنى، وسلطتي لا تخضع لهيمنة أحد وسلطة الدستور مستقلة تماماً، وإما فلا. إنّ تدخل العسكر في شؤون البلاد مرفوض عندي.(9)

الكيخيا وحلف بغداد

وفي منتصف الخمسينيات، دخل رشدي الكيخيا في مواجهة مع الناصريين، المدعومين محليّاً من قبل المؤسسة العسكرية، وإقليمياً من الرئيس المصري جمال عبد الناصر. سبب الخلاف كان موقف الكيخيا الداعم لحلف بغداد، حيث رأى فيه حماية من طموحات العسكر، معتبراً أن دعم الدول الغربية لسورية سوف يقلّص من النفوذ السوفيتي الذي بدأ يطفو على معظم الدول العربية خلال سنوات الحرب الباردة. وقد حاول الكيخيا جاهداً العودة إلى مشروع الوحدة السورية – العراقية، الذي كان قد أُجهض سنة 1949، ولكن فرص نجاحه هذه المرة باتت ضئيلة جداً بسبب تراجع نفوذ الأسرة الهاشمية الحاكمة في بغداد وصعود جمال عبد الناصر في مصر، الذي عارض حلف بغداد واتهم قادة العراق وكل من يقف معهم بالعمالة لإسرائيل.

الكيخيا بين الوحدة والانفصال

لم يكن رشدي الكيخيا مُتحمساً للوحدة مع مصر سنة 1958 ولكنه لم يُعارضها، نظراً للحماس الشعبي الذي أحاط بالرئيس عبد الناصر. وعند الإعلان عن قيام جمهورية الوحدة، صدر قرار عن عبد الناصر بحلّ جميع الأحزاب في سورية، بما فيها حزب الشعب. لم يمانع الكيخيا هذا القرار ولم يعترض، بل قبل به مجبراً وقام وأصدر أمراً إدارياً بإغلاق مكاتب الحزب، نزولاً عند رغبة رئيس الجمهورية العربية المتحدة.

رشدي الكيخيا جالساً بين الرئيس شكري القوتلي والرئيس جمال عبد الناصر سنة 1958.
رشدي الكيخيا جالساً بين الرئيس شكري القوتلي والرئيس جمال عبد الناصر سنة 1958.

وبعد خمسة أشهر من ولادة الوحدة السورية المصرية، تعرض حزب الشعب المُنحل إلى ضربة قاسية يوم 14 تموز 1958، عند وقع انقلاب عسكري في العراق، أودى بحياة الملك فيصل الثاني وجميع أفراد العائلة الهاشمية. سقوط الحكم الملكي في بغداد أفقد حزب الشعب البعض الإقليمي الذي كان يحظى به منذ سنة 1948، وجعله عرضة لاتهامات كبرى وتخوين من قبل أجهزة المخابرات المصرية، بسبب موقف الكيخيا المعارض لنظام الحكم العسكري الجديد في العراق.

مع ذلك لم يسكت رشدي الكيخيا خلال سنوات الوحدة، وكان له موقف صريح في قانون الإصلاح الزراعي الصادر عن رئيس الجمهورية في أيلول 1958، حيث اعتبره هداماً ومضراً بالاقتصاد السوري الحر، كما عارض قرار تأميم المصارف والمصانع في تموز 1961. وعندما وقع انقلاب عسكري على جمهورية الوحدة في 28 أيلول 1961، سارع الكيخيا لتأييده، كما بارك انتخاب زميله وصديقه في حزب الشعب، الدكتور ناظم القدسي، رئيساً للجمهورية في 14 كانون الأول 1961.

ولكنه بدأ من يومها بالانسحاب التدريجي من الحياة السياسية، على الرغم من عودة حزب الشعب إلى العمل ومشاركته في الانتخابات النيابية سنة 1961. وقد تم اعتقاله في 28 آذار 1962، عند قيام  عبد الكريم النحلاوي بانقلاب على الرئيس القدسي، حيث تم اعتقالهما معاً في سجن المزة. ولكن قائد الجيش اللواء عبد الكريم زهر الدين اعترض على محاولة النحلاوي التفرد بالسلطة وأمر  بإطلاق سراحهم بعد انعقاد مؤتمر حمص في 1 نيسان 1962.(9)

الكيخيا بعد 8 آذار 1963

وعند وصول حزب البعث إلى السلطة في 8 آذار 1963 تم اعتقال القدسي مجدداً فقرر الكيخيا اعتزال العمل السياسي بشكل نهائي. صدر قرار عن مجلس قيادة الثورة بحل جميع الأحزاب، وتم حلّ حزب الشعب مجدداً، للمرة الثالثة والأخيرة. وقد اعتقل الكيخيا على الرغم من اعتزاله الشأن العام في 16 آب 1966، بأمر من اللواء صلاح جديد، وذلك بسبب أفكاره المعارضة للاشتراكية. صدر قرار بمصادرة أمواله وأملاكه، ونقل الكيخيا إلى سجن تدمر وسط الصحراء، حيث يقي سجيناً حتى سنة 1967، عندما أطلق سراحه مع سائر المعتقلين السياسيين أثر هزيمة سورية والعرب في حرب حزيران.(10)

الوفاة

وجّهت السلطات السورية “نصيحة” إلى رشدي الكيخيا بضرورة مغادرة البلاد فوراً، لأن وجوده أصبح عبئاً ثقيلاً على الطبقة السياسية الحاكمة. استجاب الكيخيا لهذه “النصيحة” وشدّ الرحال إلى لبنان أولاً ثمّ إلى قبرص، حيث عاش حتى وفاته عن عمر ناهز 87 عاماً يوم 14 آذار 1987.

المناصب

وزيراً للداخلية (14 آب – 14 كانون الأول 1949)
رئيس مجلس النواب (3 كانون الأول 1949 – 23 تموز 1951)

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!